ميراث خامنئي

مرشد إيران: رأس النظام والرجل الأكثر سلطة ونفوذا في أركان الحكم
* شكل خامنئي باعتباره «رأس» نظام الجمهورية الإسلامية ائتلافا مع العساكر والمؤسسات الأمنية في مرحلة ما بعد الخميني وفرض سياساته على 3 أجيال في إيران من خلال سلطة بلا منازع
* خامنئي هو الذي قام بعزل التيار الذي كان يمثله آية الله منتظري وكل منتقديه في الحوزة الدينية ومعارضي ولاية الفقيه المطلقة خوفا من خسارة نفوذه وسلطته
 

واشنطن: وصل آية الله خامنئي إلى سدة الحكم بعد عام واحد من انتهاء الحرب بين إيران والعراق. كان آية الله منتظري، نائب الخميني، والذي كان من المتوقع أن يحل محل الأخير بعد وفاته. ولعب منتظري دوراً بارزاً في إدراج مبدأ ولاية الفقيه في الدستور الإيراني، ولكنه قدم استقالته بعد انتقاداته المتتالية لاستمرار الحرب الإيرانية العراقية وخاصة معارضته للإعدامات الجماعية بحق سجناء سياسيين في صيف 1988. وكانت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون أو من دون محاكمة. وقدم آية الله منتظري استقالته في مارس (آذار) 1989.

لقد توفي الخميني في يونيو (حزيران) 1989، وتسلم آية الله خامنئي السلطة وأصبح المرشد الأبدي للجمهورية الإسلامية والقائد العام للقوات المسلحة ورأس النظام والرجل الأكثر سلطة ونفوذا في أركان الحكم.

وشكل خامنئي باعتباره «رأس» نظام الجمهورية الإسلامية ائتلافا مع العساكر والمؤسسات الأمنية في مرحلة ما بعد الخميني وفرض سياساته على 3 أجيال في إيران من خلال سلطة بلا منازع وإنكار مبدأ حكم الشعب للشعب وتجاهل الحريات الأساسية للشعب.

تمكن خامنئي من خلال إمبراطوريته المالية والنظام القضائي الفاشل والفاسد الناتج عن الاستبداد الديني من شراء ولاءات كافة المؤسسات الحكومية والكثير من مراجع التقليد ورجال الدين والفقهاء.

وقال الدكتور رضا تقي زاده المحلل الإيراني المقيم في بريطانيا والأستاذ الجامعي في جامعة جلاسكو لـ«المجلة» حول أداء آية الله خامنئي بعد 30 عاما على تعيينه مرشدا للجمهورية الإسلامية: «لقد استمر خامنئي في النهج الذي أسسه الخميني وهو إثارة التناقضات بين الفرقتين الإسلاميتين الكبيرتين وهما السنة والشيعة. لقد أدت هذه السياسة إلى تصعيد الخلافات بين الشيعة والسنة. لم تكن قضية إثارة الخلافات بين السنة والشيعة محور اهتمام السلطة في فترة حكم الخميني ولم يؤخذ على محمل الجد كثيرا آنذاك. وكان هناك نوع من الرغبة للتقريب بين الشيعة والسنة إبان حكم الخميني، ولكن خامنئي وبسبب إصراره على المواجهة مع دول الخليج وبسط نفوذه في دول الجوار مضى في سياسة إثارة التوترات بين السنة والشيعة للحد الأقصى.

كما أن خامنئي اعتمد على القوة العسكرية والحروب بالوكالة وبالتالي أدخل خامنئي العالم الإسلامي وخاصة الشرق الأوسط في دوامة صراعات جديدة. وهذا هو ميراث خامنئي.

وكان مبدأ تصدير الثورة حتى منتصف عهد الخميني مثار شك وموضع ترديد وتم التعامل معه بنوع من النفي حتى إن العمل به توقف في فترة ما.

