المستشار ماضي توفيق الدقن: الفنان فريد شوقي كان سببا في توجه والدي لأدوار الشر

قال لـ«المجلة»: أحد رجال مجلس قيادة الثورة هدد والدي بضربه بالرصاص

* قدم توفيق الدقن 233 فيلما منها 33 فيلما في خمسينات القرن الماضي، 78 في الستينات، 92 في السبعينات، و30 فيلما في الثمانينات

* حصل على وسام العلوم والفنون من عبد الناصر، والسادات كرمه في عيد الفن، وأحبهما كثيرا لكن لا توجد له صورة ملتصق فيها مع رئيس من الرؤساء، لأنه كان يعتز بنفسه

* والدي لم يكن مغرورا ولم يكن يحب أن نستشعر الفخر أو التميز كوننا أبناء فنان شهير

* لا صحة لما تردد بأن والدي غضب من المخرج مصطفى العقاد لأنه استبعده من فيلم الرسالة

* توفيق الدقن تعلم التمثيل سرا خوفا من والده الأزهري، وكانت والدتي ترسل له مصروفات المعهد في السندوتشات!

* بسبب «بنت الجيران» دخل والدي قسم الشرطة وهو صبي بعد معركة حامية مع شباب المنطقة

* احترف الملاكمة وكرة القدم ورفض الانضمام لنادي الزمالك خوفا على «شعره»

* والدي بدأ الكفاح مبكرا وعمل أثناء دراسته لمساعدة الأسرة، واشتغل كاتبا في المحكمة لإجادته الخط العربي بيديه اليمنى واليسرى!

* في امتحانات معهد التمثيل نظر الريحاني لوالدي وسأله بسخرية: «إيه الدقن دي!!» فرد عليه والدي غاضبا بسؤال استنكاري: «وايه الريحاني دي»! وكانت النتيجة تأخره عاما في الدراسة

* دخل المسرح بالصدفة، وبدأ في السينما بفيلم ظهور الإسلام مع الوجوه الجديدة وقتها: جميل راتب وسعد أردش وعماد حمدي

* كان سعيدا وهو يعمل مع أجيال جديدة مثل عادل إمام ومحمد صبحي لأنهم نجوم كبار يقدرون قيمته، ولكنه غضب جدا من مخرج فيلم «وداد الغازية» لكتابة اسمه بشكل غير لائق

* كان نجم المسرح القومي، وعندما تركه للعمل في مسرح «إسماعيل ياسين» كتبوا عنه في الصحف وقالوا: «أين ضاع هذا الفنان»!

* استعار توفيق الدقن بعض إفيهاته الشهيرة من المطرب محمد عبد المطلب لكنه كان يكره «همبكة»

* فكر في الاعتزال برحيل فريد شوقي والمليجي ورشدي أباظة، لتغير المناخ، وشعوره بالتهميش

* ضغوط الحياة أصابته بـ«السكري» وهو في سن الثلاثين من عمره وأخفى إصابته بالفشل الكلوي في أواخر حياته حتى لا يشفق عليه أحد

* كان يعتقد أنه سيعيش طويلا، وقبيل رحيله طلب زيارة بيت العائلة في شبرا وفي طريق عودته لبيته قال لي بسخرية: «معرفش الظاهر إني هموت أو حد منهم هيموت يالله في ستين داهية»

 

قال المستشار ماضي توفيق الدقن إن أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية هدد والده بالضرب بالرصاص، وأكد في حوار خاص لـ«المجلة» أن نجومية والده الفنان توفيق الدقن ارتبطت بثورة يوليو وأنه محسوب عليها، وأضاف أن نجيب الريحاني كان سببا في تعطيل والده عن الدراسة بمعهد التمثيل لمدة سنة، كما كشف عن موهبة الفنان توفيق الدقن كلاعب كرة وملاكم محترف، وقال الدقن إن والده كان يعتقد أنه سيعيش طويلا لولا مرضه الذي أخفاه عن الجميع.

يعد الفنان توفيق الدقن من أشهر نجوم السينما المصرية والعربية في فترة الخمسينات والستينات وصولا للثمانينات، ورغم تنوع أدواره التي قدمها في السينما والمسرح والتلفزيون إلا أن براعته في أداء الشخصية الشريرة بأسلوب مختلف عن رواد هذا النمط في عصره، أدت إلى ارتباط اسمه بأدوار الشر ذات الملمح الكوميدي وكان قاسما مشتركا في الكثير من الأفلام الجماهيرية التي لعب بطولاتها قامات فنية كبيرة سواء في زمن الأبيض والأسود أو في الأفلام الملونة.

