خطابات الأزمة

* «حزب الله» متهم من قبل بيئته الشابة، بتكريس المعاناة التي يعيشها مجتمعه، وبحماية هذا النظام الفاسد، ولكن الفرق أن علاقة الجيل الجديد بالحزب لا تتحكم بها هالة التقديس له، وهم يتسلحون بأحقية مطالبهم التي لا يمكن لأي جهة أن تقف بوجهها

أربع إطلالات للسيد حسن نصر الله في أقل من ثلاثة أسابيع، فيها من التناقضات ما يدفع المتابع إلى التنبه لمدى التخبط الذي يعيشه الحزب جراء الحراك اللبناني الشاب.
في أولى تلك الإطلالات تبنى أمين عام «حزب الله» تحركات الشباب في الساحات، ثم ما لبث أن انقلب عليها متهما أيها بالعمالة للسفارات التي تسعى من خلال هذا الحراك إلى أن تنال من «المقاومة». ولكن في آخر خطاباته عاد ودعم مطالب الحراك في نقطة واحدة وهي محاربة الفساد من دون إغفاله التهكم على مطالب الشارع وتسخيف أساليبهم، على أساس أنه لا يملك (أي الحراك) أدني فكرة أو حتى قدرة على تحقيق ما يطالب به، إذ إنه من اختصاص القضاء اللبناني.
نصر الله كغيره من السياسيين اللبنانيين، في غربة عما يحصل في الشارع. ما يدركه نصر الله ربما دون غيره من زعماء السياسة اللبنانية هو خطورة هذا الحراك الاجتماعي على حزبه نفسه خاصة، وتماسك بيئته حوله، وهو يدرك تماما أن مطالب الشباب لا تنحصر فقط كما أراد أن يشيع في خطابه الأخير في محاربة الفساد، إنما بتغيير النظام الذي تسلل «حزب الله» وغيره من الأحزاب اللبنانية الحاكمة عبره ليتحكم ببيئته. فنصر الله كغيره من الزعامات يستغل ضعف الدولة، وبالتالي يريدها أن تبقى ضعيفة وفاسدة، ليفرض نفوذه عليها من خلال التوظيف أو تسهيل التهريب الجمركي وحماية تجاره من أي ملاحقات قانونية، إلى ما هنالك من أعمال مخالفة للقانون يقوم بها.
فاقتصاد متعافٍ في مجتمع يعمل بشكل طبيعي متحرر من العوز لا يتكل على تقديمات اجتماعية للطبقات الفقيرة والمحتاجة التي باتت تشكل 40 في المائة من المجتمع اللبناني بطبيعة الحال لا تناسب «حزب الله»، إذ تفقده السيطرة على بيئة تتكل عليه لاحتياجاته الأساسية وبالتالي تفقده أداة التمكن بهم والسيطرة عليهم.
كل الذي يجري في عقل الشباب وفي حراكهم لا يناسب نصر الله بتاتا. فبالإضافة إلى تحرر بيئته من خوف مواجهة حزبه والتحرر من تقديسه بات هناك اهتمام من قبل تلك الشرائح بالأمور الحياتية واليومية التي تتعلق بتحسين مستوى عيشها بعيدا عن «أفيون» القضايا الكبرى، وهي ترى أن الأزمات تتأتى من نظام فاسد، وبالتالي للتخلص فعليا من تلك الأزمات وجب التخلص من النظام.
لا يدرك نصر الله ومعظم الطبقة السياسية أن ما يجري في لبنان وفي بعض أنحاء العالم كذلك يعود أصلا إلى الثورة الرقمية التي أدخلت الأجيال الشابة في دينامية اقتصادية جديدة تؤثر بشكل مباشر على طريقة تفكير الشباب وتصرفهم وتقيمهم للأمور كافة وتفاعلهم معها.
لذا هناك هوّة كبيرة تفصل بين تلك الطبقة السياسية البائدة وبين الشباب الناشط.
حزب الله فيما يعنيه لا يريد لبيئته الشابة أن تتحرر من سطوته، وهو بالتالي لا يعرف كيف يتصرف معها. فالأجيال التي سبقت هذا الجيل الثائر، هي بالأساس مثقلة بذكريات الحرب الأهلية والطائفية، وفيها خوف من الآخر المختلف مذهبيا وعاشت الاحتلال الإسرائيلي وواكبت «مقاومة» «حزب الله» له، وعاشت معه نشوة «التحرير» وهي أيضا دخلت معه وبفضله الدولة ووظائفها التي لطالما كانت محرّمة عليها فكانت مبايعته أمرا طبيعيا وسهلا وممكنا.
أما هذا الجيل الذي يواجه نصر الله فلا يعرف الحرب الأهلية، ولا الخوف من الآخر المختلف، ولم يعش يوميات «الاحتلال» وهو شاهد على فساد النظام وأهل الحكم فيه ويطّل على دولة «فاشلة» أكلها الفساد، لا تستطيع تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية ليعيش الإنسان فيها بكرامة. وهو، أي هذا الجيل، يقف عاجزا أمام معاناة أهله المسنين والمنسيين الذين يرضخون لجشع قّلة تنهش من تعبهم وعملهم وتتركهم يموتون على قارعة الطريق. لذا كان هذا الحراك.
أما «حزب الله» فمتهم من قبل بيئته الشابة، بتكريس هذه المعاناة التي يعيشها مجتمعه، وبحماية هذا النظام الفاسد ولكن الفرق أن علاقة الجيل الجديد بالحزب لا تتحكم بها هالة التقديس له، وهم يتسلحون بأحقية مطالبهم التي لا يمكن لأي جهة أن تقف بوجهها.
هذا الجيل الشاب يستطيع بإرادته وبحماسته وبوعيه أن يغير وجه لبنان...