التعددية الحزبية في مصر بين العائلة والتمويل

ثقب في جدار الأحزاب المصرية

* من السهل على البعض أن يلقي مسؤولية ضعف المشاركة على هذه الأحزاب ذاتها من باب أن السلطة في مصر غير مقصرة


* يوجد يقين بأن تداول السلطة والتعددية الحزبية في ظل نظام سياسي ديمقراطي حديث هو السبيل لدولة متقدمة ومستقرة
* الأمية أحد الأسباب وراء عدم تفاعل المواطنين مع الأحزاب وعدم فهم شريحة كبيرة منهم لبرامجها السياسية

القاهرة: تُعتبر التعددية الحزبية من أهم سمات الديمقراطية، لذا كان حرص الرئيس الأسبق مبارك على أن تكون هذه التعددية شكلية أو فولكلورية والحزب الذي يخرج عن السياق يتم تقويضه وتدميره من الداخل (والوسائل في ذلك كثيرة ومتعددة)، ولم يكن يُسمح لأي حزب تبدو عليه أمارات الحيوية من خلال «لجنة إنشاء الأحزاب»، حتى يبقى هو مستأسدا بالسلطة منفردًا بالحكم في سلاسة وسهولة ويسر... لكن بعد ثورة 25 يناير فُتح الباب على مصراعيه أمام التيارات السياسية لتشكيل أحزاب. ومن الواضح أن الأحزاب التي أنشئت من رحم جماعات، كالإخوان المسلمين والتيارات الأخرى، استطاعت سريعًا في الانتخابات البرلمانية أن تحصل على ما يزيد على 70 في المائة من المقاعد، أما الأحزاب الأخرى، القديمة منها والحديثة، فلم تحظ إلا بنصيب متواضع، وهذا بالتأكيد راجع إلى عدة عوامل، بعضها مرتبط بالأحزاب ذاتها، وبعضها الثاني له علاقة بالمناخ العام، وبعضها الثالث خاص بالفترة الزمنية المحدودة ما بين الإنشاء وخوض الانتخابات.
 
ثقب في جدار الأحزاب المصرية
قالت دراسة بعنوان «ثقب في جدار الأحزاب المصرية» للباحث والصحافي علاء عصام والصادر عن دار المعارف للطبع والنشر، إن تغيب الأحزاب عن ذهن وعقل وإحساس المواطن منذ سنوات طويلة رغم كثرة عددها ووصولها إلى أكثر من 85 حزب رسمي معترف بها من لجنة شؤون الأحزاب، وربما من السهل على البعض أن نلقي مسؤولية ضعف المشاركة على هذه الأحزاب ذاتها من باب أن السلطة في مصر غير مقصرة. وأن التقصير من قيادات وأعضاء هذه الأحزاب ولكن من الأمانة والموضوعية أن ندرك أن هناك عوامل كثيرة في هذه الحالة، وأن المسؤولية مشتركة بين أعضاء الأحزاب والسلطة في عهود مضت إلى الآن، وما دفع البحث إلى الغوص في هذه الأزمة أن لدينا يقينا بأن تداول السلطة والتعددية الحزبية في ظل نظام سياسي ديمقراطي حديث هو السبيل لدولة متقدمة ومستقرة، كما أن الأحزاب هي همزة الوصل بين السلطة والشعب ووعي حقيقي لامتصاص غضب المواطنين، حينما يتحرك قادتها بوعي حقيقي لتحقيق أحلام وطموحات الجماهير دون تعرض جسم الدولة لأي خطر.
ويوضح الكاتب في مقدمة كتابه الأسباب التي دفعته لكي يحلل الأزمات التي تعاني منها الحياة الحزبية، حيث استطاع أن يشرح بأسلوب سهل وبسيط حسبما وصف أسلوبه الدكتور علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية والذي كتب مقدمة الكتاب، ما هي الأسباب التي تسببت في تراجع الأحزاب واهتزاز صورتها في عقل المواطنين وعدم ثقتهم بالتجربة الحزبية والتي من المفترض أن تكون حلقة الوصل بين السلطة والمواطن ومعبرة عنه وعن مشاكله وتقوم بدورها في الرقابة والتشريع.
ويقول الدكتور علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية عن الكاتب في مقدمة الكتاب تعليقا على الفصل الأول: «والرأي الذي يقول به المؤلف هو نفس الرأي الذي تبناه آباء الفكر الليبرالي في مصر من أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وقاسم أمين والدكتور طه حسين والدكتور محمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد» الذين وجهوا سهام النقد إلى كثير من القيم الثقافية والتفسيرات الدينية الذائعة، فمن المسلم به أن الديمقراطية ليست مجرد دستور وقوانين ومؤسسات وإجراءات وحسب، وإنما أيضا نسق من القيم والمعتقدات المتعلقة بالعقلانية والحرية والمساواة والتسامح وهو ما يطلق عليه تعبير الثقافة الديمقراطية.
 

