الملف الحكومي اللبناني: بين لعبة الأسماء ولعبة الشارع

رغم قرار عزوفه... الثنائي الشيعي يتمسك بالحريري رئيساً للحكومة
* شروط وشروط مضادة... أهل السلطة يستغلون الحراك الشعبي في المعركة السياسية
* علوش: الحريري وصل إلى قناعة بأن لا مجال بعد الآن لاستمرار التسويات
* الحسيني: من الصعب إيجاد بديل عن الحريري واسم الخطيب سيسقط كغيره من الأسماء
* حداد: الحريري هو المرشح المفضل ولكن ليس بشروطه
* عامر: الإشكالات بين أحزاب السلطة وليس بين الأحزاب والمتظاهرين... والحراك لن يوقفه شيء

بيروت: على وقع الحراك الشعبي المستمر منذ 17 أكنوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد أربعين يومًا من المشاورات والمناكفات حول ‏الاستحقاق الحكومي تكليفًا وتأليفًا، لم ينجح الرهان على قبول رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري مجددًا بترؤس حكومة تكنو-سياسية، وعلى ‏قاعدة «ليس أنا، بل أحد آخر»، أعلن الحريري في بيان اعتذاره عن تسلم هذه المهمة غامزا من قناة من يتصرّف فعلا على قاعدة «أنا أو لا ‏أحد» و«أنا ولا أحد».
وفي ظلّ الشروط والشروط المضادة ومع إصرار الحريري على حكومة تكنوقراط تمتص غضب الشارع من جهة، وكفيلة بتحمل المسؤولية الوطنية في ظل الأوضاع الراهنة من جهة ثانية، لجأ فريق رئيس الجمهورية إلى لعبة الأسماء عبر تسريبات إعلامية حول أسماء بديلة عن الحريري، وجاء البيان ليربك الرئاستين الأولى والثالثة، ومعهما حزب الله أكثر من أي وقت مضى. فالرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل الميّالان إلى إقصاء الحريري، رضخا لإرادة الثنائي الشيعي المتمسك به لما يمثله من غطاء دولي، ولعدم «تلقّف كرة النار وحدهم في المرحلة المقبلة المليئة بالتحديات في ظل وضع مالي واقتصادي صعب».


 
انسحاب الحريري من السباق الرئاسي وبورصة الأسماء
وقد سرّع انسحاب الحريري، من «سباق رئاسة الحكومة»، ورميه الكرة في ملعب عون، اتخاذ الأخير قراره بالدعوة إلى الاستشارات النيابية، فيما دخل المهندس سمير الخطيب على لائحة ‏المرشحين بقوة، معلنًا أن أطرافًا عدة تواصلت معه لتشكيل الحكومة، وأنه مستعد لتولي المهمة.‎
فيما علم أنه من بين الأسماء المطروحة الوزيرة ريا الحسن، والنائب سمير الجسر، ورئيس مجلس إدارة شركة «خطيب وعلمي» سمير الخطيب. بعد اعتذار ‏الوزير السابق بهيج طبارة.
وتردّدت في الساعات الأخيرة معلومات عن أن هناك بحثًا جديًا في التوافق على الخطيب، صاحب ‏شركة «خطيب وعلمي للهندسة» لترؤس الحكومة. وهو ما لم ينفه الخطيب، وقال في حديث تلفزيوني: «تم التواصل ‏معي من قبل بعض الأطراف المعنية بتشكيل الحكومة كوني على مسافة واحدة من الجميع، ولا شائبة عليَّ، وكان ‏جوابي أن التوافق ضروري لأي حلّ».
وفيما أتى تسريب اسم الخطيب من دوائر باسيل، تردد أن موعد الإعلان عن الاستشارات سيؤجل لمدة 24 أو 48 ساعة وسبب ذلك أن الأمر يستلزم المزيد من المشاورات السياسية التي تركز على مسألة مشاركة تيار المستقبل في الحكومة العتيدة.
إلا أن طرح اسم الخطيب قوبل بسلسلة تعليقات من الشارع ومن مجموعة من السياسيين غردت متهمة إياه بملفات فساد لكون شركته تابعت ملفات البنى التحتية والإنشاءات في بيروت خصوصا وهي مشاريع لم تنفذ على الوجه الصحيح.


