ترهيب وترغيب.. سياسة احتواء الأزمة

النظام الإيراني أصبح في مواجهة مع شعبه وثقته مفقودة مع العالم
* الهدوء النسبي في الشارع الإيراني لا يعني انتهاء الأزمة
* محلل سياسي: المسافة الكبيرة بين السلطة والحركة الجماهيرية في إيران تصعب من إمكانية تراجع الشعب
* طبقة الملالي وأصحاب المصالح قامت بترسيخ نفوذها خلال أربعين عاما وهذا يطيل وقت سقوطها
* مساحات كبيرة بين الحركة الجماهيرية في إيران والسلطة الإيرانية التي تحكم باسم الدين
* النظام الإيراني من الأنظمة الشمولية آيديولوجيا، ومن الصعب أن يقدم تنازلات حقيقية
* الشعب الإيراني يريد الدولة القوية ولكنه يرى استنزاف موارده في إثارة الاضطرابات في دول الجوار
* اشتباك إيران في حرب مع أي من دول الجوار سيفاقم الوضع الداخلي
* الداخل الإيراني حساس وسيتفهم مغزى أي تهور إيراني أو افتعال أزمات مع الخارج

القاهرة: كشفت الإجراءات القمعية للسلطات الإيرانية بحق المتظاهرين، وما قام به الحرس الثوري لإخفاء ما يحدث عن العالم بعد قطع شبكات الإنترنت، والقبض على مائة من قادة الاحتجاجات، واستهداف النشطاء عن مدى الحالة التي تمر بها السلطة الحاكمة في طهران، وعمق الأزمة التي يعاني منها نظام الملالي الذي يحاول طمس الحقيقة التي ظهرت إلى العالم، والتي أوضحت كم السخط على سياسات الحكم التي باتت تمثل عبأ على الشعب الإيراني الذي خرج يعبر عن واقعه المرير تحت حكم تسبب في مشاكل لا حصر لها على المستوى الداخلي الذي بات يعاني أكثر من أي وقت مضى من أزمات اقتصادية طاحنة أثرت على مستوى معيشة المواطن، لصالح طموحات إقليمية للهيمنة على دول الجوار، ونشر الاضطرابات والقلاقل لدى الجيران من خلال أذرعه التي عانت منها ولا تزال عدد من الدول.
وزادت الإجراءات القمعية من حالة التشكك لدى المجتمع الدولي في صدق الروايات الإيرانية الرسمية فيما يتعلق بحالة الهدوء التي أعقبت الممارسات القمعية التي نقلها المتظاهرون في الأيام الأولى للأزمة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وعدد من وسائل الإعلام قبل قيام السلطات الرسمية بحجب المواقع الإلكترونية، وقطع شبكات الإنترنت تماما عن البلاد وذلك بهدف إخفاء الممارسات القمعية تجاه المتظاهرين الذين خرجوا في ثورة شعبية كبيرة طالت معظم المدن بعد أن فجرت الحكومة شرارتها برفع أسعار المحروقات، مما دفع الشعب الإيراني إلى الخروج للشارع والتعبير عن غضبه المكتوم تجاه نظامه الحاكم، واتخذت المظاهرات اتجاهات معبرة عن بوصلة الغضب التي اتجهت إلى نظام الملالي بعد حرق صور مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي في الشوارع، وحرق مقرات البنوك الخاصة بالحرس الثوري، مما أوضح إلى حد كبير ما يضمره غالبية الشعب الإيراني تجاه نظامه الحاكم.


