قدرة اقتصاد إيران على المقاومة تتراجع بسبب التضخم والديون والعقوبات والبطالة

الاقتصاد الإيراني يختنق وطهران لا تزال تدعم الإرهاب
* إرسال الأموال والمعدات العسكرية إلى الجماعات الإرهابية سلوك إيراني مستمر
* مستشار سابق لصندوق النقد الدولي: معدل التضخم في إيران وصل 80 %
* تشديد الخناق على عنق الاقتصاد الإيراني سيدفع طهران إلى الجلوس للتفاوض
* الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة وغير قادر على الاستمرار في مواجهة العقوبات
* 11 مليون عاطل... و45 % نسبة البطالة بين الشباب الإيراني
* مجموعة العمل الدولية لمراقبة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب تحذر طهران مجدداً
* عقوبات إضافية على طهران في فبراير إذا لم تنفذ اتفاقية باليرمو لمكافحة الإرهاب
* القوة الشرائية للمواطن الإيراني تأثرت بنسب غير مسبوقة

القاهرة: خفضت الممارسات الإيرانية المستمرة في دعم الإرهاب وغسل الأموال من حجم التوقعات فيما يتعلق بثقة المجتمع الدولي في النظام الإيراني الحالي خاصة بعد سلوكياته الأخيرة في الإقليم، وفتح باب التوقعات السلبية فيما يتعلق بالاقتصاد الإيراني ومستقبله خلال الفترة القادمة، وقدرته على مواجهة أزماته الواضحة والمستمرة والتي تؤثر بشكل كبير على الداخل الإيراني، والتي كانت نتاج أعوام من العقوبات الاقتصادية الغربية الرامية لحث طهران على التوقف عن سلوكها والانضمام تحت لواء المجتمع الدولي، والإصغاء إلى تخوفات المؤسسات الدولية التي ما زالت مؤشراتها سلبية جدا بخصوص النظام الإيراني وكان آخرها انتقاد هذه الممارسات التي أثرت بالسلب على عملية خفض مستوى التوتر في منطقة الشرق الأوسط الذي يزداد التهابا يوما بعد آخر، وفرضت سلوكيات طهران المزيد من التخوفات الدولية من قبل المؤسسات الكبرى توضح عدم التزامها باتفاقياتها وتعهداتها في النقاط الحساسة التي تتعلق بالأمن الإقليمي منذ انسحابها من الاتفاق النووي بشكل منفرد في مايو (أيار) 2018 ومن بينها ما صدر مؤخرا من تحذيرات لمجموعة العمل الدولية التي تعد هيئة دولية لمراقبة عمليات غسل الأموال ومكافحة الإرهاب أن إيران فشلت لسادس مرة في تنفيذ النقاط الرئيسية لخطة الإصلاح، ولا توجد سوى مؤشرات قليلة جدا تشير إلى رغبة طهران في تنفيذ التزاماتها في الاتفاق بين الجانبين، حيث ما زالت تواصل إرسال الأموال والمعدات العسكرية إلى الكثير من الحركات الإرهابية والفصائل ومنها جزء كبير يتم تحويله من خلال الحرس الثوري الإيراني، وبحسب البيان أيضا فإن إيران لا تقوم بتجريم عمليات تمويل الإرهاب، ولا تقوم بتجميد أصول الجماعات الإرهابية بما يتوافق مع قرارات مجلس الأمن الدولي في هذا الأمر، وفشلت السلطات الإيرانية في توضيح رصدها ومراقبتها للقائمين على التحويلات المالية المشبوهة، وحذرت المجموعة الدولية طهران مجددا من مواجهة عواقب صارمة إذا لم تقم بتنفيذ بنود اتفاقية باليرمو ومكافحة الإرهاب بما يتماشى مع معايير المجموعة الدولية وذلك قبل شهر فبراير (شباط) من العام القادم 2020 وإن المجموعة الدولية سوف تدعو أعضاءها للعودة مرة أخرى للإجراءات المضادة التي تم وقفها بشكل مؤقت عقب توقيع الاتفاق النووي.

 




الدكتور فخري الفقي


 
آثار وخيمة للعقوبات على الاقتصاد الإيراني
الدكتور فخري الفقي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والمستشار السابق لصندوق النقد الدولي قال لـ«المجلة»: «آثار العقوبات الأميركية والغربية على الاقتصاد الإيراني ستكون وخيمة بلا شك خلال الفترة القادمة، وعندما نرجع قليلا إلى الوراء فإن العقوبات الأميركية بدأت بشكلها الحالي في شهر مايو (أيار) 2018 بعد خروج الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الإيراني وإصرار طهران على عدم الجلوس لإبرام اتفاق جديد من خلال مفاوضات وفقاً لأسس جديدة، وإصرار إيران على الإبقاء على اتفاقها القديم والتزاماتها خلال المجموعة الأوروبية».
وأضاف: «هناك حزمتان من العقوبات الأميركية، في عامي 2018 و2019. وهي عبارة عن تشديد الخناق على عنق الاقتصاد الإيراني بحيث إنه لا يجد مفرا في النهاية سوى الرضوخ (من خلال المسؤولين الإيرانيين) للجلوس إلى مائدة المفاوضات للوصول إلى اتفاق جديد وفقا لما تراه الإدارة الأميركية الحالية».
 
الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة
وعن آثار تشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني قال الدكتور فخري الفقي: «كعكة الإنتاج الإيرانية تتقلص بشكل واضح، فمعدل النمو الحقيقي عام 2018 تقلص نحو 4 في المائة تقريبا، وتوقعات المؤسسات الدولية ومن بينها صندوق النقد الدولي أنه في عام 2019 والذي قارب على الانتهاء سيتقلص النمو إلى نحو 6 في المائة وهذا مؤشر خطير لأن معدل النمو من السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد الإيراني يقل سنويا بهذا الشكل ليصل إلى هذا المعدل عن العام السابق، ومع استمرار معدلات النمو السكانية في إيران سيستمر التدهور في مستوى المعيشة بالنسبة للمواطن الإيراني، ونضيف إلى ذلك المستوى العام للأسعار وزيادة التضخم العام بفعل ضعف قيمة العملة الإيرانية، فالسعر الرسمي للريال الإيراني (في حدود 45 ألف ريال مقابل الدولار الواحد)، وفي السوق السوداء يصل إلى ثلاث مرات ونصف أعلى من هذا الرقم أي يزيد على 140 ألف ريال مقابل الدولار الواحد بسبب الندرة في النقد الأجنبي الذي تحتاجه طهران لاستيراد احتياجاتها الرئيسية، وهذا يؤدي إلى ارتفاعات في معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية، وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج التي يتم استيرادها من الخارج مما أدى إلى زيادة معدلات التضخم التي وصلت بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي إلى نحو 80 في المائة، ومعنى ذلك أن دخل المواطن بقدر تدهوره من الزيادة السكانية مع تقلص الناتج المحلي 6 في المائة أصبحت القوة الشرائية للمواطن الإيراني تتآكل بنسبة معدل التضخم وهو 80 في المائة، وبالتالي يصعب ذلك عليه مواجهة تكاليف المعيشة التي ارتفعت بشكل كبير، كذلك يجعل من حياة المواطنين تزداد سوءا، وكذلك تآكلت فرص العمل بسبب إغلاق الكثير من المصانع بسبب ندرة النقد الأجنبي والذي أثر على عملية الاستيراد لمستلزمات الإنتاج الخاصة بهذه المصانع وبالتالي يتم الاستغناء عن العمالة في الكثير من المنشآت سواء الخدمية أو السلعية، وأصبح عدد العاطلين تقريبا نحو 11 مليون عاطل وهو ما يزيد على 30 في المائة حيث تمثل قوة العمل في إيران نحو 35 مليون عامل، فيما تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى نحو 45 في المائة، كل هذا يؤدي إلى التدهور في معيشة المواطن الإيراني بسبب تقلص الناتج المحلي والتضخم الذي يضرب المجتمع هناك».


 
إجمالي الديون الإيرانية بلغت 45 مليار دولار
وفيما يتعلق بالحالة العامة للاقتصاد الإيراني على المستوى الكلي للدولة قال الدكتور فخري الفقي: «إجمالي الديون الإيرانية بلغت 45 مليار دولار، هذا بالإضافة إلى ما يتم دفعه من خدمة الديون وهي أقساط تشمل أصل الديون والفوائد، وإيران أصبحت تفي بالكاد بالتزاماتها في دفع خدمة الدين وذلك نتيجة ندرة النقد الأجنبي وهذا يعود إلى استخدامها احتياطياتها لدى البنك المركزي بالسعر الرسمي الذي يقل كثيرا عن سعر السوق السوداء لاستيراد السلع الأساسية وهو ما يؤدي إلى تآكل الاحتياطي النقدي الإيراني، وتقوم الحكومة الإيرانية بدعم الفارق بين السعر الرسمي والسعر الحر للدولار مما يؤثر على الاحتياطي النقدي الذي يتدهور بشدة، وبهذه الآلية يعاني الاقتصاد الإيراني، وتجد الحكومة الإيرانية صعوبة شديدة في سداد التزاماتها، وفي نفس الوقت الوفاء باحتياجات الشعب الإيراني».
وعن استغلال المتاح من صادرات إيران النفطية أضاف: «الاقتصاد الإيراني كان يعتمد بشكل كبير على صادراتها من النفط، وأدى الحظر على تصدير النفط الإيراني من قبل أميركا إلى معاناة كبيرة للإيرانيين، حيث كان إنتاج إيران الرسمي من النفط نحو 2.5 مليون برميل، ووصل حاليا بعد حظر صادراتها من النفط بعد العقوبات الأميركية إلى نحو نصف مليون برميل فقط يتم تصديره إلى دول بعينها مثل الصين والهند وبعض الدول الأخرى باتفاق مع أميركا، ولكن الدول المسموح لها باستيراد البترول الإيراني تقل تدريجيا، ورغم اتباع طرق تلتف بها طهران على العقوبات ولكنها لا تفي بكل احتياجاتها، وأصبحت قدرتها على الالتفاف محدودة، ومع انخفاض أسعار النفط تضطر إيران لضخ المزيد من النفط لتفي باحتياجاتها من النقد الأجنبي لكن الحظر الأميركي يقف بالمرصاد لتصدير النفط الإيراني للخارج، وهناك مشكلة بالنسبة للاقتصاد الإيراني الكلي حتى مع بعض أشكال المقايضة مع الاتحاد الأوروبي بالنسبة للسلع والخدمات».
 
