قسنطينة الجزائرية… مدينة النحاس والجمال

الحرفة تواجه خطر الزوال


* من أشهر المعالم السياحية للمدينة «الجسور المعلقة» التي شُيّدت عبر العصور، حيث تضم أكثر من ثمانية جسور، بعضها تحطم لانعدام الترميم، وبعضها ما زال يصارع الزمن، لذا سميت مدينة الجسور المعلقة

* النقش على النحاس هو أحد الفنون التي ما زالت تحفظ بريقها الخاص رغم طغيان أدوات الاستخدام اليومية... ولا تزال منتجات النحاس المزخرفة بالنقوش تجد من يحبذها وتجذب على نحو خاص السياح الأجانب
* صناعة النحاس اليوم تراجعت بشكل رهيب بسبب قلة المادة الأولية وهو ما جعل بعض الحرف تتراجع، وتواجه شبح الانهيار والزوال
 

الجزائر: في حي «بارادو» العتيق بوسط مدينة قسنطينة عروس الشرق الجزائري، لا يكسر هدوء هذا الحي سوى صوت المطارق الحديدية التي تداعبها أيدي «صنايعية النحاس»، وهم منكبون على نقش ورسم أبهى وأجمل الحلل الموجهة للزينة، وأفخم أواني الطبخ بمختلف أشكالها، وأحجامها.

وتُعدُ «محافظة قسنطينة» من أشهر مدن الجزائر، وأكبرها بعد كل من العاصمة ووهران، تشتهر بعدة معالم تاريخية وأثرية ارتبطت أساميها ارتباطًا وثيقًا بتاريخ هذه المدينة التي يطلق عليها اسم «عاصمة الشرق الجزائري» لأهميتها ومكانتها التاريخية وجمالها الطبيعي، ويطلق عليها أيضا اسم «مدينة الصخر العتيق» حيث تتميز المدينة القديمة بكونها مبنية على صخرة من الكلس الصلب، مما أعطاها منظرًا فريدًا، آسرًا، وسيرتا هو اسمها النوميدي، و«أم الحواضر» باعتبار أن قسنطينة من أقدم المدن في العالم، وتعاقبت عليها عدة حضارات، واسمها الحالي «قسنطينة» حصلت عليه منذ عام 313 قبل الميلاد نسبة إلى الإمبراطور قسطنطين الأول.

ومن أشهر المعالم السياحية للمدينة «الجسور المعلقة» التي شُيّدت عبر العصور، حيث تضم أكثر من ثمانية جسور، بعضها تحطم لانعدام الترميم، وبعضها ما زال يصارع الزمن، لذا سميت مدينة الجسور المعلقة، ويُضفي «وادي الرمال» الذي يمر أسفل المدينة القديمة وتعلوه الجسور على ارتفاعات تفوق 200  متر مزيدا من الجمال والرونق.

مدينة قسنطينة تعرف إلى جانب ما سبق بأنها مدينة العلم والعلماء، فهي مسقط رأس رائد النهضة الإصلاحية بالجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ورغم التاريخ الزاخر الذي ذكرنا فصولاً منه، إلا أن للمدينة الجميلة تاريخًا وتراثًا آخر تحتفي وتشتهر به، وتعود جذوره إلى العهد العثماني، وتحديدًا عام 1740. حينما شهدت أزقتها وشوارعها انتشارًا واسعًا لـ«صنايعية النحاس» وهم الذين يمتهنون حرفة النقش على النحاس، ومنذ ذلك التاريخ، ارتبط اسم «قسنطينة» أيضا بحرفة النقش على النحاس، واليوم هي تنتج نحو 70 في المائة من الإنتاج المحلي من هذه الصناعة العريقة، وقد ساهمت في التعريف بمدينة قسنطينة دوليا وعربيا، ونظرا لجودة منتجها فهو منتشر في دول عربية منها ليبيا وتونس وسوريا، كما حصدت الكثير من الجوائز في مهرجانات دولية أهمها جائزة أحسن صناعة حرفية خاصة بالنحاس في مهرجان الصناعات التقليدية والحرفية في العاصمة السورية دمشق عام 1998.