 
هدوء خادع
حالة الهدوء النسبي التي تظهر على الساحة ربما تكون خادعة، حيث حرصت السلطات الإيرانية على الإعلان في كل مكان عن عودة الاستقرار للبلاد، وإعادة السيطرة على الأوضاع وذلك رغم ظهور صور عقب إعادة الإنترنت بشكل جزئي تظهر مؤشرات واضحة عن حالات العنف المستخدمة ضد هذه المناطق من قوات الأمن، ومن بينها أصفهان وشيراز التي وصفها البعض بأنها منطقة حرب حيث ظهرت بوضوح آثار الحرائق والدمار في عدد من المنشآت، ووصف بعض السكان الوضع بأنه لا يزال مشحونا ومتوترا، حيث تنتشر قوات الأمن في الشوارع بزي مدني، ولا تزال حالات الاعتقالات مستمرة، وتجاوز عدد المحتجزين عشرة آلاف، في حين زاد عدد القتلى عن 400 قتيل بحسب مصادر معارضة إيرانية، ويخشى الكثير الخروج من منازلهم بسبب الخوف من الاعتقال والاتهام بالعمالة للخارج من قبل السلطات، وهو الاتهام الجاهز دوما ضد المعارضين الذين تعرضوا لأنواع شتى من العنف وهو ما اتضح في آلاف من حالات الإصابات البالغة التي تكتظ بها المستشفيات الإيرانية.
الانتهاكات الموجودة ضد المواطنين تؤكد خوف السلطات الإيرانية من تجدد المظاهرات حيث ما زالت عمليات الاعتقال العشوائية مستمرة وخاصة بين طلاب الجامعات الذين يتم القبض عليهم من داخل الحرم الجامعي، في حين استمرت عمليات قطع الإنترنت وإعادته جزئيا فقط بشكل غير مستقر للمنازل واستمر حجبه عن استخدام الهواتف المحمولة التي ظلت شبكاتها غير مستقرة، في حين تمت عودته يشكل كامل للشبكة الداخلية الحكومية فقط، ودلل على حالة الخوف الاتهامات التي ما زالت تتردد على لسان المسؤولين الإيرانيين ومن خلال أعلى سلطات الحكم في الحرس الثوري من مسؤولية الدول الكبرى عما تتعرض له إيران من اضطرابات، وكذلك كيل التهديد والوعيد لعدد من الدول الغربية والإقليمية باستهدافها بالتدمير في حال واصلت ما سمته السلطات الإيرانية تجاوز «الخطوط الحمراء» دون تقديم أي إشارة لماهية هذه الخطوط التي تم تجاوزها، أو تقديم أدلة واقعية عن هذه الاتهامات المرسلة، مما يؤكد على حالة التوتر التي ما زال يعيشها النظام الإيراني والتي باتت تسيطر على أفعاله وتصرفاته وتصريحاته.
 
الهدوء النسبي لا يعني انتهاء الأزمة
الدكتور عبد المنعم سعيد الكاتب والمحلل السياسي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق قال لـ«المجلة»: «الأزمة الإيرانية التي اندلعت بخروج المظاهرات في معظم المدن الإيرانية، وقمعها من قبل السلطات والأجهزة الأمنية هناك ما زالت في بداياتها، ولا يعني الهدوء النسبي على الساحة الإيرانية نهاية الأزمة أو نهاية التمرد أو الثورة الشعبية بصرف النظر عن الاسم، فالتوتر ما زال مستمرا والأرجح أن الموضوع سيصبح مثل النموذج السوري، وسيدخل النظام في معارك بمناطق متعددة، لكن في نفس الوقت الواقع يشير إلى قوة النظام الإيراني الذي يعد أقوى بكثير من النظام السوري، ويتوقع أن يصبح الموضوع صداميا، وبه مجموعات متصارعة مع النظام، فالنظام لن يسقط بسهولة لأسباب منها اعتماده على الدين كآيديولوجيا، ولأن قوام النظام طبقة ممتدة من الملالي وأصحاب المصالح، وخلال الأربعين عاما الماضية قاموا بتوطيد نفوذهم بشكل كبير في السياسة والاقتصاد وفي كل مناحي الحياة، بالإضافة إلى وجود الحرس الثوري الإيراني لديهم وهم قوة موازية للجيش، ومتكاملة من حيث التسليح، ولذلك فالوضع في إيران لن يمر بسهولة، والنماذج المقابلة للحالة الإيرانية مختلفة في توقيتاتها وطبيعتها، لكنه سيناريو مشابه للنموذج السوري».
 

