اتفاقيات حقوق الطفل... ما نصيب أطفال داعش منها

التنظيم الإرهابي استغل أشباله في الدعاية الإعلامية وصورهم وهم ينشدون أناشيد القتال
* باحث في شؤون الجماعات الإسلامية: على المجتمع الدولي مسؤولية كبيرة تجاه ما قام به داعش مع الجيل الثالث مما يسمى «أشبال الخلافة»... وأطفال التنظيم تشربوا أفكار وأساليب العنف ويُصعب دمجهم في الحياة السلمية بسهولة... وإن لم يتم احتواؤهم سيصبحون جيلا أكثر تطرفا وعنفا وانتقاما
* باحث في شؤون الجماعات الإرهابية: هناك خطورة وأزمة قانونية وإنسانية هائلة يواجهها العالم تجاه أطفال التنظيم... وكاتبة سورية: مشكلة أطفال داعش هي مجرّد مشكلة أخرى تضاف إلى مجموع مشاكل الأطفال في مجتمعاتنا... والأطفال هم الأطفال ونحن من نجعل منهم وحوشًا وإذا أردنا تعافيهم نعيدهم إلى أماكنهم الصحيحة

القاهرة: لم يكن أحد ليتصور أن تنظيم داعش الإرهابي كان بهذه الوحشية مع الأطفال الذين لم تلهمهم الحياة أن يعيشوا حياة آدمية وكريمة منذ بدء نعومة أظافرهم والتي لم يفقدوها سوى بين مخيمات داعش الإرهابي وتحت مدافع العسكريين من المقاتلين في الشمال السوري والأمر بدأ ينكشف ويظهر جليا بعد نشر وسائل الإعلام الدولية والعالمية خبر مقتل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي مع طفليه بعد عملية عسكرية نفذتها القوات الأميركية في الواحد والثلاثين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في بلدة صغيرة شمال غربي سوريا قريبة من الحدود مع تركيا ليتفاجأ العالم بكم الأطفال المحتجزين لدى عناصر التنظيم الإرهابي والذين كانوا يقوموا بمسح كافة أوجه البراءة في وجوههم واستخدمهم لتطويعهم في حروبه ومذابحه الوحشية وأطلق عليهم «أشبال الخلافة» بين صفوف تنظيم داعش الإرهابي حيث اكتشفت أمورا كثيرة بعد مقتل البغدادي كان من أبرزها أن التنظيم لم ينحصر استغلاله للأطفال على التدريبات القتالية فقط، بل يتم استغلالهم في التجسّس، وفي العمليات الانتحارية، كونهم أقل شبهة كما تفعل جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا.
التنظيم لم يكتف بهذا بل قام باستغلال الأطفال بالبروباغندا الإعلامية، فيتمّ تصويرهم وهم ينشدون أناشيد الجهاد والقتال وسفك الدماء، كما يتمّ إشراكهم وتصويرهم أثناء تنفيذ أحكام التكفير «الإعدام» في الأعداء المارقين، بحسب رؤيتهم.
يقول عمرو فاروق الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية إن أطفال تنظيم داعش كانوا يتعرّضون لعمليات غسيل أدمغة على أيدي جماعة داعش الإرهابية كما نُشر في وسائل الإعلام ومواقع التوصل الاجتماعي، حيث اعتمد الإرهابيون على نشر الأطفال وهم يتحلقون من حولهم، أو يردّدون الأناشيد ويرفعون الأسلحة في تكرار لتجربة، القاعدة في أفغانستان وسوريا، حيث سعى التنظيم الإرهابي إلى التركيز على الجيل الجديد، في محاولة لزرع جذور بيئة متطرّفة غنية بمنابع التكفير والكراهية عبر «التربية الإرهابية».
وأوضح الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أنه في آخر شهر أكتوبر الماضي وتحديدا في بلجيكا نظم عدد من السيدات الجدّات البلجيكيات اعتصامًا وسط العاصمة بروكسل، لحث حكومة بلادهنَّ على التحرك من أجل إنقاذ أحفادهنَّ الذين يعيشون داخل مخيمات تمّت إقامتها في شمال شرقي سوريا لاحتجاز عائلات العناصر المنتمية لتنظيم داعش موضحا أنه يجب أن تتم إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال في أماكن معتمدة على التعايش والاندماج حتى يكبروا ويكونوا صالحين للعيش في المجتمع، مؤكدا أن ميثاق حقوق الأطفال التابع للأمم المتحدة، والذي تمّ توقيعه العام 1989، بحسب الاتفاقية، يقضي بهذا الأمر حيث إن الميثاق ينص على أن الطفل هو من لم يبلغ الثامنة عشر، ثم أضيفت مادة (اختيارية)، العام 2000. على الميثاق، ألزمت الدول الموقعة على التعهد بعدم إشراك الأطفال في المنازعات المسلحة في الجيوش النظامية.
وأكد الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أن تنظيم داعش الإرهابي عمل على صناعة ما يسمى الجيل الثالث من أشبال الخلافة، مؤكدا أن هؤلاء الأطفال، تشربوا أفكار وأساليب العنف الممنهج المكتسب من معايشة تجربة أرض المعركة، والتكتيك الميداني، وهو أمر يُصعب إعادة دمجهم في الحياة السلمية، ومن ثم سيصبحون جيلا أكثر تطرفا وعنفا وانتقاما، وسعيا لتطبيق ما رسمه أبو بكر البغدادي، باعتباره أصبح يمثل رمزا لدولة الخلافة الداعشية وهو أمر مهم على عاتق المجتمع الدولي وخاصة الدول الأوروبية.
فيما يقول صلاح الدين حسن الباحث في شؤون الجماعات الجهادية إن هناك خطورة حقيقية وأزمة قانونية وإنسانية هائلة يواجهها العالم بأكمله يجب أن لا يتجاهلها ويحتويها خاصة بعد سقوط تنظيم داعش وانهياره وظهور أجيال يعرفون بأشبال الخلافة الذين كانوا موجودين في الأماكن التي كان يسيطر عليها التنظيم الإرهابي، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي يجب أن يضع خطة واضحة المعالم للتعامل مع مصير عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين خرجوا من معسكرات مزرية كان يسيطر عليه عناصر التنظيم الإرهابي.