وعن تاريخ النقش على النحاس، تذكر مراجع تاريخية أن «تاريخ النقش على النحاس يعود إلى بدايات ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، حيث اشتهر الإقبال على تزيين المباني كالمساجد والمدارس والدور والقصور وسواها من المنشآت بشتى ضروب الزينة والزخارف، وتهافت الناس على اقتناء الأشياء المذوّقة بالرسوم والنقوش، فأدى ذلك إلى نشوء حرف كثيرة لسد هذه الحاجة، ولجأ صناع هذه الحرف إلى أساليب مبتكرة ووسائل شتى لتلبية الطلبات المنهالة عليهم، كالنقش والرسم والتذهيب والتلوين والتطعيم والتعشيق وسواها من الوسائل والأساليب التي اصطلح على تسميتها الفنون الزخرفية».

والنقش على النحاس هو «أحد هذه الفنون التي ما زالت تحفظ بريقها الخاص رغم طغيان أدوات الاستخدام اليومية المعدنية كالألومنيوم والتوتياء والستيل، ولا تزال منتجات النحاس المزخرفة بالنقوش تجد من يحبذها وتجذب على نحو خاص السياح الأجانب الذين يريدون أن يقتنوا شيئا من سحر الشرق، وأن يعودوا إلى بلادهم محملين بالصناعات الشعبية التي تربطهم بعالم ألف ليلة وليلة الأسطوري».

ويدخل معدن النحاس كمادة أساسية في «تصنيع الكثير من أدوات الاستعمال اليومية، ففي عهد الدولة الإسلامية استخدم النحاس في صناعة العملات وأواني الطعام، وتم استخدمه أيضًا على مدى واسع في طلاء قاع السفن الخشبية حتى لا تتعرض للتلف، وكلحام لمعدن الحديد، كما يستخدم في صناعة المولدات الكهربائية وصناعة الآلات، ويستخدم بكثرة أيضًا في خطوط وكابلات الكهرباء الخارجية، وخيوط اللمبات الكهربائية، ومعدات الاتصال، وتستخدم كميات كبيرة من النحاس في صناعة الحرير الصناعي».

وبالنظر لأهمية النحاس وتاريخ نحته ونقشه، فليس غريبا أن يستقطب ويثير اهتمام الفنانين والحرفيين الجزائريين، ويتجلى ذلك في «حارة النحاسين» الموجودة بشارع الشهيد دحماني عاشور المعروف بحي بارادو وسط مدينة قسنطينة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المطارق الحديدية، وهي تهوي بثقلها على الأقلام الحديدية والفولاذية، مشكلة على صفائح النحاس الأصفر رموزا وزخارف تعبر عن حضارة وتاريخ قسنطينة، فعلى عكس المنحوتات التي تنجز في المحافظات الأخرى، تتميز منحوتات قسنطينة بأنها تعكس عادات وتقاليد المنطقة ومختلف الحضارات، وأهم هذه النقوشات هي نقشة (الزقوقو)، وهو الثمر الذي تنتجه شجرة الصنوبر، وكان في الماضي أكل الفقراء، ثم تحول إلى رمز للغنى والرفاهية.

يقول وليد مزوار (35 عاما) إن من بين الأواني النحاسية التاريخية يشتهر «البقراج» وهو آنية لتقديم الشاي، ويعود ظهوره إلى الدولة العثمانية، كما يعد رمزا لقواتها المسلحة والجيش الإنكشاري، حيث إن «البقراج» كان يأخذ في شكله ما يرمز لرداء الجندي التركي.

ويتطلب النقش على النحاس أدوات مختلفة يمكن وصفها بأنها بدائية وتقليدية، لكن الاستغناء عنها غير ممكن، لأنها أساس ممارسة هذه الحرفة، وتتمثل في منضدة خشبية صغيرة، ومطارق حديدية متعددة الأنواع والأحجام، وأقلام فولاذية للحفر، وبعض الأحماض المؤثرة التي تُستعمل في التعشيق أو التلميع.

