احتجاجات العراق تشعل الغضب ضد إيران

وعود حكومية لم تلبِ مطالب المتظاهرين حتى الآن
* المتحدث باسم قوات مكافحة الإرهاب: القوات العراقية تبذل قصارى جهدها لحماية المتظاهرين من الميليشيات المسلحة التي «تجر المظاهرات السلمية إلى العنف من أجل تنفيذ أجندتها».
* باحث في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب: المظاهرات تشكل خطرًا على الأحزاب السياسية المتصلة بإيران، والمرشد الأعلى علي خامنئي، والميليشيات الشيعية الذين يخشون من أن هذه الثورة سوف تقضي على نفوذهم في العراق
* خبير أمني: الحلول السياسية الراهنة المقترحة لن تحقق التغيير الحقيقي الذي يطالب به المتظاهرون

لندن: خرجت جماهير غفيرة إلى شوارع بغداد والكثير من المحافظات الجنوبية غاضبين من الفساد وسوء الخدمات العامة ونقص فرص العمل في أكبر موجة مظاهرات تضرب بغداد منذ عام 2005. لتهز أركان الحكومة. يتهم المتظاهرون إيران والسياسيين الذين تدعمهم إيران بالسيطرة على العراق والإضرار بمصالح الدولة. ويطالب المتظاهرون باستقالة قيادات بارزة في الحكومة وحل البرلمان والمجالس المحلية، وإجراء إصلاحات انتخابية، وإعادة كتابة الدستور. منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قُتل ما يزيد على 300 عراقي وأصيب الآلاف. تُحمِل المظاهرات القيادة الإيرانية، وبخاصة الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني والمسؤول عن السياسة الإقليمية الإيرانية، مسؤولية تنسيق حملة قمع المتظاهرين عن طريق استخدام العنف المتواصل. ويخشى كثير من العراقيين من إمكانية حدوث مواجهة أكبر بين المتظاهرين وقوات الأمن الحكومية التي تتضمن أعضاء سابقين في ميليشيات تدعمها إيران.
كشفت الاحتجاجات عن حالة من السخط كانت مستترة لفترة طويلة ضد النفوذ الإيراني في الدولة، إذ استهدف المحتجون أحزابا سياسية شيعية وميليشيات على صلات وثيقة مع إيران. في دولة تعد ثاني أكبر دولة منتجة للنفط في منظمة الأوبك، يشكو السكان الفقراء من أن الميليشيات ذات النفوذ المدعومة من إيران أسست إمبراطوريات اقتصادية، واستحوذت على مشروعات إعادة الإعمار في الدولة وتفرعوا إلى أنشطة تجارية غير مشروعة. في الأعوام الماضية، ضرب العراقيون بأحذيتهم صور صدام حسين في إشارة إلى الغضب والإهانة، ولكن اليوم يستخدم المتظاهرون في ميدان التحرير ببغداد أحذيتهم مرة أخرى – ليضربوا بها لافتات تحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وقتل ثلاثة أشخاص على الأقل ضربًا بالرصاص عندما هاجم المتظاهرون القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء في الأسبوع الماضي. وكان المتظاهرون الذين طالبوا بوقف التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للعراق قد تسلقوا أسوار القنصلية وأسقطوا العلم الإيراني ورفعوا بدلاً منه العلم العراقي.
أصيبت الجماهير بالغضب إثر ارتفاع عدد الضحايا في جميع أنحاء البلاد، الذين سقط أغلبهم إثر إطلاق قوات الأمن الذخيرة الحية على الحشود. ووقع أغلب القتلى في أثناء الأسبوع الأول من المظاهرات، عندما أطلق قناصة الرصاص على الحشود من أسطح البنايات في بغداد. وحذرت منظمة العفو الدولية الشرطة من استخدام نوعين من قنابل الغاز التي صنعت على غرار القنابل العسكرية ويبلغ وزنها 10 أضعاف عبوات الغاز المسيل للدموع، وتخترق الجماجم عند إطلاقها على المتظاهرين مباشرة.
