لبنان: البحث عن مبادرة ترضي تطلعات الشعب الثائر

«حزب الله» يصرّ على تسمية الحريري كرئيس مكلّف للحكومة الجديدة
* نبيل بو منصف: من الواضح حتى الساعة أنّ الطاقم السياسي الذي يرفضه الحراك لم يستوعب حتى الساعة لحظة «17 تشرين»
* علي مراد: النقاش الذي يجري بين السلط السياسية حول تشكيل الحكومة الجديدة لا يعني المتظاهرين،وليس من مهمة المحتجين تقديم الحلول للسلطة
* مع قرار فتح المدارس والجامعات، انضم الطلاب إلى صفوف المحتجين،تاركين صفوفهم التعليمية
* مشاورات تجري في الكواليس بين الأقطاب المعنية لتشكيل حكومة جديدة،وهم رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر و«حزب الله» وحركة أمل من جهة، ورئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري من جهة ثانية

بيروت: يستمر الشارع اللبناني بتطوير أشكال انتفاضته المستمرة للأسبوع الرابع على التوالي، فبعد قرار فتح الطرقات التي أقفلت لأكثر من أسبوعين باتت ساحات لبنان من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورا ببيروت والبقاع تشهد يوميا تجمعات حاشدة تتخللها حلقات نقاشية وتثقيفية ولقاءات بين المتظاهرين لتنسيق خطوات اليوم التالي. 
أمّا بديل قطع الطرقات فكان قرار التحرّك أمام المؤسسات والإدارات العامة والمصارف نهارًا، والقرقعة على الطناجر الفارغة ليلاً، والتي بدأت في مدينة صيدا الجنوبية، وامتدت إلى عدد من المدن الثائرة، وهذا التقليد القديم الذي انتشر بين اللبنانيين هو للدلالة على الجوع والفقر والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها اللبنانيون.
واللافت منذ بداية هذا الأسبوع مع قرار فتح المدارس والجامعات، انضمام الطلاب إلى صفوف الثورة، عبر تنظيم مسيرات حاشدة تجوب شوارع مدنهم، ودعوة زملائهم الطلاب للانضمام إلى صفوف المحتجين، وترك صفوفهم التعليمية، لأنّ ما ستنجزه الثورة أهم بكثير لهؤلاء الطلاب من صفوفهم التقليدية في المدارس والجامعات، فانخراطهم بثورة بلدهم هو الضمانة لمستقبلهم وبقائهم في الوطن دون اضطرارهم إلى الهجرة أو التوسل على أبواب السياسيين كما يقولون. طلاب تتراوح أعمارهم بين العاشرة تقريبا وأوائل العشرينات فاجأوا الأجيال التي سبقتهم بالوعي السياسي والإصرار على انتزاع حقوقهم وابتعادهم عن الطائفية والمذهبية التي نخرت مجتمعاتهم والأجيال التي سبقتهم.
هذا في الشارع، أمّا في المقلب الآخر وعلى الصعيد السياسي، فالمناقشات تراوح مكانها حتى اللحظة، فبعد أكثر من 10 أيام على استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري بعدما وصلت الأمور «إلى طريق مسدود» كما قال، والذي سعى في الأسبوع الأول من الانتفاضة إلى نزع فتيل الغضب الشعبي وذلك من خلال حزمة إجراءات إصلاحية، وطالب رئيس الجمهورية بإعادة النظر بالواقع الحكومي لتلبي تطلعات الشعب الثائر.
الدستور اللبناني يلزم رئيس الجمهورية بعد توقيع مرسوم استقالة الحكومة الدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس مكلف لتشكيل حكومة جديدة، إلا أنّ هذه الخطوة لم تحصل حتى الساعة على الرغم من أنّها مخالفة للدستور، ومبرّر رئيس الجمهورية في تريثه للدعوة إلى الاستشارات النيابية هو محاولة الاتفاق على الخطوط العريضة بين الأقطاب السياسية على شكل الحكومة الجديدة لتسهيل المهمة على الرئيس المكلف.
ولكن يبدو أنّ المشاورات إلى تجري في الكواليس بين الأقطاب المعنية في التشكيل وهم رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر و«حزب الله» وحركة أمل من جهة، ورئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري من جهة ثانية، لم تنجح حتى الساعة.
فبحسب التسريبات التي تخرج عبر الإعلام من أجواء الرئيس الحريري الذي يعقد مشاورات مكثفة للخروج من الأزمة الراهنة، أنّه يفضل الابتعاد عن المشهد الحكومي، الرئيس الحريري لأنّه لا يريد أن يستنسخ الحكومة نفسها، مع تأييده تشكيل حكومة محايدة من اختصاصيين لا تشمل وجوها سياسية مستفزة للشارع المنتفض.
أمّا التيار الوطني الحرّ، الذي حاول منذ بداية الحراك التعويل على انتهاء الانتفاضة الشعبية وعودة الأمور إلى ما قبل «17 تشرين»، والذي خاض معركة تعويم وزير الخارجية السابق جبران باسيل الذي يرفض الشارع إعادة توزيره نظرا لمواقفه المستفزة بحسب غالبية المنتفضين، أعلن أخيرا أنّه يؤيد تشكيل حكومة من «أصحاب اختصاص وكفاءة ونزاهة دون وجود وجوه سياسية، تتشكّل بحسب الدستور وتحظى بثقة أكثريّة الكتل النيابية».
وحده «حزب الله» يصرّ على تشكيل حكومة سياسية مطعمّة بوزراء من أصحاب الاختصاص بشرط أن يكونوا «وطنيين غير ممولين من السفارات»، احتراما لنتائج الانتخابات النيابية التي جرت عام 2018 والتي استطاع «حزب الله» الحصول خلالها على الأكثرية النيابية مع حلفائه. وبحسب التسريبات الإعلامية فإن «حزب الله» يصرّ على تسمية الرئيس الحريري كرئيس مكلّف للحكومة الجديدة، وهذا ما أعلنه صراحة حليف «حزب الله» الرئيس نبيه بري بأنّه «مصرّ كل الإصرار على تسمية الرئيس الحريري لرئاسة الحكومة لأنه لمصلحة لبنان وأنا مع مصلحة لبنان».