في هذه الحارة يترامى العشرات من النحاسين الذين يصارعون من أجل الحفاظ على هذا الإرث الذي تهدده عدة عراقيل من أجل الاستمرار، وفي كل محل لصناعة النحاس يوجد عدة عمال يتصدى كل واحد منهم لعمل محدد، من تهيئة النحاس، إلى تذويبه، ثم تشكيله، وبعد ذلك تجهيزه في قوالب محددة، وتستعمل في عملية التهيئة عدة وسائل أهمها «الكانون» وهي الآلة التي توضع فيها النار، والمطرقة، والشوكة، والظفرة المستعملة في النقش على ألواح النحاس.

وعن طريقة النقش وأسراره، يوضح وليد لـ«المجلة» أن «العملية تتطلب مهارة كبيرة، وإتقانا ودقة كبيرين»، وكشف أن «هناك عدّة أنواع من النحاس الذي يمكن النقش والحفر عليه وأشهرها النحاس الأصفر، والنحاس الأحمر، والنحاس الأبيض، مؤكدا أنه في الوقت الحاضر يُستخدم نوعان فقط هما، الأحمر والأصفر»، مبينًا أن «الأصفر منه غالي الثمن لنقائه وخلوّه من الشوائب ويتميّز بطراوته وسهولة النقش عليه»

وأوضح وليد أن هناك عدة مراحل ينبغي اتباعها في عملية النقش ففي البداية يقول: «نختار القطعة المناسبة ونقوم بمساواتها أي الطرق عليها بالمطرقة والسندان لتتساوى جميع أجزائها ثم مسحها بشكل جيد لتكون ملساء، ثم نَرسم على القطعة، بواسطة قلم رصاص، الشكل الذي نُريد ويكون ذلك بمساعدة رسام أو نفس الشخص إذا كان يُجيد الرسم والتخطيط، بعد ذلك نبدأ بعملية تبكير الخانات التي قمنا برسمها أي تنسيق الخانات لتكون متساوية مع بعضها البعض من خلال استخدام القلم والبرجل. بعد ذلك نَدق على قلم الحفر أو النقش بالشاكوش ومن هذه الأقلام قلم الجوهارسة والذي يُستخدم لتشكيل دوائر صغيرة وكذلك يمكننا استخدام قلم الزنبة من أجل حفر النقاط المطلوبة في الرسمة وقلم النرمبل لعمل أرضية النحاس كالرمل وكذلك قلم المقطع لعمل الفراغات».

ويتابع وليد: «بعد ذلك ننقر ونحفر على النحاس بتمرير القلم على الشكل المرسوم بواسطة الدق عليه وذلك يحتاج للصبر والدقة، ثم نذهب بقطعة النحاس إلى المخرطة للحصول على شكل القطعة الخارجي سواءً أردناه دائريًا أم مستطيلاً أم غير ذلك. نَلمّع القطعة بواسطة الفرشاة ثمّ نطليها إما بالذهب وإما بالبرونز أو الفضة ويمكن طلاؤها بأكثر من لون». وأكد وليد أن «عملية الحفر أو الزخرفة على النحاس تتم بثلاث طرق وهي: طريقة النقش بواسطة الأزميل والمطرقة، وطريقة النقر البارز، وطريقة سكب معدن الفضة على النحاس وهي من الطرق الصعبة وتحتاج لمهارة وخبرة».

ورغم أهمية هذه الحرفة وأصالتها، إلا أن ممتهنيها يواجهون خطر زوالها لأسباب عدة، أبرزها حسب وليد: «تغير عادات وتقاليد الجزائريين بفعل الحداثة والتمدن الذي طرأ على ممارسات الجزائريين في يومياتهم وأفراحهم، ما تسبب في تراجع الإقبال عليها، سواء من طرف الحرفيين الذين تركوها، جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو المواطنين بسبب غلاء المنتجات وتحولهم إلى استعمال مواد معدنية أخرى مصنعة لسد متطلباتهم اليومية خاصة المستوردة منها، بما في ذلك تلك التي كانت تستخدم في جهاز العروس قبل انتقالها إلى بيت زوجها».

