احتجاجات لبنان تكشف أخطاء «حزب الله»

أكدت فشل الخطاب الطائفي والتخويف والإذلال في إكراه اللبنانيين على الخضوع
* ما يحدث في لبنان اليوم ليس بمعزل عما يحدث في شوارع العراق، وتحديدًا في المناطق الشيعية. تتحول الاحتجاجات غير المسبوقة التي تبدو على صلة بمحاربة الفساد، بالتدريج، إلى معركة ضد نفوذ إيران في المنطقة

عندما خرجت احتجاجات غير مسبوقة في شوارع لبنان من شمالها وحتى جنوبها، مرورًا ببيروت وجبل لبنان، فوجئت الطبقة السياسية اللبنانية بما حدث. لقد فشلت أعوام من الخطاب الطائفي والتخويف والإذلال في إكراه الشعب اللبناني على الخضوع. وفي حين بدأت الاحتجاجات صرخة ضد الفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية، لفتت ردود السلطات - وتحديدًا من «حزب الله» – انتباه المتظاهرين إلى الحاكم وصاحب السلطة الفعلية في لبنان: وهما «حزب الله» وإيران.
من المثير للاهتمام متابعة رد فعل الشارع على ردود «حزب الله». عندما تحدث قائد «حزب الله» حسن نصر الله، لأول مرة في أثناء الاحتجاجات، وقف إلى جانب السلطة ضد المتظاهرين. وعندما تحدث للمرة الثانية كان من الواضح أنه هو – وحزبه ورعاته – السلطة الفعلية في لبنان.
 
أخطاء «حزب الله»
كان الوقوف في صف السلطة وإخبار المتظاهرين أن مطالبهم لا قيمة لها خطأ «حزب الله» الأساسي، الذي وضع إطارًا لمكانه في لبنان اليوم وعلى مدار الأيام المقبلة. لقد أوضح أنه السلطة الرئيسية التي تقرر من يبقى ومن يرحل وكيف يجب أن يتصرف المتظاهرون.
ولكن فيما بين الخطابين، ارتكب «حزب الله» عددًا من الأخطاء الأخرى. دائمًا ما كان «حزب الله» يجيد المناورات السياسية والاستراتيجيات العسكرية، ولكنهم لا يملكون أي أدوات للتعامل مع ثورة صادقة وحقيقية. فقد ردوا بالطريقة التي اعتادوها في الغالب: 
بالعنف، فقد استخدموا العنف ضد اللبنانيين من قبل في مايو (أيار) عام 2008، وضد السوريين منذ عام 2011. ولكن في عام 2008 كانوا يواجهون خصومًا سياسيين وليس الشعب اللبناني، وفي عام 2011 استخدموا الجماعات الإسلامية المتطرفة كفزاعة لتبرير عنفهم.
في هذه المرة تعثروا؛ حيث أرسل «حزب الله» رجاله للاصطدام مع متظاهرين سلميين عُزَل لعدة مرات، ولكن في كل مرة كانوا يعجزون عن إخافتهم من النزول إلى الشوارع. وذلك لأنهم في هذه المرة لا يواجهون عدوًا واضحًا أو خصمًا متطرفًا مثل داعش أو القاعدة. إنهم في هذه المرة يحاربون الشعب اللبناني بوضوح وبساطة. كلما زاد استخدامهم للعنف وبعثت قيادتهم مزيدًا من التهديدات، خرجت أعداد أكبر من الناس إلى الشوارع في تحدٍ لخطاب الخوف والطائفية.
أكثر ما يثير الإعجاب في هذه العملية هو المجتمع الشيعي، الذي خرج إلى الشوارع تحت العلم اللبناني ذاته وفي ظل الخطاب غير الطائفي ذاته والمطالب ذاتها. أخافت وحدة الشعب اللبناني الطبقة السياسية بأسرها والتي كانت تستخدم الخطاب الطائفي نفسه طوال 30 عامًا، ولكن أكثر من أخافته هو «حزب الله» الذي بدأ يدرك أنه لم يعد يسيطر على المجتمع الشيعي في لبنان.
شهدت المدن والبلدات الشيعية أسوأ رد فعل عنيف على يد «حزب الله» وشركائه في حركة أمل. بيد أن الناس استمروا في الخروج إلى الشوارع بعد كل اشتباك وتهديد عنيف. فلم يعد لديهم ما يخسرونه.
واليوم يتضح أمران: إن «حزب الله» هو العدو الرئيسي للشعب اللبناني، والشيعة لم يعودوا جزءًا من دائرة نفوذ «حزب الله». وجُرِد «حزب الله» من أهم أعمدة سلطته في لبنان. وفي العموم، تحدت وحدة الشعب اللبناني الفساد وحكم الميليشيا في الشوارع.
 
