هل تشعل تظاهرت العراق ولبنان الداخل الإيراني؟

رسائل قاسية للأتباع ودعوات القضاء على الطائفية لا تستهوي طهران
* مساعد وزير خارجية أسبق: الدولة المدنية وسيادة القانون وحقوق الأقليات مفاهيم لا تروق لنظام الملالي في إيران
* دعوات القضاء على المحاصصة الطائفية لا تستهوي ملالي إيران وتمثل خطراً على دولة الفقية
* انتقال الفوضى إلى إيران احتمال وارد في ظل توترات الداخل
* الوضع الاقتصادي الداخلي يهدد استقرار إيران
* المظاهرات أوصلت رسائل مهمة لأتباع إيران في العراق ولبنان

القاهرة: أثارت المظاهرات المستمرة في العراق ولبنان رعب النظام الإيراني الذي بات مشغولا بكيفية إخماد التوترات الدائرة في البلدين بسبب التخوف الكبير من انتقال شرارة الثورة إليه خاصة مع ضعف الحالة الإيرانية خلال الفترة الأخيرة، وتأثر الداخل اقتصاديا واجتماعيا وانعكاس ذلك على حياة المواطنين.
التخوف الإيراني يزداد كل يوم من انتقال المظاهرات إليهم حيث تشترك الحالتان العراقية واللبنانية في امتلاك جذور طائفية ترتبط بشكل أو بآخر بطهران التي تمتلك أذرعا قوية في الداخل العراقي يتمثل في الحشد الشعبي، وكذلك «حزب الله» في لبنان حيث يشترك النموذجان في امتدادات إيرانية واضحة مما يزيد التخوف من انتقال الفوضى إلى الداخل الإيراني، وعزز التخوف من هذا الارتباط ما قام به المتظاهرون من إشعال النيران في القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء العراقية مؤخرا وهو ما يوصل رسالة مهمة إلى طهران بضرورة فك ارتباطها غير القانوني بدول الجوار خاصة إذا كان هذا الارتباط سلبيا، ويريد التحكم وفرض السيطرة على دول ذات سيادة من خلال أذرع خفية ومعلنة.
 
تخوف إيراني
الانزعاج الإيراني مما يحدث لدى الجيران عبر عنه مسؤولون إيرانيون في أكثر من موقف وكان التخوف واضحا لدى أكبر رأس في المنظومة الإيرانية وهو مرشد الثورة آية الله خامنئي الذي عبر عن قلقه البالغ مما تشهده الساحتان العراقية واللبنانية موجها اتهاماته إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بالوقوف وراء تطورات الأمر المتسارعة، والمظاهرات المستمرة في البلدين - وهي الاتهامات الجاهزة دوما لدي السلطات الإيرانية والتي اعتادت توجيهها لتبرير رد فعلها تجاه ما يحدث - مطالبا قوات الأمن بالتصدي لهذه المظاهرات والسيطرة على الوضع المضطرب توطئة لإيجاد حلول سياسية في كل من النموذجين، ضاربا مثلا بالاحتجاجات التي طالت إيران عام 2017 وطريقة التعامل الإيراني معها رغم انتشارها بشكل موسع.
الاعتراض والتخوف من المظاهرات لم يقتصر على المسؤولين الإيرانيين فقط ولكن كان مثار حديث المرتبطين بهم في الداخل اللبناني وذلك بعد تأكيدات حسن نصر الله الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني المرتبط بإيران بأن البعض يريد استدعاء الاقتتال الداخلي وأن المطلوب كان تنفيذ انقلاب سياسي وتقويض المؤسسات في الدولة اللبنانية والذهاب بلبنان إلى الفراغ، محذرا المتظاهرين من استغلال مظاهراتهم من قبل البعض، ومطالبا بالبحث عن أموال في حالة التأكد من تلقي البعض تمويلات، مشيرا إلى دور أميركا في منع لبنان من الخروج من الأزمة وسد كل طريق للحل، مؤكدا على قوة «حزب الله» وشعبيته لدى الداخل اللبناني وامتلاك المقاومة لكوادر وقيادات قوية، فيما سارت تصريحات نائب قائد الوحدات الخاصة بالشرطة الإيرانية العميد حبيب الله نثاري إلى نفس التوجه بالإشارة إلى أن هدف الاضطرابات في العراق ولبنان هو إضعاف جبهة المقاومة في المنطقة والتي وصفها بأنها أعظم إنجاز لإيران.
 