ويرى الحرفي عماد شعاري (65 عامًا)، أن هذه الحرفة «في طريقها للزوال، إذا لم يتم الاهتمام بها وتدعيمها، لأن قسنطينة التي كانت تعد مركزًا لذلك، بدأت تفقد بريقها، حيث إن الكثير من المحلات أغلقت أبوابها، ومئات الحرفيين تركوها، لأنها لم تعد تؤمن لهم حتى قوتهم اليومي».

ويقول لـ«المجلة»: «أنا موجود في محلي ولا أزال أمارس هذه المهنة، كوني ورثتها عن أجدادي، ولن أتركها أبدًا، لأني وعدتهم بأن أحافظ عليها وأسير على دربهم».

يقول شعاري عن أسرار المهنة وطرائقها: «نأخذ مادة النحاس على طبيعتها، حيث تكون عبارة عن ورقة نحاسية، بعدها، أختار تحويلها إلى التحفة الفنية التي أرغب فيها، وفيما مضى كنا نعد كثيرا صحن العشاوات الذي يقدم فيه طبق الكسكسي»، فلا يخفى عليكم- يتابع: «في الماضي كانت أمهاتنا لا يقدمن طبق الكسكسي إلا في الصحون المصنوعة من النحاس، ومن الأواني التي كنا نصنعها كثيرا البقارج للماء والشاي والطاسات والمرك، وهو عبارة عن ثلاثة صحون، يوضع صحن فوق الآخر ويمسك من الجانبين بعمودين من نفس مادة النحاس ويشد بمقبض من الأسفل حتى لا يتفكك إذا حملت فيه المرأة أشياءها عند الذهاب إلى الحمام من حنة وصابون».

وبكل ألم يقول شعاري إن صناعة النحاس اليوم تراجعت بشكل رهيب بسبب «قلة المادة الأولية» ما جعل برأيه «بعض الحرف تتراجع، وتواجه شبح الانهيار والزوال، بعد أن كانت سيدة البيوت والموائد الجزائرية، في أتراحهم، وفي أفراحهم».

يكشف تحقيق أجرته سابقًا «يومية وقت الجزائر» الخاصة أن «غرفة الحرف والصناعات التقليدية بمحافظة قسنطينة تؤكد وجود نحو500  حرفي في النقش على النحاس،300 منهم يعملون بطرق نظامية، في حين يبقى الآخرون يعملون في السّر ودون التصريح بنشاطهم»، السبب في ذلك حسب حديث البعض منهم في «الإجراءات الإدارية البيروقراطية التعجيزية، وأبرزها اشتراط تقديم عقد إيجار محل لمدة ثلاث سنوات، وهو الشرط الذي يعجز عنه غالبية الحرفيين لأنه يكلّفهم مبالغ باهظة تثقل كاهلهم في ظل الدخل الشحيح لحرفة النقش على النحاس»، وهو الأمر الذي أكده لـ«المجلة» الكثير من الحرفيين خلال زيارتنا لحارة النحاسين.

وفي الوقت الذي أبدى فيه الكثير من مهنيي النقش على النحاس خيبتهم من تلاشي حلم «القرية الحرفية» التي كان من المقرر أن تنجز في المدينة وتلم شملهم في فضاء حرفي احترافي يمكنهم من مواصلة عملهم في أجواء مريحة ومساعدة على الإبداع، إلا أنهم متمسكون بخيط من الأمل مع مشروع دعم الاتحاد الأوروبي لحماية الحرفة من الزوال، الذي تم إطلاقه منذ عام 2015 بعدما حظيت المدينة باختيارها ممثلة في حرفة النقش على النحاس، ويتمثل المشروع في وضع برنامج تكويني خاص للحرفيين مدعوم من قبل الاتحاد الأوروبي وبإشراف وزارة السياحة يشمل دورات تكوينية داخل وخارج الجزائر يشرف عليها مكوّنون مختصون في الرسم والنقش وكذا كيفيات استخدام آخر التكنولوجيات لصناعة المنتجات النحاسية، ويهدف البرنامج بالدرجة الأولى إلى حماية هذه الحرفة العريقة من الاندثار، والترويج لها عالميا بخلق أقطاب تجارية وبيع هذه السلع بالسوق العالمية كمنتجات حرفية راقية.


اشترك في النقاش