يسعى خامنئي في الوقت الراهن إلى نشر التشيع بشكل طائفي وقواعد السلطة في المنطقة بالقوة والسلاح وبالتالي فإن الأموال التي يجب إنفاقها في القطاع الاقتصادي الإيراني يتم هدرها لبسط القوة والنفوذ في المناطق الشيعية أو لمواجهة الإسلام السني».

ويرى تقي زاده أنه «لا يجب اعتبار خامنئي مرجعية دينية ساعية للتقريب بين الدول الإسلامية لأنه من الواضح تماما أن خامنئي لا يعتبر عنصر استقرار بل هو السبب في إضعاف العالم الإسلامي من خلال بث الفرقة والخلافات بين السنة والشيعة.

وكانت إسرائيل القضية المحورية للعالم الإسلامي ولكنها تحولت إلى مسألة ثانوية لدى الرأي العام الإسلامي بسبب انشغالهم بالخلافات السنية الشيعية وهذا يعتبر نوعا ما جزءا من الميراث المشؤوم لحكم خامنئي الممتد لثلاثين عاما».

وتداولت المواقع الإخبارية الإيرانية في يناير (كانون الثاني) 2018 مقاطع من وقائع الجلسة التي تشكلت في 4 يونيو 1989 لتعيين خامنئي بوصفه الزعيم الثاني للجمهورية الإسلامية. ويعتبر خامنئي في هذه الجلسة أن تعيينه مرشدا للثورة يحمل إشكالات أساسية، ويقول: «يجب أن نبكي دما على مجتمع إسلامي يطرح فيه احتمال قيادتي وقيادة أمثالي له».

وقال رضا تقي زاده حول هذه التصريحات: «عندما يصل الحكام المستبدون إلى السلطة يتصورون أو يقرون بأنهم لا يستحقون هذا المنصب. يصاب كل المستبدين شيئا فشيئا بجنون العظمة. لا تخرج تصرفات خامنئي عن قاعدة تصرفات المستبدين الصغار. خامنئي هو الذي كان يقول عند ترشيحه لمنصب زعامة الجمهورية الإسلامية بأنه لا يستحق أن يكون مرجعا دينيا، وعندما كان البعض يشككون في صلاحيته لتولي المنصب كان يقر بأنه لا يتمتع بالجدارة لتولي منصب مرشد الثورة ولكنه شيئا فشيئا راح يقدم نفسه كزعيم للشيعة في العالم. وبات خامنئي اليوم يدعي أنه زعيم كل المسلمين. يسعى خامنئي وبإنفاق أموال باهظة إلى إيجاد مراكز سلطة تابعة له في كل أنحاء العالم الإسلامي لكي يصبح زعيما للعالم الإسلامي. تملك مؤسسة الإمام الخميني للإغاثة رأسمال بنحو مائة مليار تومان. وليس هذا المبلغ قليلا حيث يقيمون به مواكب حسينية في مدن كثيرة بكندا والولايات المتحدة ويدشنون مساجد ومؤسسات علمية بهدف توسيع دائرة نفوذ خامنئي على أقل تقدير. ورغم ذلك كله فإن المرشد فقد الكثير من قواعده الجماهيرية في إيران والدول الأخرى ويتم صنع قواعد جماهيرية مزورة ومصطنعة له».

ويرى المحلل السياسي أن «هناك صيغة ذهبية تفيد بأن الاستمرار في السلطة يؤدي إلى الاستبداد، حيث يؤدي الاستبداد لا محالة إلى الفساد. لقد تجلى هذا الفساد كله خلال زعامة خامنئي الممتدة لثلاثين عاما وفي المجتمع الإيراني في الوقت الراهن. كلما مر عام على زعامة خامنئي كلما غرق المجتمع أكثر في الفساد والاختناق وزادت سلطته وسطوته وتهربه من تحمل المسؤولية. كما أن خامنئي لا يخضع لإشراف من أي مؤسسة كانت. يمسك خامنئي بأركان الحكم حيث يقر بعض مسؤولي الأجهزة الحكومية بأن علي خامنئي يمسك بـ80 في المائة من السلطة من دون أن يخضع خامنئي نفسه لإشراف أحد».