 
من لعبة الأسماء إلى لعبة الشارع
وفيما أثبتت الوقائع أن الرهانات سقطت، والأسماء المقترحة تحرق تباعًا، برز جليا لجوء أهل السلطة عبر مناصريهم إلى ممارسة الضغوطات عبر تحريك الشارع في خطوات تؤكد الارتباك والعجز الحاصل. وبعد عناصر الشغب التابعة لـحزب الله و«أمل» في عدد من المناطق، تحرّك في اليومين الأخيرين محازبو «التيار الوطني الحر» بإيعاز واضح لملاقاة ساحات الحليف، وعدم تحويله لمواجهة شيعية فقط مع باقي الطوائف. وقد بدأت عمليات الاستفزاز والمواجهات في أكثر من منطقة مسيحية، في مشهد أعاد إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية، رأى فيها المراقبون أنها ما هي إلا محاولات للضغط على الحريري للرضوخ والقبول بشروطهم خوفا من تفلت الشارع.
 




النائب السابق مصطفى علوش

وفي تعليق لعضو المكتب السياسي النائب السابق مصطفى علوش، حول التسريب المتواصل للأسماء المقترحة لرئاسة الحكومة، قال لـ«المجلة» إن البداية تكون بالذهاب نحو استشارات نيابية وطرح الاسم الذي تم اختياره، وكتلة المستقبل النيابية كغيرها من الكتل تقول رأيها بالاستشارات»، وتابع: «أما طرح الأسماء واحدا تلو الآخر لحرقها أو لمحاولة جس نبض الحريري أو لإحراجه لا تنفع، وعلى الرئيس عون الدعوة إلى الاستشارات ومن بعدها تكليف رئيس».
وفي وقت تمعن الممانعة فيه على اتهام الحريري بتحريك الشارع للضغط حتى تنفيذ شروطه في التأليف وآخرها اتهامات رئيس حزب التوحيد وئام وهاب، ردّ علوش بالتأكيد أن «من يحرك طفيليات على شاكلة وهاب هو حزب الله»، وتابع: «لا شك أن ثمة من يعمل على تسويغ محاولات قمع الانتفاضة من خلال «البلطجية» الذين يرسلهم حزب الله وحركة أمل للضغط على الحريري كي يصبح من جديد مترئسا للسلاح غير الشرعي واستمرار الوضع على ما كان عليه، وهذه محاولات مكشوفة»، وتمنى علوش لو كان بمقدور المستقبل تحريك الثورة، مشيرا: «لو كنا قادرين على ذلك فسوف ندافع عن استمراريتها إلى حين إسقاط كل ما يعيق إنشاء دولة حقيقية».
وعن سبب قلب الحريري الطاولة، ذكّر علوش بأنه «عمليا ظلّ الشهيد رفيق الحريري موافقا على التسويات ومشاركا فيها على أمل أن يتحسن الوضع والقيام بعملية إنقاذ، حتى وصل إلى قناعة أنه لم يعد هناك مجال للتسويات واتخذ القرار الذي تسبب باستشهاده»، وتابع: «الحريري الابن أيضا دخل بجملة من التسويات وبعد معاندة طويلة وصل إلى النقطة التي وصل إليها الحريري في النهاية وهي أن لا مجال بعد الآن باستمرار التسويات لأن الوضع يتجه نحو الانهيار، فاتخذ القرار بأن يكون خارج التسوية الحكومية».
وأمام الضغط الذي يمارسه حزب الله في الشارع، قال علوش: «فليذهبوا لتشكيل الحكومة بغض النظر عن الاسم، ففي النهاية كتلة الحريري مؤلفة من 19 نائبا وبالتالي عمليا الثلاثي في السلطة أي حزب الله - أمل – التيار الوطني الحر، باستطاعتهم تشكيل الحكومة التي يريدونها دون تهديد».
ثم أكّد علوش أن «الخيار الوحيد هو خيار دستوري عبر دعوة الرئيس عون إلى الاستشارات»، مشددا: «لن ينجحوا بوضع الحريري في مواجهة الناس ولن يكون مترئساً لهم على المستوى الدولي».