ترهيب وترغيب
وحول عمليات الترهيب التي يقوم بها النظام الإيراني من خلال القيام بسحق رموز المظاهرات، وكذلك عمليات الترغيب للشعب من خلال عدد من المحفزات خلال الفترة الأخيرة للتراجع عن المظاهرات، وهل سيساهم ذلك في تسكين الوضع الداخلي قال الدكتور سعيد: «بالتأكيد السلطة الإيرانية تحاول ممارسة السياسة من خلال الترهيب، والترغيب بالفعل، وقد أكدوا في تصريحاتهم المعلنة ونقلتها وسائل الإعلام بأنهم سمعوا النداء وسيقومون بإجراء إصلاحات، ولكن النظام الإيراني يعد من الأنظمة الشمولية آيديولوجياً، ومن الصعب أن يقدم تنازلات حقيقية وخاصة أن الحركة الجماهيرية في إيران بينها وبين السلطة الإيرانية مساحات كبيرة جدا، وانشقاق واسع فيما يتعلق بالكثير من الأمور الأساسية، من بينها رفض دولة الملالي التي تحكم باسم الدين، وكذلك قيامها على مبدأ ولاية الفقية وهي مسألة ترسخ من الديكتاتورية، وأيضا تختلف شرائح واسعة مع توجه إيران، وسلوك ورؤية نظامها بأنها دولة إقليمية عظمى، ومن ثم تقوم بعملية إنفاق واسعة النطاق في العراق وسوريا، واليمن ولبنان ومناطق أخرى كثيرة، وهذا ما يصعب من التعامل معها».
 
هروب للخارج
وتابع: «النظام الإيراني في مواجهة مع العالم، فالجماهير تريد دولة إيرانية قوية، ولكنه في نفس الوقت يشاهد عمليات الاستنزاف المستمرة لا تنتهي، ولم يعد الشعب الإيراني يتحملها، فالموضوع كبير ونقاط الاختلاف هي في نفس الوقت نقاط تعريف النظام القائم، وبالتالي لا يوجد نظام يتخلى عن تعريفه وهويته الأساسية، ولذلك فإن النزاع سوف يستمر لفترة غير قصيرة».
وحول إمكانية تطبيق النظام الإيراني لعملية «الهروب للخارج» بافتعال أزمة مع أي من دول الإقليم في محاولة للهروب من أزمته الداخلية، أضاف: «الداخل الإيراني حساس وسيتفهم مغزى أي تهور إيراني، أو افتعال أزمات مع الخارج، والوضع سيصبح مختلفا في حال تعرضت إيران مثلا لهجوم أميركي فربما في هذه الحالة سيكون مبرر السلطة الإيرانية تعرض أرض الوطن لعدوان أجنبي، وبخلاف ذلك فإن اشتباك إيران في حرب مع أي من دول الجوار سيفاقم الوضع الداخلي لديها، والمظاهرات تحتوي على عنصرين أولهما «سياسي» فهناك حركات تصدر من الداخل تريد إيران المتحررة من الحكم الديني، وهناك العامل الإنساني وهو العقوبات المفروضة على إيران، وتوثر على الناس، وعندما يكون هناك عمليات تقشف كبيرة تؤثر على الشعب الذي يرى أنه لا يمكن أن يعيش في ظل هذا الشظف وفي نفس الوقت تذهب الأموال إلى الخارج في مغامرات إقليمية هنا وهناك، في الوقت الذي يزداد الوضع الاقتصادي الداخلي سوءا، وهذا يؤثر على عموم المواطنين وذلك نتيجة عوامل كثيرة منها وقف الاستيراد، وتحجيم صادراتها النفطية، وندرة موارد العملات الأجنبية التي تعتمد على الصادرات، بخلاف الانخفاض الحاد في سعر العملة وتدهورها، فالوضع الاقتصادي مؤلم، وحاولوا تعويضه في زيادة أسعار المحروقات وهو ما فجر شرارة الأوضاع في الداخل».