قدم توفيق الدقن 233 فيلما منها 33 فيلما في خمسينات القرن الماضي، 78 في الستينات، 92 في السبعينات، و30 فيلما في الثمانينات، كان أولها فيلم ظهور الإسلام الديني وقدم فيه شخصية محفظ القرآن لأخت عمر بن الخطاب. ومن أشهر أعماله: «درب المهابيل»، «أدهم الشرقاوي»، «الناصر صلاح الدين»، «في بيتنا رجل»، «الشيماء»، «صراع في المينا»، «القاهرة 30»، «ليل وقضبان»، «خرج ولم يعد»، «سر طاقية (الإخفا)»، «ابن حميدو»، و«الفتوة». كما أثرى المسرح العربي بالكثير من الأعمال منها مسرحية «سكة السلامة»، و«الفرافير»، و«المحروسة، و«انتهى الدرس يا غبي».

تميز توفيق الدقن بغزارة العمل والإنتاج الفني الذي لم يقتصر على السينما والمسرح وإنما امتد أيضا إلى الدراما التلفزيونية والإذاعية وقدم من خلالها أعمالا ناجحة منها «سمارة»، و«عيلة الدوغري»، و«هارب من الأيام»، و«مارد الجبل»، و«أحلام الفتى الطائر».

تم تكريم الفنان الراحل توفيق الدقن عدة مرات كما حصل على جوائز كثيرة منها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1956. شهادة الجدارة في عيد الفن عام 1978، بالإضافة إلى جوائز أخرى نالها لتألقه في بعض الأعمال التي قدمها، منها: «في بيتنا رجل، الشيماء، صراع في المينا، القاهرة 30. ليل وقضبان».

توفي الفنان توفيق الدقن في نوفمبر (تشرين الثاني) 1988 عن عمر ناهز الخامسة والستين، وبمناسبة ذكراه الحادية والثلاثين التي تحل هذا الشهر أجرت «المجلة» هذا الحوار مع ابنه المستشار ماضي توفيق الدقن رئيس جمعية أبناء فناني الزمن الجميل.

 



 المستشار ماضي توفيق الدقن

 

* ما الذي تذكره في ذكرى رحيل الوالد الفنان توفيق الدقن؟

- أتذكر كل شيء عنه ولا أنسى شيئا فهو والدي في المقام الأول وأتذكر عصره وما فيه من فن جميل وحب ووفاء.

 

* كيف كان يعاملكم بالبيت؟ وهل كنتم تشعرون كأبناء لفنان شهير بالتميز والفخر؟

- كان أبا حنونا وعطوفا ولكنه عندما كان ينظر لنا كنا نفهم ماذا يريد. وهو لم يكن يحب أن نستشعر الفخر أو التميز كوننا أبناء فنان شهير بل إنه عندما كان يلاحظ هذا الأمر على أحدنا كان يسارع بالتقويم فورا. وكان هو نفسه لا يشعر بهذه النجومية ولا يشغل باله بها ولم يكن مغرورا أبداً وكان يقول هناك شعرة دقيقة بين الكبرياء والخجل، وهو كان خجولا فيظنه البعض متعاليا أو مغرورا.

 

* تردد أن والدة الفنان توفيق الدقن ماتت وهي غاضبة عليه عندما سمعت الناس يتهمونه بارتكاب سلوكيات سيئة اعتقادا منهم أنه شرير كما كان يبدو على الشاشة... فما تعليقك؟

- لا طبعا، هذه القصة ليس لها أساس من الصحة، كما أن والدي لم يكن شريرا وإنما كان يؤدي أدواره بإتقان مما يجعل الناس تصدقه، وإلا كانت خناقاته لا تنتهي.

 

* على ذكر الخناقات والمشاجرات، ما حكاية خناقته ودخوله قسم الشرطة وهو تلميذ بسبب بنت الجيران؟

- في مرحلة الصبا كانوا يلعبون في الشارع مع الأصدقاء ويبدو أن إحدى بنات الجيران كانت تنظر من الشرفة وظن بعضهم أن والدي يعاكسها وهذا غير حقيقي فقد كان متحفظا جدا وقام أحد أصدقائه باتهامه زورا وتم استدعاء الشرطة بعد معركة ساخنة تدخل فيها الأهل وطبعا كان والدي من بين المتشاجرين وتم اقتياد الجميع لقسم الشرطة ولما تبينت الحقيقة خرج والدي وعاد للبيت.