 




نبيل بو منصف


إذن يبدو أنّ المشاورات التي تسبق الاستشارات لم تصل حتى الساعة إلى حلّ للخروج من الأزمة التي تتفاقم يوما بعد يوم خصوصا في ظل الوضع الاقتصادي الخطير الذي يعيشه لبنان، وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي نبيل بو منصف في حديث لـ«المجلة» أنّ «هناك محاولات للوصول إلى ملامح اتفاق قبل الدعوة إلى استشارات نيابية، على الرغم من أنّها غير دستورية ولكن في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد خصوصا على الصعيد المالي والاقتصادي، الدعوة لاستشارات نيابية قبل الاتفاق بين السلطة السياسية على اسم الرئيس المكلف وشكل الحكومة سيطيل عمر الأزمة ويؤجج الحراك في الشارع إضافة إلى تكبير الأزمة المالية».
وأضاف: «من الواضح أن هناك صراعا سياسيا بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من جهة إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار أجندة «حزب الله»، وهم الآن يحاولون الوصول إلى تسوية جديدة، بعد انهيار التسوية السياسية التي أنتجت وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية والحكومة المستقيلة، بعد استقالة الرئيس سعد الحريري.
إذن نحن أمام فصل آخر من التسوية ولكن مع وجود لاعب جديد وأساسي هو الحراك، والسؤال هنا: كيف سيمثل هذا الحراك، وهل سيقبل بحكومة سياسية مطعمة بوزراء تكنوقراط؟».
وختم: «من الواضح حتى الساعة أنّ الطاقم السياسي الذي يرفضه هذا الحراك لم يستوعب حتى الساعة لحظة 17 تشرين، ولكن الضغط الدولي الذي بدأ يرتفع إضافة إلى الوضع الاقتصادي والمالي الخطير سيجبر هذه السلطة على الإسراع بالاتفاق والدعوة إلى استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة».

 




الدكتور علي مراد


صرخات الناس في الشارع ومطالبهم وأوجاعهم التي تظهر يوميا عبر الشاشات الإعلامية يبدو أنّها لم تصل حتى الساعة إلى مسامع السياسيين، فبحسب الناشط السياسي وأستاذ القانون في جامعة بيروت العربية الدكتور علي مراد الذي أكّد لـ«المجلة» أنّ «الشارع متمسك بمطالبه في المقابل السلطة السياسية مستمرة في إضاعة الوقت والصفقات الداخلية وكأن ثورة 17 تشرين لم تحدث، فبعد أكثر من عشرة أيام على استقالة الحكومة هناك مراوحة من قبل السلطة السياسية بعدم الدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس حكومة جديد. لذلك فإن المظاهرات مستمرة في الشارع ولكن أشكال الاعتراض تتطور يوما بعد يوم لكي تكون أكثر فعالية وأقل ضررا».
وأضاف: «فالسلطة حاولت أن تحرف كل النقاش الدائر في البلد وركزت على أن المشكلة هي في إغلاق الطرقات، لذلك تنوعت الأشكال النضالية عبر إضراب المدارس والتوجه إلى مقرات المؤسسات العامة وغيرها من التحركات».
ورأى أنّ «النقاش الذي يجري بين السلط السياسية حول تشكيل الحكومة الجديدة لا يعني المتظاهرين، لأنه ليس من مهمة المتظاهرين تقديم الحلول للسلطة، بل على السلطة تقديم المبادرة تلو المبادرة لإرضاء تطلعات الشعب الثائر.
ومطالب الشارع اللبناني واضحة منذ اليوم الأول، استقالة الحكومة وهذا ما تحقق، تشكيل حكومة من اختصاصيين، إجراءات جدية لمكافحة الفساد، استقلالية القضاء وصولا إلى استعادة الأموال المنهوبة، وهناك مطلب آخر لا تزال محط نقاش وهو إجراء انتخابات نيابية مبكرة. لذلك فإن السلطة التي لم تدع حتى الساعة إلى استشارات نيابية مبكرة هي المسؤولة عن أن تقدم الحلول، الشارع فقط يعترض ويثور ويرفع الصوت».
وختم مراد: «المسيرات الطلابية وكافة الأشكال الاعتراضية التي تشهدها الساحات اللبنانية هي التي ستصنع التغيير في المجتمع، ما نشهده اليوم هو لحظة وعي جماعي ستؤدي إلى بناء شخصية المواطن اللبناني وخصوصا الشاب اللبناني الذي استعاد ثقته بهويته وواجباته وحقوقه، فهذه الثورة صححت علاقة المواطن بالمواطن الآخر وعلاقة المواطن بالشأن العام.
الساحات اليوم تشهد على خطاب سياسي واع كسر حواجز الخوف، خصوصا عند جيل الألفية الثانية الذي بات من الصعب تطييفه لأنه أصبح منفتحا أكثر على الآخر وسيساهم في صنع التغيير».
إذن يدخل لبنان أسبوعه الرابع من الانتفاضة الشعبية التي فاقت التوقعات وأربكت السلطة السياسية بأكملها، وحتى اللحظة لم تتعامل هذه السلطة مع الانتفاضة الشعبية بمسؤولية وجدية للخروج من المأزق المالي والاقتصادي الخطير.


اشترك في النقاش