صرح جاسم محمد، الباحث في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب وهو مقيم في ألمانيا: لـ«المجلة» بأن الكثير من المتظاهرين يُحمِلون إيران والحرس الثوري الإيراني مسؤولية العنف المميت الذي استهدف المتظاهرين. وقال: «من المعتقد أن الحرس الثوري الإيراني، بالتنسيق مع الميليشيات، ينفذون عمليات إرهابية منظمة ضد المتظاهرين، مثل الخطف والقنص والقتل لترويعهم».
وأوضح أن المظاهرات تشكل خطرًا على الأحزاب السياسية المتصلة بإيران، والمرشد الأعلى على خامنئي، والميليشيات الشيعية الذين يخشون من أن هذه الثورة سوف تقضي على نفوذهم في العراق.
تمتلك إيران مصالح استراتيجية في أن يكون النظام السياسي في العراق مواليًا لها، لما لهذا النظام من أهمية في مواجهة نفوذ أميركا وإسرائيل والسعودية وأطراف إقليمية أخرى، وبالتالي تصمم إيران على الحفاظ على معاقلها في العراق. ويشير وصول الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي يمثل قوات النخبة في إيران ومهندس جهازها الأمني الإقليمي، إلى بغداد في الشهر الماضي، إلى قلق طهران بسبب المظاهرات. وعقب زيارة سليماني بيوم، اتخذت الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في العراق منحى أشد عنفًا بكثير.
وأعربت الحكومة عن شكوكها في وجود طرف ثالث يؤدي دورًا في تأجيج أحداث العنف، عبر استخدام القناصة الذين يهدفون إلى القتل. وصرح المتحدث باسم وزارة الداخلية سعد معن في مؤتمر صحافي بأن «أيادي خبيثة» تستهدف المتظاهرين وقوات الأمن على حد سواء.
ومن جانبه صرح صباح نوري، المتحدث باسم قوات مكافحة الإرهاب في العراق لـ«المجلة» بأن القوات العراقية تبذل قصارى جهدها لحماية المتظاهرين من الميليشيات المسلحة التي «تجر المظاهرات السلمية إلى العنف من أجل تنفيذ أجندتها»، وأنهم يعملون عن قرب مع وحدة مكافحة الإرهاب في العراق لإيقاف هذه الميليشيات.
وذكر الخبير الأمني العراقي سعيد الجياشي أن «قوات الأمن العراقية قادرة على التفريق بين المتظاهرين السلميين الذين يعبرون عن مطالب وطنية ومن يريدون التسبب بأضرار». ولكنه صرح لـ«المجلة» بأنه يُحمِل الحكومة المسؤولية عن عدم فعل ما يكفي لإيقاف من يغلقون الطرق والجسور لتعطيل الحياة العامة.
يعمل المتظاهرون في الوقت الحالي على تصعيد أساليبهم، قائلين إن العصيان المدني هو ملجؤهم الوحيد. وفي يوم الأربعاء، أغلقوا مدخل مصفاة نفط الناصرية الجنوبية، بحسب ما ذكرته مصادر أمنية ونفطية. ومنعوا شاحنات النفط التي تنقل الوقود إلى محطات البنزين من دخول المصفاة، مما تسبب في نقص الوقود. وأغلق الآلاف جميع الطرق المؤدية إلى ميناء أم قصر وهو أكبر ميناء عراقي على الخليج ويقع بالقرب من البصرة. وتعرضت العمليات في الميناء، الذي يستقبل أغلب واردات العراق من الحبوب والزيوت النباتية والسكر، لشلل تام لمدة أسبوع. وكَبَد غلق أم قصر الدولة أكثر من ستة مليارات دولار حتى الآن.