خيارات «حزب الله» وتبعاتها
قدم رئيس الوزراء سعد الحريري استقالته في ثاني أسبوع من المظاهرات. وقوبل ذلك بشعور كبير بالنصر في الشوارع، بيد أن العملية أطول وأعقد من استقالة الحريري.
من الجهة الدستورية، يحتاج البرلمان إلى إجراء مشاورات فورية مع الرئيس من أجل اختيار رئيس الوزراء القادم. وحتى ذلك الحين، ربما تبقى حكومة الحريري ببساطة لتسيير الأعمال. وبالنظر إلى أن تشكيل البرلمان الحالي تسوده أغلبية «حزب الله»، فليس من المحتمل أن يسمح بانتقال مناسب للسلطة. يمكنهم أن يماطلوا حتى يسأم الناس أو يُجبروا على العودة إلى منازلهم. وهذا سيناريو غير مرجح نظرًا لأن الأزمة المقبلة سوف تعيد الجميع إلى الشوارع مرة أخرى؛ وهذا هو الانهيار الاقتصادي الذي يواجهه لبنان منذ عدة أشهر. لذا في نهاية الأمر، سيكون على هذه السلطة – أي سلطة «حزب الله» – أن تتعامل مع تداعيات مثل هذا الانهيار وربما خطة إنقاذ دولية تحتوي نفوذهم في نهاية المطاف.
يستطيع «حزب الله» أن يستخدم مزيدًا من العنف، مثلما حدث في السابع من مايو عام 2008، عندما اقتحمت ميليشيات «حزب الله» شوارع بيروت وجبل لبنان لأول مرة شاهرةً أسلحتها في وجه لبنانيين آخرين. ولكن هذا أيضًا سوف يكون له رد فعل عكسي، حيث لم يؤد العنف إلا إلى ظهور «حزب الله» في صورة سيئة وجلب مزيد من الانتقادات ضده في الشارع. ولا يمكن للحزب أن يتحمل خسارة أبعد مما خسره بالفعل.
يستطيع «حزب الله» أيضًا تغيير هذا المشهد بشن حرب ضد إسرائيل، وبالتالي يستغل خطاب «المقاومة» ويجبر الناس على العودة إلى منازلهم. ومع ذلك، سوف يبذلون أقصى جهدهم لتجنب هذا الخيار. إن أزمتهم المالية الخاصة تجعل من الصعب للغاية عليهم تمويل الحرب أو التعامل مع مرحلة إعادة الإعمار، لا سيما أنهم سيتعرضون للوم بسبب وقوع الحرب هذه المرة.
في جعبة «حزب الله» عدد من الخيارات التي يستنفدونها واحدًا بعد الآخر. ولكن في كل إجراء يتخذونه، يكون للناس رد فعل. وعن طريق وقوفه في صف السلطة، صرف «حزب الله» الشعب اللبناني – بما فيه دوائره الانتخابية – ضده، فلا يوجد خيار يُعد جيدًا لـ«حزب الله».
حققت هذه المظاهرات بالفعل الكثير من النتائج المهمة. فقد جُرِد «حزب الله» من سلطته بخسارة ركيزتين أساسيتين: التأييد الشعبي الذي كان يحظى به بين اللبنانيين، وفي الأساس بين الشيعة؛ وكذلك حلفاؤه السياسيون الذين سقطوا في الشارع سياسيا: رئيس مجلس النواب نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل. فليست مصادفة أن أكثر زعيمين سياسيين فاسدين هما الحليفان الرئيسيان لـ«حزب الله»، وليست مصادفة أن الاحتجاج ضد الفساد تحول إلى احتجاج ضد «حزب الله».
وأخيرًا وليس آخرًا، ما يحدث في لبنان اليوم ليس بمعزل عما يحدث في شوارع العراق، وتحديدًا في المناطق الشيعية. تتحول الاحتجاجات غير المسبوقة التي تبدو على صلة بمحاربة الفساد، بالتدريج، إلى معركة ضد نفوذ إيران في المنطقة.
إيران في وضع صعب للغاية، وبغض النظر عما سيحدث بعد ذلك، فقد خسرت بالفعل أغلب نفوذها؛ الشعب. واتضح أمر واحد: لا عودة إلى المربع الأول.
* حنين غدار: باحثة في زمالة فريدمان الافتتاحية في معهد واشنطن.


اشترك في النقاش