رسائل مهمة لطهران
مطالب المتظاهرين في النموذجين تشابهت في الكثير من النقاط خاصة ضرورة فك الارتباط بالخارج الإيراني ففي لبنان طالب المتظاهرون رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة تكنوقراط من خلال وزراء لا يرتبطون سياسيا أو حزبيا بأي فصيل، ويقوم هؤلاء بالتحضير لانتخابات برلمانية، ثم يعاد انتخاب رئيس جمهورية جديد بعد ذلك، ثم يتم تشكيل حكومة أكثرية لانتشال لبنان ممن سيطروا عليه سياسيا منذ عقود، وهي المطالب التي تتعارض مع من يرتبطون بصداقة مع إيران حيث سيمثل ذلك تهديدا لمواقعهم داخل لبنان وفي الوزارات السيادية، وتقويض نفوذ المتنفذين في الداخل اللبناني من أتباع إيران، فيما تطالب المظاهرات العراقية باستقالة الحكومة وإعادة الانتخابات مما يعني القضاء على نفوذ الميليشيات.
في حين أوصلت المظاهرات العراقية رسائل مهمة إلى طهران حيث وصلت المظاهرات إلى العمق الشيعي في العراق داخل مدن المقامات الدينية في النجف وكربلاء ولم تقتصر فقط على كربلاء والبصرة، وفاجأ ذلك الميليشيات المؤيدة لإيران حيث لم يقتصر الأمر على السنة فقط هذه المرة والذين كانت تضرب مظاهراتهم في الماضي بشدة من قبل العناصر الموالية لإيران، وشملت الاحتجاجات جميع القطاعات الشعبية تقريبا ومن بينهم العسكريون، وكان لسقوط عدد كبير من القتلى أثر مهم في زيادة المظاهرات واستمرارها وتنديد العراقيين بميليشيات إيران والمطالبة برحيلها إلى خارج العراق، وكذلك عدم عودة الوضع إلى الخلف.
الترقب كان ولا يزال سمة النظام الإيراني منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في لبنان والعراق، وغلف هذا الترقب دعوات معلنة لانتهاج مبدأ الحوار والإصغاء إلى المطالب الشعبية وعدم المواجهة خاصة مع ما تمثله الأزمة من حساسية في ظل الطائفية المستعرة خاصة في النموذج العراقي أكثر منه في اللبناني حيث يغلف النموذج العراقي البعد العشائري والقبلي الذي يمكن أن يدفع الأمر إلى منحى عنيف والذي قد يدفع إلى تقسيم العراق المتوتر في الأساس والاتجاه إلى المحاصصة السنية والشيعية في هذا التقسيم مما يمكن أن يؤثر على وحدة واستقرار العراق ليس هذا فقط ولكن تبرز في الأفق المشكلة الكردية الملتهبة.

 




السفير حسن هريدي


 
طموح الحرية والديمقراطية ونبذ الطائفية لا يروق طهران
السفير حسن هريدي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، قال لـ«المجلة»: «الخطر الذي تمثله المظاهرات لنظام الملالي في إيرن ولكل القوى السياسية العربية الموالية بشكل أو بآخر لطهران هو سيطرة نموذج الديمقراطية وتغلبه على الطائفية، حيث إن الطموح في كل من العراق ولبنان هو تفعيل نموذج دولة مدنية (لا طائفية ولا دينية) تتأسس هذه الدولة على سيادة القانون والديمقراطية واحترام الحريات العامة وحقوق الأقليات، وكلها مفاهيم لا يقر بها نظام الملالي في إيران، وهي مفاهيم تتناقض مع توجهات القوى الشيعية العربية الموالية لإيران كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، وهذه القوى والميليشيات تستمد قوتها من تعبيرها عن فئة وطائفة من طوائف الشعب، ولكنها لا تعبر عن الشعب بأكمله».
وتابع: «الدعوات التي خرجت من العراق ولبنان والدعوة لتأسيس دولة مدنية لا تقوم على المحاصصة الطائفية لا تستهوي الملالي في إيران وأنصارهم في العالم العربي بالإضافة إلى أنها تقوض مصالحهم الاقتصادية ودورهم السياسي وعلى المدي الطويل تمثل خطرا كبيرا على نظام ولاية الفقية في إيران».
وأضاف السفير حسن هريدي: «الاحتماليات موجودة بلا شك لتعرض الداخل الإيراني للتوتر جراء المظاهرات الموجودة في الدول المجاورة في العراق ولبنان، والمقارنة بين النموذجين في العراق ولبنان ومثيلهما في إيران سيحكمها موضوع الحشد والاستمرارية، فمن الممكن أن يحدث ذلك في مدينة من المدن الإيرانية، ولكن قد يؤخر من هذا الاحتمال في المستقبل القريب كم الضغوط الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية على إيران مما يثير تخوف الشعب الإيراني من تعرضه للمزيد من الضغوط الاقتصادية التي قد تسببها الاحتجاجات، حيث إن الحالة الاقتصادية لا تسمح بتعطل الأنشطة الاقتصادية والتجارية في إيران التي تتعرض لنظام عقوبات صارم، وأيضا خشية اتهامهم من قبل أنصار النظام بأنهم يمثلون عنصر خيانة في وقت تحتاج فيه إلى تضامن شعبي في مواجهة العقوبات الأميركية، وفي نفس الوقت يميز المظاهرات في العراق ولبنان سمة الاستمرارية رغم سقوط ضحايا ومصابين في العراق، والكل مدرك أن استمرار المظاهرات في لبنان سيؤثر على الاقتصاد بطريقة سلبية».
وحول تصريح عدد من الرموز الإيرانية مؤخرا عن انتقاد المظاهرات في العراق ولبنان واتهام أميركا بالتسبب في هذا التظاهر قال: «يجب أن نقر بأن اندلاع المظاهرات في كل من لبنان والعراق جاء نتيجة للأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة والتي كان لها تأثيرات على الأوضاع الاجتماعية للشعبين في العراق ولبنان، وجاءت المظاهرات كذلك للانفصال الكبير بين الطبقة الحاكمة وبين الجماهير في العراق ولبنان».
 