 

* هل فعلا احترف الوالد لعب الكرة في شبابه ولعب لنادي الزمالك؟

- طبعا كان لاعب كرة حريف... ولما نقل جدي لمحافظة المنيا - جنوب مصر - أخذ ينخرط في رياضتي الملاكمة وكرة القدم ولعب لنادي المنيا ولعب كجناح أيسر. وكانوا يلعبون مباراة ضد نادي الزمالك وكان وقتها يحمل اسم المختلط، وهزم الزمالك، وبادر بعد المباراة بطلب ضم والدي ليلعب معهم لكنه رفض خوفا على شعره حيث كان نادي الزمالك وقتها يقوم بحلق شعر كل من يلعب داخل النادي على الزيرو، وكان والدي يتميز بشعر جميل فرفض حتى لا يحلق شعره. وانتقل والدي بعد ذلك من نادي المنيا إلى نادي السكة الحديد ولعب فيه كرة القدم.

 

* كيف جاء التحاقه بمجال التمثيل؟

- قبل العمل بالتمثيل طرق والدي أبواب أكثر من مهنة بعد وفاة والده لأنه تحمل المسؤولية مبكرا باعتباره الأخ الأكبر ووجد نفسه مضطرا لتأجيل طموحه الفني قليلا حتى يتفرغ لمسؤولياته العائلية، وبدأ الكفاح مبكرا ونظرا لحب أهل قريته له قام المقتدرون منهم بإنشاء مصنع ألبان كي يعمل فيه والدي كمحاسب، وقبل ذلك كان والدي يذهب مع جدي في النيابات خلال الإجازة الصيفية فاكتشفوا موهبة جديدة فيه وهي إجادته لكتابة الخط العربي بيديه اليمنى واليسرى. فقرر المستشار رئيس المحكمة أن يستعين به ككاتب في المحكمة، وكان يدرس ويتعلم في نفس الوقت.

 

* متى بدأت ميوله الفنية؟ وهل حقا كان يحول غرفته بالبيت إلى مسرح يمثل فيه لأبناء الجيران؟

- في الحقيقة لم أسمع عن هذه الرواية، لكن والدي كان رئيس فريق التمثيل في المدرسة من صغره وتم اكتشاف موهبته مبكرا منذ كان في المنيا.

 

* قيل إن والدة الفنان توفيق الدقن كانت تحب تمثيل محمود المليجي ولذلك هي التي شجعته على العمل بالفن ليصبح مثله، ما تعليقك؟

- في تلك الفترة كان المليجي هو الأشهر جماهيريا فكانت والدته تنظر له كقدوة لابنها، وأن لا يكون نصف فنان، ولذلك شجعته على الالتحاق بمعهد التمثيل، وكانت ترسل له المصاريف في السندوتشات مع أبناء عمته حتى لا يعرف والده لأنه كان أزهريا وكان دخول ابنه الفن أمرا صعبا عليه في ذلك الوقت بل وعلى المجتمع كله لاختلاف الظروف خاصة أننا نتكلم عن فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.

 

* هل كان التحاقه بالمعهد هو الخطوة التي أدخلته عالم الفن؟

- لقد لعبت الصدفة دورا كبيرا في حياة والدي الفنية، حيث كانت هناك مسرحية من بطولة الفنانة روحية خالد، وكان الفنان عبد العزيز خليل أحد أبطال المسرحية قد تغيب لمرضه، وفي ذلك الوقت كان والدي يلعب كرة القدم وأثناء خروجه من غرفة تغيير الملابس عقب إحدى المباريات لمحته الفنانة فأشارت إليه بأنه هو المناسب كبديل للفنان الغائب ولكن والدي رفض في البداية خجلا من جمهور المسرح لكنها شجعته وشرحت له الدور وحفظه بسرعة وبعدها كان التحاقه بمعهد التمثيل. وحكى لنا والدي عن إحساسه الرائع بتصفيق الجمهور له على المسرح بشكل مختلف تماما وأكثر تأثيرا في نفسه من هتاف مشجعي الكرة له في الملعب، وتم توجهه للدراسة بمعهد التمثيل وكانت هي أول خطوة لاحتراف الفن.