قدرة محدودة على الصمود
وحول مدى صمود الاقتصاد الإيراني قال: «قدرة النظام الإيراني على الصمود محدودة في ظل استمرار الوضع على هذا الحال، ومن الممكن أن ترضخ طهران في خلال عام إن لم يكن أقل من ذلك للجلوس على طاولة المفاوضات مع أميركا، وكانت هناك محاولات أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة مع أميركا للوصول إلى اتفاق لكنها لم تفلح، ورغم اعتياد الاقتصاد الإيراني على العقوبات منذ فترة طويلة، ومحاولاته المستمرة في تعزيز قدرته على البقاء أطول فترة ممكنة في مواجهة العقوبات الاقتصادية من خلال اتباع سياسة النفس الطويل، ولكن كل ذلك لن يكون مجديا إذا وصلت الأمور إلى حافة الهاوية، وأشدها الضربات العسكرية، مثلا سنجد أن النظام الشيعي الإيراني الذي ينتهج مبدأ «التقية» سينحني للعاصفة ويبدأ في الرضوخ للطلبات الغربية، ويعلم ترامب جيدا وهو ذو خلفية اقتصادية أن العقوبات الاقتصادية وخنق الاقتصاد الإيراني أجدى من العقوبات العسكرية، وأميركا التي تنتج نحو 22 في المائة من إنتاج العالم تعلم جيدا ما تقوم به تجاه الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بشدة، وإن طال الأمر أو قصر سترضخ إيران في النهاية إلى الجلوس لإعادة التفاوض مع الغرب خاصة بعد أن فقد اقتصادها الرؤية وطال انتظار المواطن الإيراني الذي قد يفقد صبره ومن الممكن أن تنفلت الأمور، وبلا شك فإن الهدف النهائي لاقتصاد أي دولة هو تحسين أحوال المواطنين، بصرف النظر عن موضوع التسليح».


 
قائمة سوداء
تم إدراج إيران عام 2009 ضمن القائمة السوداء وذلك بعد اقتراح من مجموعة العمل المالي الدولية، وبعد الاتفاق النووي عام 2015 تم إخراجها من هذه القائمة لمدة عام بعد تعهد طهران بمكافحة تمويل الإرهاب، ثم تم تمديدها أكثر من مرة بأمل قبول طهران بكل قوانين وقرارات مجموعة العمل الدولية التي أعطت إيران مهلة حتى شهر فبراير من العام القادم 2020 لتنفيذ جميع اشتراطاتها، وتثبت الإجراءات الأخيرة عدم السماح لطهران بالاستمرار في سلوكياتها بتمويل الإرهاب، والتحويلات المالية المشبوهة للجماعات الإرهابية، وسيوجه هذا الإجراء رسائل مهمة للمؤسسات المالية للحذر من التعاملات الإيرانية، وتهدف العقوبات الأميركية والغربية على طهران إلى دفعها للتوقف عن تمويل الإرهاب والعمليات المشبوهة، ودعم الجماعات الإرهابية بالمال والسلاح، وكذلك دفعها للجلوس إلى طاولة المفاوضات مجددا لإبرام اتفاقات جديدة، وتستند المحاولات الغربية في الضغط على طهران إلى ما يعانية الاقتصاد الإيراني من تدهور خلال السنوات الماضية خاصة خلال عام 2018 والذي شهد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الذي سبق وأن وقعته مع طهران وسمح لها بالتنفيس عن اقتصادها المتدهور، وطلبت أميركا توقيع اتفاق جديد وهو ما رفضته طهران التي تمسكت باتفاق 2015 واستندت في ذلك إلى الدعم المشروط والجزئي من بعض دول الاتحاد الأوروبي، ولكن لا يزال تراجع معدلات الاقتصاد الإيراني يلقي بمزيد من الضغوط على الحكومة الإيرانية في ظل زيادة أعباء المعيشة بعد ظاهرة التضخم الكبيرة، وزيادة سعر الدولار الأميركي وهو ما أدى إلى غلاء الأسعار، وعدم توفر السلع الأساسية، وكذلك زيادة حجم البطالة بين الشباب الإيراني، وزاد من الأمر سوءا الصعوبة في تصدير النفط الإيراني المحدود بشروط أميركية، وكذلك استنزاف رصيد الاحتياطي النقدي في البنك المركزي الإيراني نتيجة زيادة الدين الخارجي الذي وصل لمعدلات غير مسبوقة، وتهدف الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية إلى دفع طهران لمائدة المفاوضات مجددا لوضع أسس جديدة للملف النووي الإيراني، وكذلك سلوك طهران في الإقليم فيما يتعلق بعلاقتها بالجماعات الإرهابية وغسل الأموال.


اشترك في النقاش