وتابع تقي زاده: «مما لا شك فيه أن وجود نظام على غرار الجمهورية الإسلامية يؤدي إلى الفساد في أي مجتمع كان، خاصة في المجتمع الإيراني الذي يتمتع بثروة هائلة من النفط والغاز وإيرادات النشاط التجاري. فالجماعات والأفراد الذين يدعمون الحاكم المستبد في إيران يتملصون من مسؤولياتهم على غرار الحاكم نفسه. هذه الجماعات ترتبط بعضها ببعض وتزداد قوة بسبب حالات الزواج السياسي والعلاقات والصفقات السرية بين رجال الدين. ويمكن وصف هذه الحلقة التي تنشر الفساد في المجتمع بأنها ورم خبيث تنتشر في كافة أرجاء المجتمع الإيراني. يتحمل خامنئي المسؤولية المباشرة لبروز هذا الوضع المجتمعي. لا يخضع خامنئي لرقابة أي مؤسسة بل هو يمسك بكل أركان السلطة».

ويعتبر التهرب من المسؤولية هو منشأ الانحراف في عهد آية الله خامنئي. تهرب خامنئي دوما من المسؤولية للحفاظ على مكانته كمشرف على كل مؤسسات الدولة وبقائه في السلطة ما دام على قيد الحياة. يعتمد خامنئي أسلوبا قائما على برودة الدم والثقة الزائفة بالنفس وإطلاق هتافات على غرار شخصية دون كيخوت ونفي الفشل والفساد الهيكلي للنظام السياسي لولاية الفقيه».

وأكد رضا تقي زاده على ذلك قائلا: «قد لا يهم كثيرا بأن خامنئي يعيش في قصر كبير أو بيت صغير وأن أبناءه يرتادون الكازينوهات أم لا. ما يهم هنا هو أن خامنئي وجماعته يستغلون الثروات الوطنية وينشرون الفساد في أنحاء البلاد ويرفضون الاعتراف بأن الفساد تفشى في المجتمع الإيراني وأن الفساد السياسي استشرى حاليا في كافة أنحاء البلاد. هذا يعني أن كل الموظفين في المؤسسات الحكومية من الرتبة الأعلى إلى الأدنى مضطرون لأخذ الرشاوى أو دفعها. هذا يمثل جزءا من الفساد الذي يمتد لأورقة البرلمان والحكومة والمؤسسات التابعة التي تستحوذ على القطاع الاقتصادي».

وتابع تقي زاده: «على أي حال فإن خامنئي ترك ميراثا مشؤوما. كما قلت سابقا بأن الاستمرار في السلطة يؤدي إلى الاستبداد والاستبداد يولد لا محالة الفساد. وتفشي الفساد في الوقت الراهن في كل أنحاء البلاد، ولكن ما يبعث على السرور هو أن الفساد السياسي سينتهي بفعل انهيار داخلي. ما أريد قوله إنه من المستحيل أن يدوم الفساد السياسي والمالي للنظام الفاسد إلى الأبد».

لقد قدم خامنئي، الذي ناهز الثمانين من عمره، خلال حكمه على البلاد لفترة ثلاثين عاما صورة مصحوبة بالعنف للنظام السياسي والسلطة الغاصبة لولاية الفقيه المطلقة. كان خامنئي هو الذي قام بعزل التيار الذي كان يمثله آية الله منتظري وكل منتقديه في الحوزة الدينية ومعارضي ولاية الفقيه المطلقة خوفا من خسارة نفوذه وسلطته.

يعتبر آية الله منتظري أول وأهم شخصية راح ضحية صموده ومعارضته لآية الله خامنئي. وكان منتظري الذي قام بانتقاد أداء خامنئي وسجله الأسود المنظر الرئيسي لنظرية ولاية الفقيه وهو أستاذ خامنئي. ولكن منتظري وقف في وجه خامنئي وكانت النتيجة طرده وإقصاءه هو وبقية المنتقدين في الحوزة الدينية على غرار آية الله آذري قمي، وآية الله صادقي طهراني.


اشترك في النقاش