 
ما قبل العزوف
كان السيناريو الذي سبق بيان العزوف قد بدأ بلقاء الحريري مع المعاون السياسي ‏لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو الوزير علي حسن خليل والمعاون السياسي ‏للأمين العام لحزب الله الحاج حسين خليل، حيث اقترحا عليه اسم الوزير ‏السابق بهيج طبارة لتكليفه وبناء عليه التقى الحريري الأخير وطرح ‏عليه بعض المسائل، وكان جوابه أنه سيدرسها ويعود إليه. ثم التقى طبارة ‏‏«الخليلين» اللذين طرحا عليه نقاطًا معينة، غير أنه لم يوافق عليها.‎
بعد ذلك حصل لقاء بين بري وطبارة الذي أبلغه أنه لا ‏يستطيع القبول بالتكليف لعدم حصوله على غطاء الحريري. وبنتيجة ذلك، ‏أبدى بري انزعاجه، معتبرًا أن 90 في المائة من مطالب الحريري تمّت تلبيتها، ‏وسأل: «ماذا يريد أكثر؟». وأعلن أن الأسماء لم تعد تهمّه.‎
وهنا استاء الحريري، وتم تسريب 3 أسماء رشحت لرئاسة الحكومة الجديدة، ‏هي: النائب فؤاد مخزومي، والمهندس سمير الخطيب، ووليد علم الدين. وحتى الساعة يبدو أنّ الخطيب هو الأوفر حظًا، إذ كان التقى عون ‏والحريري، وتردد أن باسيل هو من اقترح اسمه. وهنا بدأ الحديث عن ‏تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة غدًا الخميس قبل أن يحسم الحريري ‏موقفه، مؤكدًا أنه لم يسمِ ولن يسمي إلا في الاستشارات، ففهم المعنيون أن ‏كل الأسماء المطروحة قد تم إحراقها.‎

 




سكارليت حداد


وفي الأثناء، أشارت الصحافية سكارليت حداد، المقربة من التيار الحر، في حديث لـ«المجلة» أن «الثنائي الشيعي كانا متمسكين بالرئيس الحريري ولكن قوى سياسية أخرى كانت تفضل التفكير بشخصية أخرى في حال بقي الأخير على شروطه»، مؤكدة أن «الحريري هو المرشح المفضل ولكن ليس بشروطه أي عبر تشكيل حكومة تكنوقراط».
ورأت حداد أن «الجلسة النيابية كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وهي التي دفعت الرئيس بري إلى التراجع عن إصراره على اسم الحريري كمرشح لرئاسة الحكومة، لا سيما أن بري اعتبر عدم مشاركة كتلة المستقبل بالجلسة النيابية الأسبوع الفائت هي نقد للاتفاق الحاصل بينهما بالمشاركة، فضلا عن أنه وبحسب المعلومات الأمنية الجزء الأكبر من المتظاهرين أمام مجلس النواب هم من تيار المستقبل».
وأشارت حداد إلى أن «مع إصرار الحريري على شروطه والموقف الآنف ذكره، هذا الأمر كان دافعا للبحث عن شخصيات أخرى ولكن بموافقته»، مؤكدة: «لا قرار بعد على تشكيل حكومة من لون واحد لا سيما أن الحريري هو الأكثر تمثيلا للشارع السني»، لافتة إلى أن المشاورات تجري مع الحريري حول اسم اقترحه أو ينال موافقته وثمة الكثير من الأسماء المتداولة، ومنها بهيج طبارة الذي اعتذر، وسمير الجسر، وأخيرا سمير الخطيب، إلا أن الحريري لم يعط جوابا بعد».
 