 

* لماذا لم يتم قبول الفنان توفيق الدقن حينما تقدم أول مرة لاختبارات المعهد؟

- السبب هو موقف حدث بين والدي والفنان نجيب الريحاني، كان والدي وسيما شعره جميل جدا فظن نجيب الريحاني أن والدي جاء ليضيع وقته ويستغل شكله لمعاكسة البنات بالمعهد الذي كان جديدا وقتها وكانت لجنة الاختبارات المكونة من الفنانين نجيب الريحاني وحسين رياض، منعقدة لاختيار المقبولين للدفعة الأولى. ونظر الريحاني لوالدي وسأله بسخرية: «إيه الدقن دي!!» فرد عليه والدي غاضبا بسؤال استنكاري: «وإيه الريحاني دي»! وطبعا كان ذلك رد فعل من والدي القادم بأخلاق القرية ولا يتحمل أي سخرية منه أو من اسمه.

 

* لكنها كانت جرأة من الفنان توفيق الدقن أن يرد على أستاذه الريحاني بهذه الطريقة!

- هو فعلا كان جريئا جدا في الحق ولا يقبل أي إهانة وكانت مسألة المواجهة عنده صارمة. وبسبب هذا الموقف لم يتم قبول والدي في تلك الدفعة. ولكن في العام التالي أرسل الأستاذ زكي طليمات لوالدي والتحق بالدفعة الثانية. وأثناء دراسته بالمعهد كان يقدم أدوارا ثانوية بالمسرح ثم التحق بالسينما من خلال أول أعماله فيلم ظهور الإسلام وكان دوره محفظ القرآن لأخت سيدنا عمر بن الخطاب أي أنه كان دورا طيبا. وأذكر أن ذلك الفيلم ضم نجوما كثيرين في بداياتهم منهم جميل راتب وسعد أردش وعماد حمدي وغيرهم مع حفظ الألقاب.

 

* إذا كانت بدايته السينمائية في دور طيب فكيف كانت نقلته للأدوار الشريرة؟

- كان المخرجان يوسف شاهين وتوفيق صالح يشاهدان والدي في أعماله بالمسرح الحر في مسرحية «الناس اللي تحت» فاستشعروا فيه ملامح تساعده على أداء أدوار الشر. فاختاره المخرج توفيق صالح لدور في فيلم «درب المهابيل»، كما جمعت بينه وبين فريد شوقي صداقة قوية وكانت محطة مهمة في حياة والدي نقلته لأدوار الشر. فبعد رحيل أنور وجدي وقتها أصبح فريد شوقي يلعب أدوار البطولة الأولى وقال لوالدي آنذاك سأفعل معك كما فعل معي أنور وجدي، ومنحه أدوارا في أفلام «سلطان»، و«بورسعيد»، وغيرهما وكانت أدوارا ناجحة جماهيريا. ومنها تعرف عليه الجمهور من خلال أدوار الشر واللزمات التي كان يضيفها للدور، ومن هنا قدم والدي نمطا جديدا ومحبوبا من الشر.

 

* كيف نجح وتميز في أدوار الشر في ظل وجود منافسة قوية من أباطرة لهذه النوعية من الأدوار؟

- يرجع الفضل في ذلك إلى طبيعة المناخ الجميل بين الفنانين في الماضي وكانوا يحتضنون أي موهبة جديدة وهذا كان سر نجوميتهم لأنهم كبار ويحتضنون الصغار فكانت المسألة أشبه بمباراة فنية ممتعة فيما بينهم.

 

* ما سر علاقة الصداقة القوية التي جمعت بين والدك ومحمود المليجي؟

- كان كل من فريد شوقي ورشدي أباظة ومحمود المليجي من أعز أصدقاء والدي، وقد حزن جدا بوفاتهم وكان حزنه الأكبر على المليجي ومعهم أيضا عبد المنعم إبراهيم، وكان لذلك أثره السيئ الكبير على حالته النفسية لفقدانهم لأنهم كانوا أصدقاءه، وكان يعتبرهم عشرة العمر.

 

* كيف كان تعامله مع الأجيال التالية التي عمل معها مثل عادل إمام ومحمد صبحي؟

- هذه الأسماء لفنانين عظام وهم يمثلون جيلا محترما من الفنانين الكبار الذين يقدرون قيمة الفنانين الرواد.