الأمية أحد الأسباب وراء عدم التفاعل
وأكد الكاتب في الفصل الأول من الدراسة وهو بعنوان «الأزمة الثقافية» على أن الأمية أحد الأسباب وراء عدم تفاعل المواطنين مع الأحزاب وعدم فهم شريحة كبيرة منهم لبرامجها السياسية ودورها، لافت إلى أن المواطن يسيطر عليه الانتماء القبلي والعشائري ولا يؤمن بالدولة المدنية بشكل عام وما زال يعيش في مجتمع يسيطر عليه الفكر الرجعي والأبوي التسلطي.
وطالبت الدراسة بضرورة أن يناضل السياسيون من أجل نشر الفكر التنويري الحداثي في المجتمع قبل البحث عن وصول الأحزاب للسلطة حيث إن تداول السلطة في ظل هذا المناخ هو أمر صعب للغاية كما أن هذا المناخ لا يسمح بشكل عام بالتأسيس لمجتمع ديمقراطي حداثي، من هنا وجب على الأحزاب السياسية في مصر الدخول في حوار مع السلطة والحكومة لنشر الفكر الحداثي في مناهج التعليم وفي المجتمع من خلال الإعلام والفنون والثقافة حتى يكون الإنسان قادرا على تقييم الأمور بشكل نقدي ويملك درجة كبيرة من الوعي ويصبح أكثر إيمانا بالتجربة الحزبية ودورها في الرقابة والتشريع ووضع السياسات مثلما هو قائم في كل دول العالم.
وأشارت الدراسة إلى أن الأحزاب تعاني من أزمات مالية كبيرة تجعلها غير قادرة على الإنفاق على الانتخابات أو الأنشطة الحزبية المختلفة. من هنا وجب تعديل قانون الأحزاب للسماح بممارسة نشاط اقتصادي بضوابط، إلى جانب دعم الدولة للأحزاب حسب نسب تمثيلها في البرلمان. 
كما ذكر الباحث في الفصل الثالث بعنوان: «هزيمة الإعلام الحزبي» ضرورة إصلاح منظومة الإعلام الحزبي والتي يعتبرها إحدى أدوات الحزب الأساسية للوصول للمواطنين ومناقشة مشكلاتهم وقضاياهم ومراقبة الحكومة في آن واحد، حيث إن تراجع توزيع الصحافة الورقية كان له أثر سلبي بشكل رئيسي على الصحافة الحزبية وجعلها بلا أي تأثير على المواطن، كما أن الأحزاب لم تستطع أن تجاري الواقع وتخلق قنوات إعلامية مؤثرة لضعف قدرتها على الإنفاق.

 




علاء عصام


 
إجراء نقد ذاتي للأحزاب السياسية
وترى الدراسة ضرورة إجراء نقد ذاتي للأحزاب السياسية في مصر وممارسات الحزبيين الخاطئة كجزء من الإصلاح السياسي، حيث انتقد الكاتب في الفصل الثاني بعنوان «النقد الذاتي» أحزاب العائلة والتي تتشكل من أسرة واحدة ويسيطر عليها الأب والأبناء وليس لها أي تأثير في الشارع وليس لها وجود في البرلمان أو المجالس المنتخبة، كما استطاع الباحث أن يوجه سهام النقد بشكل صريح وواضح للأحزاب التي تحالفت مع الإخوان في انتخابات عام 2011 مثل حزب الكرامة بقيادة حمدين صباحي وطالبهم بالاعتذار للشعب وعدم التحالف مع الأحزاب الدينية في المستقبل.
وبكل وضوح انتقد الكاتب نفسه عندما كان يستخدم هتاف «يسقط حكم العسكر» وأكد على أن هذا الهتاف كان يخدم الإخوان وليس مصر، مشيرا إلى أن أصحاب المعاشات لقنوه درسا لن ينساه عندما استخدم هذا الهتاف في إحدى مظاهراتهم في عام 2011 ورفضوا هذا الهتاف وانهالوا عليه بالصراخ والسباب ثم عفوا عنه عندما اعتذر، واقتنع بأن القوات المسلحة هي درع مصر ولا يجب الهتاف ضد الجيش لا سيما وأنهم لم يتحالفوا مع الإخوان مثلما كان يعتقد الكاتب في نفس العام بل استطاع الإخوان أن ينجحوا بنسب كبيرة لإيمان الشارع المصري بهم في هذا الوقت ثم انقلب عليهم الشعب عندما كشفهم في عام 2013 وثار ضدهم.
واستطاعت الدراسة خلال 9 فصول أن تعرض كل المشكلات التي تعاني منها الأحزاب ووضع حلول لها مختصرة وأشارت إلى خطورة تداخل العمل الحقوقي مع العمل الحزبي، وكشفت دور الإخوان وبعض الأحزاب في تدمير النقابات واستغلالها في أغراض سياسية بعيدة كل البعد عن الغرض الأساسي التي تأسست من أجلها النقابات، من هنا وجب الفصل بين العمل الحزبي والنقابي وأن تكون النقابة فقط مكانا للمطالبة بحقوق أبناء المهنة.


اشترك في النقاش