اللجنة الدستورية... سوتشي في جنيف

* المعارضة التي باتت متمرسة على تقديم التنازل تلو الآخر على حساب المصلحة السورية، ستكرر ما تقوله بعد كل فشل: «لقد حاولنا، ولم يكن هناك بديل عن السير باللجنة»، دون أن يملك أحد جرأة الاعتراف، بأن هذه المسارات التي لا تأخذ بالاعتبار تضحيات السوريين وتطلعاتهم، ليست إلا مضيعة للوقت

في حديثه الأخير لـ«الإخبارية» السورية، قال بشار الأسد بمعرض حديثه عن اللجنة الدستورية التي انطلقت أعمالها في جنيف مؤخرًا: «عدنا إلى جنيف جغرافيًا فقط، أما سياسيا فنحن جزء من سوتشي وكل ما يحصل مرجعيته سوتشي».
بهذه العبارة اختصر بشار الأسد ما يكرره ليس المؤيدون له فقط بل حتى ما تقوله المعارضة والثوار الذين رفضوا انخراط مؤسسات المعارضة في اللجنة الدستورية وفي هذا المسار، وكرروا مرارًا أن مسار سوتشي يطيح بجوهر بيان «جنيف-1» والقرار الدولي 2254. ويطيح بجوهر العملية السياسية، ألا وهو الانتقال السياسي، بل ويُعيد تأهيل النظام السوري.
من يتابع كلمات وفد المعارضة في جنيف، أول ما يلفت انتباهه أن أحدًا لم يأت على ذكر نظام الأسد، تحدث بعضهم عن ضحايا ومهجرين، دون أن يذكروا من قتل وهجر، وكأن الفاعل بالنسبة لهم مجهول.
عندما قال وليد المعلم «سنُغرقهم بالتفاصيل»، كان يعي ما يقول، اليوم وبعد أكثر من ثماني سنوات على اندلاع الثورة السورية، غرقت الدول الداعمة للثورة بتفاصيل ملفات مكافحة الإرهاب، وكيفية التعامل مع ملف اللاجئين، وغرق ما تبقى من مؤسسات المعارضة بمشاريع إعادة هيكلة ومؤتمرات توسعة وتوحيد، وبتفاصيل حلول لا تتناسب مع ما قدمه السوريون من تضحيات، ولا تراعي مصالح السوريين وطموحاتهم، بل تراعي مصالح دول راعية لهذه المعارضة، التي التزمت بالرؤية الروسية للحل، وإن لم تُعلنها صراحة.
فما من متابع إلا ويعرف أن معضلة سوريا ليست بالدستور، بل بنظام استخدم جميع أنواع الأسلحة بما فيها السلاح الكيماوي وسلاح الحصار والتجويع ضد السوريين الذين ثأروا مطالبين بحريتهم وكرامتهم، لدرجة أن يُصبح خبر أن تضم هذه اللجنة بين صفوفها مسؤولين اثنين في الأفرع الأمنية، مارسا الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، كما ذكر المحامي السوري الأستاذ أنور البني، تفصيلاً.
روسيا التي طالبت مرارًا المجتمع الدولي بالإسراع لبدء مشروع إعادة إعمار سوريا، وجوبهت بالرفض بسبب استمرار الحرب السورية، بحاجة أن تقول إن الحرب انتهت، وأن تُكرس انتصار الأسد بموافقة معارضة، لا يهم إن كانت حقًا تُمثل السوريين وطموحاتهم أم لا. وأن نظام الأسد بحلته الجديدة قد بات جاهزًا للعودة إلى الخريطة الدولية.
ولكن هل يعني ذلك أن اللجنة ستنجح؟ لا يبدو أن الأمور تتجه بهذا المسار، فالنظام متمرس بالمماطلة، وما إعلان بشار الأسد بحديثه لقناة «الإخبارية» الحكومية، في 31 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بأن الوفد الحكومي هو «وفد يمثل وجهة نظر النظام»، وظهور مصطلح «وفد مدعوم من الحكومة» في تقارير وسائل الإعلام التابعة والموالية للنظام السوري، إلا دليل على بدء المماطلة من اللحظة الأولى لانطلاق أعمال اللجنة. ولماذا لا يُماطل، طالما هو مقتنع أنه قادر على الحصول على المزيد.
أما المعارضة التي باتت متمرسة على تقديم التنازل تلو الآخر على حساب المصلحة السورية، فستكرر ما تقوله بعد كل فشل: «لقد حاولنا، ولم يكن هناك بديل عن السير باللجنة»، دون أن يملك أحد جرأة الاعتراف، بأن هذه المسارات التي لا تأخذ بالاعتبار تضحيات السوريين وتطلعاتهم، ليست إلا مضيعة للوقت. هذا الوقت الذي يُكلف السوريين، في المعتقلات وتحت القصف وفي دول اللجوء، الكثير.