 

* ألم يستشعر نوعا من الغضب أو الحزن من تراجع اسمه على الأفيش مع ظهور هؤلاء النجوم الجدد؟

- بالعكس كان يرحب جدا بالعمل مع الأجيال الجديدة وكانوا يقدرونه في كتابة الأسماء ولم يغضب بسبب ترتيب اسمه إلا مرة واحدة وكان ذلك في فيلم «وداد الغزية» بطولة نادية الجندي ولم يكن متحمسا للدور لكنه قبله على مضض، ثم فوجئ بما لم يتوقعه من مخرج الفيلم وهو أنه وضع اسمه متأخرا ومسبوقا بأسماء ممثلين ليسوا بقيمته، ولما قلت له سأرفع لك دعوى قضائية على أصحاب الفيلم، رفض وقال لي «الناس هتنسى الفيلم وتنسى مخرجه وتتذكر فقط توفيق الدقن»، وهذا ما حدث.

 

* هل كان يضايقه أنه لم يقدم بطولات مطلقة ككثير من نجوم عصره؟

- لم تكن فكرة حجم الدور واردة وكان المهم عنده هو قيمة الدور لأن الفيلم كان قائما على الرواية بكل ما فيها من أبطال كثيرين وكل فنان هو بطل في الدور الذي يقوم به كما أن الأدوار الثانية لا تعني أبداً أنها أقل قيمة ولكنها أدوار ذات خصوصية تتطلب فنانين كبارا لا يقلون عن أبطال الفيلم أو العمل الفني.

 

* تردد أن المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد استبعد توفيق الدقن من العمل في فيلم «الرسالة» خوفا من أدواره الشريرة، وأن ذلك دفع والدك لعتابه في أحد اللقاءات، فما تعليقك؟

- هذا الكلام ليس حقيقيا وعار تماما عن الصحة لأن والدي عاش ومات معتزا بنفسه وكرامته ولم يسع لطلب عمل من أحد.

 

* قدم الفنان توفيق الدقن أعمالا فنية متنوعة مع الفنان إسماعيل ياسين. فكيف كانت علاقته به؟

- والدي عمل أولا في المسرح القومي ثم تركه وعمل في مسرح إسماعيل ياسين الذي كان يضم كوكبة من النجوم والفنانين منهم محمود المليجي وشكري سرحان وتحية كاريوكا واستيفان روستي، وذلك لأن مرتبات المسرح القومي كانت ضعيفة. ولكنه عندما ترك المسرح القومي للعمل مع إسماعيل ياسين فوجئ والدي باتصال من أحد رجال مجلس قيادة الثورة وهدده أنه إن لم يرجع للمسرح القومي سيضرب بالنار وقال له: «لو مرجعتش المسرح القومي هنضربك بالنار».

 

* من كان هذا الرجل الذي هدده، ولماذا كان التهديد؟

- لا أحب ذكر اسمه ولكنه كان مدير المسرح القومي آنذاك. أما سبب التهديد فكان سببه حرصهم على والدي ومحبتهم لوجوده في المسرح القومي وعدم تركه، لأنه كان نجم المسرح القومي آنذاك، وعندما تركه كتبوا عنه في الصحف يقولون «أين ضاع هذا الفنان»، وهم يستنكرون ذهابه للعمل في مسرح إسماعيل ياسين رغم عظمة هذا المسرح.

 

* كيف كانت علاقته بالسياسة والسياسيين؟

- والدي حصل على وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى من الرئيس عبد الناصر وعلى جائزة من السادات في عيد العلم وهو كان محبوبا، كما ارتبطت نجوميته بثورة يوليو وظهر معها «واتحسب عليها» مثله مثل عبد الحليم حافظ وغيره من نجوم تلك الفترة.

 

* أيهما كان أقرب لقلبه، الرئيس عبد الناصر أم الرئيس السادات؟

- كان يحب الاثنين جدا وهناك موقف طريف كان يذكره دائما، يرتبط بعمل الرئيس السادات كرئيس تحرير لجريدة الجمهورية، عندما قال في إحدى الخطب «كنت أعمل في جريدة الجمهورية وأكتب عن سميحة أيوب وتوفيق الدقن» فكان والدي يبتسم عندما يسمع ذلك. وبشكل عام كانت علاقته طيبة مع الجميع لكن لو بحثتِ فلن تجدي له صورة ملتصق فيها مع رئيس من الرؤساء، لأنه كان يعتز بنفسه كفنان وهو يخدم مجتمعه بما يقدمه من أعمال من خلال رسالته كفنان.