ضغوط على الحكومة الإيرانية
يؤشر تراجع وتيرة نمو الاقتصاد الإيراني بشكل كبير خلال الفترة الماضية، وما صاحبه من غلاء الأسعار، والبطالة وارتفاع معدلات الدين، وصعوبة تصدير النفط وزيادة الضغوط على المواطن الإيراني بما صاحبه من تضخم غير مسبوق إلى تقويض عملية استقرار الداخل، والقى هذا بالمزيد من الضغوط على الحكومة الإيرانية، وأثار تخوفاتها من انتقال أي نموذج للتوتر من الجيران إلى الداخل لديها.
ورغم اعتياد النموذج الإيراني على العقوبات المفروضة عليه من أميركا والمجتمع الدولي، إلا أن قدرة النظام على الصمود تعد محدودة في ظل استمرار التوتر الجاري في الإقليم، وكذلك استمرار العقوبات الاقتصادية في ظل المعاناة الموجودة لدى الشعب الإيراني جراء العقوبات والتي تهدد بانفلات الوضع الداخلي، وخنق الاقتصاد مما ينذر بتفاقم الوضع وانعكاسه على الاستقرار الاجتماعي للمواطن.
 
صراعات واستقطابات مذهبية
يكتنف الغموض مصير المظاهرات العراقية واللبنانية، وإلى أي مدى سوف تسير في تغيير واقع الحياة السياسية في البلدين مع ما يحيط بهما من تجاذبات تديرها جماعات ترتبط بقوى إقليمية، وهل سيكتب الاستقرار السياسي والدستوري في نهاية الأمر للدولتين أم ستسير الأمور في اتجاه مخالف لطبيعة التغيير السلمي للواقع السياسي في ظل ما يدور في الإقليم من صراعات واستقطابات.
ولا يوجد شك في اختلاف المظاهرات هذه المرة عن سابقتها حيث يغلفها الإصرار على التغيير بسبب الواقع الاقتصادي والسياسي المتردي في بغداد وبيروت، هذا بالإضافة إلى تكلفة الدم خلال الأحداث منذ اندلاعها في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وكذلك الرغبة في التغيير والقضاء على عملية الاحتكار السياسي، والصلف الطائفي المتغلغل في النموذجين، والرغبة في تفعيل آليات دستورية وقانونية تقضي على عقود من التبلد الحاصل والذي ضرب مفاصل كلتا الدولتين التي تتمتعان بموقع استراتيجي في الإقليم.
واستمرت المظاهرات العراقية واللبنانية على مدار أسابيع، ففي العراق رفض الآلاف من المحتجين في العاصمة بغداد مناشدات رئيس الوزراء لإنهاء الاحتجاجات التي تكلف الاقتصاد العراقي ملايين الدولارات يوميا وتعطل الحياة العامة للمواطنين بما يصاحبها من تأثر الخدمات العامة من كهرباء وإنترنت وإغلاق الكثير من المدارس والمصالح الحكومية والدخول في عصيان مدني في عدد من المناطق، وإغلاق الطرق ومنع الموظفين من الوصول لأعمالهم، وعرقلة سير العمل في عدد من حقول البترول. 
وقد أثار مقتل المئات من العراقيين وجرح الآلاف منذ اندلاع الأزمة على يد قوات الأمن غضب المتظاهرين الذين أصروا طوال الأيام الماضية على استمرار الاحتجاجات التي أثرت على كل مناحي الحياة، ورغم محاولات القوات الأمنية في السيطرة على الوضع إلا أن الأمور تزداد إضطرابا يوميا في ظل الإصرار على مناوأة الشرطة والحكومة العراقية، ودخلت بعض النقابات، ومن بينها نقابات المعلمين والمهندسين والمحامين والأطباء في إضراب عن العمل، ولم يشفع تعهد المسؤولين العراقيين ومن بينهم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والرئيس العراقي برهم صالح في القيام بإصلاحات وتوفير فرص عمل وإجراء انتخابات مبكرة في تقليل حدة المظاهرات.
وفي لبنان لم يكن الوضع أفضل من العراق حيث استمر المتظاهرون في إغلاق الطرق الرئيسية والمؤسسات الحكومية، في اعتراضات شديدة على الطبقة السياسية التي يتهمها المتظاهرون بالفساد والتسبب فيما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان، ولم تفلح استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري في حلحلة الأزمة اللبنانية أو إيقاف المظاهرات التي أغلقت الطرق وأثرت على سير الحياة في لبنان.


اشترك في النقاش