وأشار الباحث في شؤون الحماعات الإرهابية إلى أن هناك عددا كبيرا من النساء والأطفال رفضت دول كثيرة استرجاعهم، خوفًا من أن ينشروا أفكارًا متطرفة أو يشنوا هجمات إرهابية، وفضلت حكوماتهم تركهم في عهدة القوات الكردية، والتركية وهو ما يجب على المجتمع الدولي الحذر منه ووضع حلول سريعة وعاجلة لإعادة تأهيل هؤلاء ولنبذ الأفكار التي كانوا يعتقنونها وتربى عليها هؤلاء الأطفال.
من جانبه، أكدت أدونيس غزالة الكاتبة السورية والمهتمة بشؤون الطفل في دراسة لها أن هناك قاسما مشتركا بين جميع الأنظمة في العالم، فهي حين تريد شيئا تسخّر كل طاقاتها لإنجازه، أمّا حين يُراد منها شيء فتصبح المسائل معقدة وتحتاج لدراسة ووقت، ثم تبدأ الصعوبات تنهال من كل حدبٍ وصوب، فهذه المعوقات وغيرها مما تتشدق به هذه الدول، تشير فقط إلى أنّها تنظر إلى هؤلاء الأطفال كمخلفاتٍ ما قبل إنسانية يتم استثناؤها من اتفاقية حقوق الطفل، كما أنّ ما تظهره من تخوّفات وما تضعه من معوّقات هو في الحقيقة إخفاء متعمّد لسياساتها ومصالحها التي حددت سلفًا مصير هؤلاء الأطفال، وبالطبع في كلا الحالين، هؤلاء الأطفال ليسوا سوى أحجار شطرنج سيتم تحريكها حسب ما تقتضيه المصلحة.
وتابعت خلال دراستها: «إن كان هناك جانب نفعي تتعامل به هذه الدول مع أطفال داعش، فإنّ مجتمعاتنا تتعامل مع الأطفال بوجهٍ عام كفائض بشري ناتج عن التناسل، لذلك ستغذي الكثيرُ من التداخلات قصة أطفال داعش التي تعيق تأهيلهم واحتضانهم ودمجهم في المجتمع، وقد يكون السبب الأبرز هو التردّي الاقتصادي والمعيشي العام، الذي يُسقط من حسابات البالغين الطفولة برمّتها».
وأضافت: «إن مشكلة أطفال داعش هي مجرّد مشكلة أخرى تنضاف إلى مجموع مشاكل الأطفال في مجتمعاتنا، فعلى بعد أميال من المعسكرات التي تحتجز أطفال داعش، هناك أطفال لا يقل وضعهم سوءًا في ظل ظروف اقتصادية وآيديولوجية معقدّة، ليصبح امتهان العنف القاسم المشترك فيما بين الجميع، ومشاكل أطفالنا كما العادة ليست بالأمر الملحّ، يكفي أن نغمض أعيننا عن المشكلة حتى تختفي، وبأقل التكاليف يمكننا الإحاطة بأي أزمة، فنحن نتقن جيدًا تشييد الأسوار وإعداد الحظائر».
وأضافت الكاتبة السورية خلال دراستها: «الواقعة التجريبية لعلم الأحياء تثبت أنّ الخلايا الجذعيّة متماثلة، تتغيّر طبيعتها بتغيّر الوسط الحاضن، فنفس الخليّة يمكن أن تصبح عضلية أو عظميّة أو عصبية... وإنّ مرض هذه الخلايا ناتج عن وضعها في وسط غير صحّي، مما يصعّب على العلاج الكيميائي شفاؤها، ولكن يمكن أن تشفى هذه الخلايا بصورة طبيعيّة فقط إذا أُعيدت إلى وسطٍ صحي... قد تكون هذه المقاربة البيولوجية هي التشخيص الدقيق لمشكلتنا، فالأطفال هم الأطفال ولكن نحن من نجعل منهم وحوشًا، بالتالي إذا أردنا تعافيهم يكفي أن نعيدهم إلى أماكنهم الصحيحة. الأماكن التي تتوفر على الأمان والاهتمام، ويكفي أن نقلب معادلة الخوف منهم إلى الخوف عليهم، حتى لا يخرجوا من سجونهم الصغيرة التي يعتقدونها أوطانهم، إلى أوطانٍ تصبح سجونًا كبيرة لهم، ولكن من الذي يريد ذلك؟ ومن الذي سيقرر؟ ومَنْ مِن مصلحته إعادتهم إلى أماكنهم الصحيحة؟».