هل من انفراج حكومي؟
ورأى الصحافي والمحلل السياسي علي الحسيني، في حديث لـ«المجلة» أن بيان الرئيس الحريري الذي أكّد فيه عدم رغبته بمهمة التكليف والتأليف، يشير إلى عدم رضاه عن مجريات الأمور والطريقة التي يدير بها العهد المشاورات أو ما يمكن تسميتها بالمناورات إلى حد ما. وأضاف: «هناك نوع من التململ لدى الحريري وهو ما عبر عنه بصراحة، لا سيما في ظل محاولة تحميله المسؤولية كافة وهو يرفض هذا الأمر».
وعن تسريب التوافق حول تسمية الخطيب لرئاسة الحكومة على أن تتم الدعوة إلى الاستشارات خلال يومين، قال الحسيني إنه «لا جديد في الملف الحكومي، ويبدو أن موعد الاستشارات النيابية ليس قريبا، خصوصا أنه كان من المتوقع خلال يومين أن يبادر رئيس الجمهورية لطرح اسم أو الدعوة لاستشارات، لكن بدا أن الثنائي الشيعي لا يزالان مصرين على اسم الحريري، خصوصا بري الذي يتأمل أن يلين الحريري في بعض المواقف».
ورأى الحسيني أن «الأمور خلال الأيام المقبلة تتجه نحو إعادة تسمية الحريري على أن يتم إعداد لقاءات خلال اليومين المقبلين مع الخليلين، وبالتالي إعادة فتح المشاورات بين الثنائي حزب الله وأمل وبين الحريري بعلم الرئيس عون»، وأضاف أنه «باعتقاده أن ثمة تنازلات متبادلة وكل طرف سيقدم تنازلا في مكان، فالحريري قد يرضى بحكومة تكنو-سياسية في مقابل تناول الثنائي الشيعي».
إلى ذلك أشار الحسيني إلى أن «ثمة بوادر سوف تلوح في الأفق في اليومين المقبلين، وإلّا فالأمور إلى مزيد من التأزم والتخبط لا سيما أن البلد لم يعد يحتمل في ظل التوترات الأمنية في بعض المناطق والتي أعادت للأذهان ذكريات الحرب الأهلية».
وختم الحسيني مشددا على أنه «من الصعب إيجاد بديل عن الحريري لترؤس الحكومة في هذا الظرف تحديدا، ومن هنا يأتي إصرار حزب الله وبري على تسميته».


 
هل سيستمر الحراك الشعبي؟
فيما يتعرض الحراك الشعبي لمحاولة تشويش من قبل أحزب السلطة عبر تحريك شارع مقابل شارع، ودفع ميليشيات الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر، للاعتداء على المتظاهرين، والقيام بعمليات تخريب في محاولة لقمع صوت الشعب ووضع حد لهذا الحراك المستمر منذ 17 أكتوبر من دون كل أو ملل، أكّد الناشط في جمعية «حقي» المهندس المعماري عماد عامر وهو أحد المشاركين في احتجاجات بيروت، أن الانتفاضة مستمرة حتى تحقيق أهدافها ولا شيء سوف يوقفها، مشيرا إلى أن «الإشكالات التي حصلت قبل يومين هي في الحقيقة إشكالات بين أحزاب السلطة وليس بين الأحزاب والمتظاهرين»، وتابع: «الحراك يقف في الوسط بين محاولات هذه السلطة والأحزاب التسلق على الانتفاضة وبين الأحزاب الأخرى كحزب الله وأمل التي تحاول فرض شروطها السياسية عبر الضغط في الشارع والتهويل».
هذا وشدد عامر على أنه «منذ اليوم الأول للانتفاضة بدأ يظهر إلى العلن الخطاب الطائفي في محاولات لإعادة تقسيم الشارع طائفيا ومذهبيا، لأن ما أثبته حراك 17 تشرين أن هناك انقساما أفقيا بين المجتمع اللبناني والقاعدة الشعبية اللبنانية ومنظومة الحكم وهذا الأمر بالتأكيد لا يفيدهم».
وفيما يتعلق بالتحركات الاحتجاجية للحراك ومن بينها قطع الطرقات التي يأخذ منها الأحزاب ذريعة للتصويب على الحراك، أكد أن «قطع الطرقات لم يتم التوافق عليه بشكل كامل بين مجموعات الحراك، وثمة من يعارض هذا الأسلوب»، مشيرا إلى أنه «كان أداة لتنفيذ إضراب عام وشامل لأن النقابات في لبنان مسيطر عليها من قبل أحزاب السلطة، ولكن بما أنه لم ينفذ أهدافا مباشرة للثورة، فالحراك اليوم يتجه اليوم نحو طرق وأساليب جديدة للضغط على السلطة، من بينها تحركات على أماكن ومؤسسات تعتبر بؤرا للفساد، إضافة إلى تحركات على القطاع المصرفي وكذلك محاولات تصب في سياق الضغط للدعوة لاستشارات نيابية كالاعتصام أمام القصر الجمهوري ومجلس النواب»، وأن «جلسات الحوار والنقاش بين أفراد الحراك ستتفعل بشكل أكبر وأهم».
هذا وشدد عامر في الختام على أن «الشارع اللبناني ما قبل 17 تشرين ليس كما بعده، والشعب اللبناني واعٍ، ومنظومة الحكم هي من تذكرنا بالحرب فقط».


اشترك في النقاش