 

* هل يمكن إلقاء الضوء على مرحلة عمله مع عادل إمام ومحمد صبحي؟

- كانت له تجربة مع المخرج جلال الشرقاوي لم تكتمل وكانت في مسرحية «دبابيس»، وقدم مسرحية «انتهى الدرس» مع محمد صبحي والمخرج السيد راضي. كما قدم أعمالا كثيرة مع عادل إمام منها فيلم «على باب الوزير»، ومسلسل «أحلام الفتى الطائر». ومن مميزات والدي أنه كان يتفاعل جدا مع الشباب وكان يقول لهم «أنا أتعلم منكم وأنتم تتعلمون مني» وهناك فنانون كثيرون ممن تعلموا على يديه وعملوا معه يحكون لي عن ذكرياتهم معه. وكان يرشح للمكتب الفني بالمسرح القومي فنانين من الشباب وقتها ممن يؤمن بموهبتهم مثل صلاح قابيل وخالد زكي وأشرف عبد الغفور، ووضع آماله فيهم رغم صغر سنهم وقتها، وهو أول من رشح خالد زكي لأدوار الشر وفعلا قدمها بعد ذلك ونجح فيها.

 

* من أين جمع مكونات وملامح أدوار الشر التي قدمها عبر أعماله الكثيرة؟

- لم يؤد والدي الشر بشكل نمطي وإنما تناول شخصية الشرير من كل الزوايا، ساعده على ذلك أنه كان من الطبقة الكادحة التي كافحت من أجل مساعدة الأسرة كما رأى أنماطا كثيرة في الحياة التقط منها ملامح، إضافة إلى الموهبة التي من دونها ما كان نجح في تقديم كل تلك الشخصيات المتنوعة.

 

* هل حقا أنه استعان ببعض لزمات وإفيهات الفنان الشعبي محمد عبد المطلب؟

- نعم، فقد كانت له عبارات شهيرة ارتبطت بالأذان منها «صلاة النبي أحسن»، «أحلى من الشرف مفيش»، وأشهرها «ألو يا أمم» التي استعان بها من المطرب عبد المطلب، فكان دائما يرددها لدرجة أنه غناها في أحد الأفلام.

 

* ما أقرب إفيهاته الشهيرة لقلبه؟

- كان يقول: («ألو يا همبكة» أضاف لي 50 في المائة من شهرتي لكني لم أتعاطف معه)، لذلك لم يكن يحبه، وكان يتشاجر مع من يناديه به في الشارع، وأذكر أنه مر بموقف صعب على المسرح بسبب هذا «الإفيه»، أثناء تقديمه لإحدى المسرحيات الكلاسيكية مع الفنانة أمينة رزق وبعد أن أبدع وتألق في أحد حواراته معها فوجئ بواحد من المتفرجين يبدي إعجابه قائلا: «الله يا همبكة»! وكانت العبارة صادمة لوالدي ومثيرة لغضبه فطلب غلق الستارة فورا وظل يبكي خلفها بسبب هذا الإفيه.

 

* هل اشتكى من جحود أبناء الوسط الفني عبر الأجيال المختلفة؟

- والدي لم يكن اجتماعيا بطبعه ولا يحب السهر مع الفنانين إلا مع فريد شوقي والمليجي ورشدي أباظة، ولما رحلوا فكر في الاعتزال لتغير المناخ وظهور سينما المقاولات، وبدأ يشعر بالتهميش في ظل شيوع نجومية من لا يستحقون لمجرد أنهم قدموا فيلما أو مسلسلا ناجحا.

 

* هل شعر بدنو أجله فعلا ؟

- أبدا. كان لديه أمل أنه سيعيش طويلا لكن القدر لم يمهله ومات في سن 65 سنة، فقد أصيب بالسكر منذ كان عمره 30 سنة بسبب ضغوط الحياة ولأنه كان رياضيا ويعتقد أنه لن يتأثر، لم يكن مقتنعا أنه مريض ولم يحافظ على الإرشادات الطبية الخاصة بالمرض مما زاد من أثر المرض عليه حتى سبب له فشلا كلويا في أواخر حياته. وقد أخفى مرضه لأنه لم يكن يحب أن يظهره لأي شخص كما لم يكن يحب أن يبدو ضعيفا أمام أحد فقد كان عزيز النفس معتزا بنفسه ولا يطلب لنفسه شيئا أبدا.