 
غضب كبير
وحرم النظام الإيراني كل أطياف الشعب من الاطلاع على الأوضاع خلال الأزمة بسبب حجب شبكة المعلومات وقطع الإنترنت وخطوط التواصل بين إيران والعالم، وحظر كذلك استخدام وسائل السوشيال ميديا المتعددة التي كان يستخدمها المواطنون في نقل ما يحدث من انتهاكات لقوات الحرس الثوري ضد المتظاهرين، في حين ظهر ممثلو النظام من خلال هذه الوسائل لبث الأخبار للعالم من جانب واحد فقط مما أفقدهم المزيد من المصداقية، وسبق الأزمة تعنت واضح ضد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من خلال رصدهم واستدراجهم من قبل الحسابات المرتبطة بالأمن الإيراني، والتي تستهدف الإيقاع بكل من يبدي رأيه في الانتهاكات التي يتعرض لها الإيرانيون من قبل النظام وخاصة المعارضين، أو ينتقد سلوكياته، ومغامراته المستمرة التي أثرت على حياة المواطنين.
وأضطرت الحكومة لحجب شبكة الإنترنت بعد تنامي الاحتجاجات، وعدم استطاعة قوات الباسيج في تفرقة المظاهرات الكبيرة التي اندلعت في معظم المدن الإيرانية وذلك رغم استخدامهم الرصاص ضد المتظاهرين الذين رددوا شعارات منددة بالحكومة وسياساتها، ووصل الأمر إلى حرق صور المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي الذي يعتبر أعلى سلطة في البلاد مما كان تطورا لافتا في تطور الاحتجاجات، ومؤشرا واضحا على حالة الغضب الكبيرة التي باتت تسيطر على الإيرانيين الذين انتقدوا أيضا إهدار أموال الشعب في مغامرات خارجية بسوريا والعراق ولبنان، في الوقت الذي تواصل الحكومة إرهاقهم بالمزيد من الإجراءات الاقتصادية التعسفية.
 
مؤامرة خارجية
نظرية المؤامرة الخارجية التي يقوم بتسويقها النظام الإيراني كانت دائما حاضرة، ويتم طرحها عند حدوث أي أزمة، ومن بين الاتهامات التي كالها النظام الإيراني ضمن إعلانه عن أسباب الأزمة هي وجود قادة لإثارة الاحتجاجات ضد النظام، وهو ما كان مبررا للسلطات الإيرانية لاعتقال المئات من المتظاهرين في الوقت الذي أكد فيه الكثير من المراقبون على غياب القيادة لهذه الاحتجاجات والمظاهرات التي كان من بين الملاحظات عليها فقدها للرأس والقيادات، وكذلك العفوية التي سيطرت عليها منذ البداية والتي كانت سببا لمشاركة جميع فئات المجتمع الإيراني بها، وأن جميع هؤلاء اجتمعوا على رفض السلوكيات والممارسات الخاطئة للنظام والإنفاق ببذخ على مغامراته الخارجية في دعم الميليشيات والإضرابات في عدد من دول الجوار، وكذلك ممارساته الاقتصادية المجحفة بحق المواطنين ومن بينها القرار الأخير في رفع أسعار المحروقات الذي حظي بدعم وتأييد أكبر رأس في السلطة الإيرانية وهو مرشد الثورة علي خامنئي، وهو ما فسر التجاوز ضده بشدة من قبل المتظاهرين، وحرق صوره على الملأ أثناء المظاهرات، وهي المرة الأولى لمثل هذا التجاوز والانتقاد في حق المرشد الإيراني والذي جرأ عددا من السياسيين أيضا لانتقاده، ومسؤوليته عن الاحتجاجات ومعه الرئيس الإيراني حسن روحاني، بل وصل الأمر إلى مطالبة البعض بمحاسبتهما على إراقة دم الإيرانيين، والتجاوزات بحق المتظاهرين.


اشترك في النقاش