المعارضة السورية والسير عكس إرادة الشعوب

* من يُتابع ردة فعل الأنظمة ومتفرعاتها، سيُلاحظ أن المعارضة السورية من ائتلاف وهيئة تفاوض ولجنة دستورية، صارت جزءًا من الأنظمة أو المنظومة الحاكمة، تتحدث بلغة لا تُلبي طموحات السوريين... هي أساسًا لم تعد قادرة على فهم ما يريده السوريون

إذا ما تأملنا حراك الشباب في العالم العربي، بل وأبعد، نجد أن الشباب لم ينتفض فقط ضد الفساد والقمع، وإن كان هذان السببان من المحركات الأساسية لثورات الربيع العربي في نسخته الأولى والثانية. 
هؤلاء الشباب لم يعد شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» مقنعًا لهم، فمنذ الاستقلال في النصف الأول من القرن الماضي، لم تنته معارك الأنظمة. معارك لم تنحصر بالاحتلال، بل كان أغلبها مع الشعوب نفسها، بتسميات مختلفة من إرهاب إلى انفصاليين وبأغلب الأحيان متآمرين. أدرك الشباب أن لا سبيل لتحرير الأرض إن لم يتحرر الإنسان، ولا مجال لبناء دولة قوية إن كان المواطن مهمشًا. مطالب الشباب في لبنان والعراق واضحة، هم يريدون حقهم كمواطنين، لم يعودوا راغبين في أن يكونوا قطيعًا من الطوائف يُحركهم من يحتكر تمثيل الطائفة إن كان رجل دين أو سياسيا.
يحاول اليوم «حزب الله» في لبنان، ومعه حليفه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، اللعب على الوتر الطائفي، ينزل مناصرو الحزب إلى الشارع مسلحين بالعصي وأحيانًا بأكثر، يهتفون شيعة شيعة، ولكن هتافهم لا يجد صدى عند اللبنانيين ومن ضمنهم الشيعة المنتفضون على واقعهم. 
أهالي البصرة كانوا أول المنتفضين، هم أيضًا مواطنون عراقيون يُطالبون بحقوقهم، انتماؤهم الطائفي لم يمنعهم من الهتاف من أجل العراق ومستقبله. إنه زمن الإنترنت والتواصل الاجتماعي، هي ليست معركة للثأر من قتلة الحسين، حجة «حزب الله» بالدفاع عن الشيعة والمقامات التي استخدمها أمام جمهوره للدخول العسكري إلى سوريا لم تعد تنطلي على أحد، وكلام باسيل عن استعادة حقوق المسيحيين ومحاربة الإرهابيين صار أقرب للمزاح، كيف لا، وهم من سمحوا للدواعش بالانتقال والتنقل عبر الحدود بالباصات المكيفة وبالتعاون مع نظام الأسد؟ شعارات تحت الطلب لإثارة النعرات الطائفية، بين مواطنين أدركوا أخيرًا أنهم مواطنون قبل أن يكونوا طوائف ومذاهب، أصبحت لا تساوي الحبر الذي تُكتب به.
تحاول السلطة في كل من لبنان والعراق الرد على هتاف اللبنانيين والعراقيين باللعب على وتر الطائفية، تحاول إخافتهم من الآخر، وتتهم دولاً بتمويلهم ودعمهم، ولكن كل ذلك لم يعد ينطلي على شعوب نفضت عنها تبعيتها العمياء للطائفة، وصار أفرادها يدركون أن انتماءهم الطائفي ليس مبررًا لمنعهم من أبسط حقوقهم. هم أساسًا لا يُطالبون بأكثر من حقوق بديهية، فالمطالبة مثلاً بالحصول على الكهرباء ليست مؤامرة ضد مسيحيي المشرق كما يرغب في تسميتهم جبران باسيل.
في العام 2011 هتف السوريون واحد واحد واحد الشعب السوري واحد، هم أيضًا كانوا يُطالبون بحقوقهم كمواطنين لا طوائف، ولكن وبعد شهور على انطلاق ثورتهم، وبعد العنف غير المسبوق الذي استخدمه نظام الأسد للرد على مطالب الثوار، استطاع جرهم إلى ملعبه، فبتنا نسمع خطابات طائفية من قبل معارضين للرد على الممارسات الطائفية للنظام والميليشيات الطائفية التي استجلبها من كل أصقاع المنطقة، فحتى رأس الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو استخدم خطابًا طائفيًا لتبرير تدخل روسيا العسكري ضد الثوار في سوريا.
من يُراقب اليوم ردة فعل السوريين وهم يُتابعون الثورات في لبنان والعراق وقبلها الجزائر والسودان، يرى الحنين لأيام الثورة الأولى التي اختطفها بشار الأسد بعنفه وجاءت المعارضة لاحقًا لتحولها إلى أداة تفاوض وضغط لتحقيق مكاسب لا تُشبه مطالب الثوار. يقول السوريون لنظرائهم في لبنان والعراق، لا تقعوا بفخ الأنظمة، لا تسمحوا لهم أن يعيدوكم إلى حظيرة الطوائف، تأملوا ما حل بنا لأننا وكلنا أمرنا لمن لا يفهم لغتنا بالمواطنة والمساواة.
من ينظر إلى خريطة المنطقة اليوم، ويُشاهد حراك الشباب في لبنان والعراق وحتى إيران، لا بد أن ينتبه أن بينهم تقع سوريا التي كانت سباقة في ثورتها على هذه المنظومة السائدة في المشرق العربي تحديدًا. ومن يُتابع ردة فعل الأنظمة ومتفرعاتها، سيُلاحظ أن المعارضة السورية من ائتلاف وهيئة تفاوض ولجنة دستورية، صارت جزءًا من الأنظمة أو المنظومة الحاكمة، تتحدث بلغة لا تُلبي طموحات السوريين، هي أساسًا لم تعد قادرة على فهم ما يريده السوريون. يقول السوريون نحن أيضًا نريد دولة مواطنة وعدالة ومساواة، نحن أيضا نريد محاسبة المجرمين، نحن أيضا كسوريين نقول: «كلن يعني كلن» والمعارضة واحد منهم.