 

* لماذا لم يصبح أحد أبناء الفنان توفيق الدقن من الفنانين؟ وهل كان ذلك تنفيذا لرغبة الوالد؟

- أبدأ هو لم يبعدنا عن العمل الفني، فالانتماء للوسط الفني شرف وعدم عملنا بالفن ليس له علاقة بوالدنا وكل ما في الأمر أن مهنة الفن غير مضمونة فلا بد أن تكون للإنسان مهنة بجوار الهواية الفنية. كما أن الموهبة لا تورث وقد يتفوق الأبناء في عمل أو صنعة أخرى أكثر مما لو عملوا في نفس حرفة الأب.

 



مع أسرته

 

* هل كان راضيا بما حصل عنه من تكريم؟ وهل كان لديه حلم لم يسعفه عمره لتحقيقه؟

- والدي حصل على وسام العلوم والفنون من الدولة وطالما كرمت الدولة الفنان فقد رضي لأنه التكريم الأكبر، كما كرم عدة مرات من جهات كثيرة. وبالنسبة لأحلامه فهي لم تتوقف حتى آخر لحظة في عمره، لقد ظلت لديه الرغبة في العمل وتقديم مزيد من الأدوار مستمرة، وكانت عينه دائما على الأفلام الأجنبية والعربية التي تستحق أن يراها كما أنه كان قارئا ممتازا وكان في جعبته شخصيات كثيرة وآمال في أن يقدمها خلال عمره. وكانت آماله وأحلامه عريضة في أن يعمل ويقدم مزيدا من الأدوار ولذلك كان يقبل الأدوار الصغيرة، وكلمة ضيف الشرف كانت تخيف فنانين كبارا أما هو فلم يكن يخشاها وإلا ما كنا شاهدناه مثلا في دور دريد بن الصمة بفيلم «الشيماء» يؤدي مشهدا واحدا. وحتى عندما شارك مع عادل إمام في أحلام الفتى الطائر كان المخرج محمد فاضل متفقا على أن يخصص حلقتين لكل نجم من النجوم الكبار الذين شاركوا في المسلسل. وما لا يعرفه الكثيرون أنه قدم هذا المسلسل في الإذاعة المصرية وكان هو البطل قبل أن يقدمه الفنان عادل إمام للتلفزيون، ومع ذلك قبل المشاركة بدور صغير في المسلسل التلفزيوني بحكم تسليمه بالتطور الطبيعي.

 



مع زوجته وابنه

 

* هل حلم بوفاته حقا؟

- لم يكن حلما وإنما وجدته فجأة يستيقظ من نومه مرتديا جلبابه البترولي اللون وكوفيته الحمراء ويقول لي «ريحة شبرا في نخاشيشي» وبالمناسبة شبرا منطقة شهيرة في شمال القاهرة يعيش فيها أقاربنا الذين جاءوا من البلد، وقال لي «لازم أروح أسلم على اخواتي» فأخذته ليلا بالسيارة وذهبنا إلى هناك فعلا وسلمنا على عمي وعماتي وحتى من لم يستطع القدوم اتصل به والدي تليفونيا. وفي طريق عودتنا قابلتنا إشارة مرور فانتظرنا قليلا فإذا به يقول لي «معرفش الظاهر إني هموت أو حد منهم هيموت يالله في ستين داهية» وهكذا كان ساخرا وفيلسوفا. وبعدها مباشرة تدهورت حالته الصحية ودخل المستشفى وتوفي خلال أسبوع.

 

* ماذا عن جمعية أبناء الفنانين التي قمتم بتأسيسها؟

- جمعية أبناء الفنانين تهدف لتحقيق حلم أبناء فناني الزمن الجميل ونحن نجاهد في سبيل الحصول على حق الأداء العلني لورثة هؤلاء الفنانين وإن شاء الله سننجح. وقد أسسنا هذه الجمعية لينضم إليها كل أبناء فناني مصر لنقدم هدية لأرواح الآباء من المبدعين الراحلين برد حقوق أدائهم العلني إليهم.

 


اشترك في النقاش