 




متظاهرون عراقيون يشعلون النار في إطارات خلف أسوار القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء لدى الشيعة جنوب العاصمة بغداد، في ليلة الثالث من نوفمبر 2019 (غيتي)
 

 


 
قليل جدًا ومتأخر جدًا
وكان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي وصل إلى السلطة بعد أن أسفرت انتخابات العام الماضي عن جمود سياسي استمر ستة أشهر ليكون مرشحًا توافقيًا بين رجل الدين الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر وخصمه السياسي الرئيسي هادي العامري الذي يُعد تحالفه مع الميليشيات التي تدعمها إيران ثاني أكبر قوة سياسية في البرلمان، قد وعد بتقديم استقالته بعد اختيار من يخلفه. ودعا رئيس العراق برهم صالح إلى إجراء انتخابات مبكرة بعد تمرير البرلمان لقانون الانتخابات الجديد.
ولكن يتضمن الحل المقترح أن تبقى في السلطة نخبة حاكمة ترعاها إيران منذ أعوام. وكانت إيران تعمل عن قرب على وضع استراتيجية جديدة عن طريق عقد عدد من الاجتماعات بين الجماعات السياسية والرموز الحكومية بحضور قاسم سليماني. وصرح مصدران على علم بالمحادثات لـ«رويترز»» أن سليماني قد وافق على خطة الإصلاح، التي سوف تُبقي على رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في السلطة حتى إجراء انتخابات جديدة في العام المقبل، حيث إنها ستمنح إيران وقتًا لكي تعيد حساباتها حول كيفية الاحتفاظ بنفوذها.
بيد أنه لا يوجد إجماع على من يمكن أن يكون خليفة مقبولاً لعبد المهدي. وفي حين يطالب المتظاهرون بتغيير يبدأ برئيس الوزراء، هم لا يريدونه بالتأكيد أن يتوقف عند ذلك. وبينما تدافعت النخب السياسية حول مصير عبد المهدي، احتشد المتظاهرون في ميدان التحرير ببغداد في تعبير عن غضبهم قائلين إن استقالته ليست كافية وطالبوا بإنهاء نظام الحكم القائم على الهوية والتشارك الطائفي في السلطة بالكامل.
صرح نوري لـ«المجلة» بأن استقالة عبد المهدي ليست طريقة معقولة للخروج من الأزمة وأن الحل يتطلب من «العناصر الثلاثة في الحكومة– الرئيس والبرلمان ومجلس الوزراء– الاجتماع معًا لإخراج تعديلات دستورية تلبي مطالب المتظاهرين».
وأعرب نوري عن أمله في أن تتمكن خطوة البرلمان بطرح الدستور للتعديل إلى حل الأزمة الراهنة. وأضاف: «أعتقد أننا إذا نجحنا في تعديل الدستور، سوف نصل إلى حل، حيث إن كثيرا من المشاكل التي نواجهها اليوم في العراق مرتبطة به».
وبحسب ما ذكره الجياشي، فإن مسألة حل الحكومة ليست قضية: «المهم هو أن نركز على تغيير حقيقي».
وأضاف: «لن تحقق الحلول السياسية الراهنة المقترحة التغيير الحقيقي الذي يطالب به المتظاهرون».
وأوضح الجياشي أيضًا أن الاحتجاجات أدت إلى لعبة مدمرة لتبادل اللوم بين الأحزاب السياسية. «تلقي بعض الأحزاب السياسية باللوم على الحكومة، ويتهرب البعض من مسؤوليتهم، ولا يزال البعض الآخر بعيدًا عن الطريق المناسب لتنفيذ ما يطالب به المتظاهرون».
تحت وطأة الضغط المتصاعد، اتخذ البرلمان العراقي خطوات هائلة في 28 أكتوبر، في محاولة لتهدئة الاحتجاجات المعارضة للحكومة، إذ صوَت على حل المجالس الإقليمية والمحلية، وقطع امتيازات كبار مسؤولي الحكومة، وتشكيل لجنة مكلفة بتعديل الدستور في خلال أربعة أشهر. وحازت إعادة كتابة دستور العراق لعام 2005 على موافقة ودعم النخبة السياسية، التي شارك بعضها في وضع مسودته الأصلية. وانعقد أول اجتماع للجنة برلمانية تم تشكيلها في الشهر الماضي للإشراف على الصياغة في البرلمان يوم الثلاثاء، ويأمل المسؤولون أن تساعد الخطوة على تلبية مطالب الشعب وتهدئة المظاهرات التي استمرت لأسابيع. وحتى الآن، لم تحقق الخطط التي اقترحتها الحكومة، والتي قد تستغرق شهورًا في التنفيذ، أي تأثير لتهدئة المتظاهرين المستائين.
وعلى الرغم من أن دوافع الرموز السياسية قد تكون غير منحازة إلى المتظاهرين، فإن تأييدهم للتغيير الدستوري يمثل فرصة مهمة في الاحتجاجات المستمرة. يسري اعتقاد داخل حركة الاحتجاج بأن فقدان الدستور للشرعية أدى إلى نظام معيب، وأنه بالتبعية لن يكون تعديل هذا الدستور حلاً يخفف من المظالم الكثيرة. ولكن كما كتب كل من مارسين الشمري وصفوان الأمين في صحيفة «واشنطن بوست»: «يمكن القول إن عوامل نزع الشرعية ذاتها التي وجدت أثناء عملية وضع دستور 2005 – إذ تم استعجاله وصياغته تحت نفوذ أجنبي – لا تزال قائمة في العراق».
وأضافا أن النهج الحالي الذي تبحثه النخبة السياسية لإعادة كتابة الدستور أو تعديله ربما يفشل في تحقيق المتطلبات الدستورية، ولكن من جهة أخرى، فإن «تعديل الدستور أو إعادة كتابته بطريقة تعكس الإجماع الوطني على نحو هادف، قد يعطي إشارة للمتظاهرين بأن أصواتهم تجد آذانًا صاغية».


اشترك في النقاش