التيارات اليسارية في الدول العربية

فشل وتراجع أمام تيار الإسلام السياسي
* الإسلام السياسي استغل ثورات الربيع العربي لبسط نفوذه على المنطقة العربية وإبعاد قوى اليسار عن المشهد السياسي
* أستاذ علم اجتماع سياسي: تيار اليسار تراجع بعد هزيمة 1967 مما أتاح لإيران وتركيا التوسع في نفوذهما بالمنطقة
* السادات أول من فتح الباب أمام الإخوان والتيارات المتشددة... ويجب تمهيد البيئة السياسية لخلق قوى ليبرالية معتدلة تواجه تيارات الإسلام السياسي

القاهرة:مما لا شك فيه أن قوى اليسار السياسي في الدول العربية تراجع دورها بشكل كبير وفشلت في مواجهة قوى تيار الإسلام السياسي التي استغلت ما يسمى ثورات الربيع العربي لكي تبسط نفوذها على المنطقة العربية، وكانت أحد الأسباب الرئيسية في إبعاد قوى اليسار عن المشهد السياسي الذي حاول إعادة ترتيب الأوضاع في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي.
وقد كان هذا وهما كبيرا يضاف إلى أوهام اليسار الكثيرة، فلم تكد تمر الشهور بعد الثورات التي أطاحت ببعض أنظمة الدول العربية واستغلتها تيارات الإسلام السياسي حتى وجد اليسار أنه ليس الحاكم أو الفاعل الرئيسي في الأحداث وأن هناك من يستغل شعاراته لتمرير أجندة معينة لم يكن من بينها وجود اليسار كفاعل أساسي في ترتيبات مرحلة ما بعد الربيع العربي ولهذا نجد أن اليسار المصري اختفى سريعًا من المشهد كتنظيم موحد وظهرت فعاليات محدودة له، ولكنه في النهاية اختصر في شخوص معينة عبرت عن نفسها بقدر ما عبرت عن تيار اليسار بصفة عامة.
وفي السنوات الأخيرة دخل اليسار بشكل عام طور الاحتضار وكان هذا منذ مدّة، خاصة خلال العقدين الأخيرين بينما يراهن البعض على ميلاد جديد له خلال الفترة المقبلة ولكن بالعودة إلى الوراء، يتبدى هذا الحلم وينحسر.
وبالنظر إلي تاريخ نشأة اليسار نجد أنها تعود إلى فترة مبكرة، في عشرينات القرن الماضي، فنجد الحزب الشيوعي الفلسطيني قد تأسس سنة 1919. وجبهة التحرير العربية سنة 1929. ومع امتداد الاستعمار إلى معظم أجزاء العالم العربي، تصاعدت تيارات المقاومة والتحرر، بمختلف مشاربها ومرجعياتها، ومع تبلور التنظيمات والتيارات، بدأ خلال عقد الأربعينات يحصل نوع من التقارب والاندماج ما بين جانب من التيارات اليساريّة والقوميّة والحركة التحرريّة، باعتبار أن أساس «التقدم» في البلدان العربيّة يكون عبر التحرّر من الاستعمار.

يقول الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة لـ«المجلة» إنه حتى عام 1967 كان من يحرك المنطقة العربية القومية العربية والعلمانية بتنوعاتها الليبرالية أو اليسار، وما حدث بعد هزيمة 1967 في مصر كان انهزاما لقوى اليسار والليبرالية ليصعد بعدها تيار الإسلام السياسي على أنقاض هزيمته، وهذا الأمر أعطى فرصة كبيرة لكل من إيران وتركيا للتوسع في المنطقة العربية باستخدام الدين، فتركيا بدأت في تنفيذ مخططها لاستعادة حلم الخلافة العثمانية وبدأت باستقطاب كافة التيارات الإسلامية السنية إليها، بينما قامت إيران باستخدام سلاح الدين ودعم التيارات الشيعية في البلدان العربية فأصبحت تقدم كل الدعم للحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وحزب البعث في العراق وغيرها من التيارات الشيعية التي كانت تتبنى الفكر اليساري ومن هنا نعرف أن اليسار العربي بأكلمه هُزم بعد عام 1967 وظهر مكانه آيديولوجيا جديدة وقوية بديلة له تمثلت في تيارات الإسلام السياسي حتى بدأ يعود التيار اليساري مرة أخرى خلال الفترة القريبة الماضية مثل ما حدث في السودان من حراك سياسي، حيث ظهر الحزب الشيوعي الذي قاد الثورة في السودان ونجح في الإطاحة بحكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير وهو ما أكده البشير قبيل الإطاحة به.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية أن تيار اليسار والعلمانية الليبرالية موجودان ولكن لديهما عدد كبير من المشكلات، أبرزها أن قيادات التيار اليساري في الوطن العربي أعمارهم كبيرة وغير متأقلمين مع الأوضاع في المنطقة العربية، إضافة إلى عدم تبنيهم لشباب التيار اليساري وعدم وجود نموذج محدد لديهم لكي يستطيعوا تنفيذه.
وأشار أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة إلى أن التيار اليساري يحتاج إلى تعليم كثير لكي يفهموا منهج التيار اليساري سواء الاشتراكي أو الماركسي مشيرا إلى أن المثقفين والصفوة هم من كانوا ينتهجون النهج اليساري نظرا لثقافتهم الواسعة وتعليمهم العالي مؤكدا أن التيار اليساري كانت له شعبية كبيرة في المدن خلاف المناطق الريفية مؤكدا أن رواد القوى اليسارية في المنطقة العربية مع بدء ظهورها كانوا أجانب.
وأوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي أنه كانت هناك حكومات تنهج النهج اليساري مثل حكومة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي كان يمثلها الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة موضحا أن أغلبهم كانوا من التيار اليساري إلى أن أتى الرئيس الراحل أنور السادات وفتح الباب على مصراعيه لتيار الإسلام السياسي المتشدد وأطلق على نفسه الرئيس المؤمن لدولة مؤمنة والدليل على هذا استقباله لمرشد تنظيم الإخوان في قصر الرئاسة وتبني الأنظمة لتيار الإسلام السياسي كان أبرز الأمور التي تسببت في تراجع دور قوى التيار اليساري بالمنطقة العربية.
وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسي على ضرورة تمهيد البيئة السياسية لخلق قوى ليبرالية ويسارية معتدلة تكون قادرة على قيادة القوى الناعمة بالمنطقة العربية ومواجهة تيارات الإسلام السياسي المتشددة عن طريق تقوية الأحزب بشكل عام وخاصة اليسارية من خلال خلق كوادر قادرة على قيادة الأمور بحنكة سياسية والتحالف مع القوى السياسية المختلفة والتوافق معها على مواجهة التيارات المتطرفة والمتشددة فعلى سبيل المثال نجحت مصر في لفظ الإخوان من حكم مصر ولكن يجب على قادة الرأي والمثقفين خاصة تهيئة البيئة السياسية لخلق كوادر مستنيرة ومثقفة قادرة على مواجهة الفكر المتطرف والتيارات المتشددة.


اشترك في النقاش