«الذكاء الاصطناعي»... المنافسة الدولية والريادة السعودية

الثورة الصناعية الرابعة
* قرار القيادة السعودية باتخاذ زمام المبادرة نحو الذكاء الاصطناعي، عبر إصدار الأمر الملكي القاضي بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، لتكون الجهة الرسمية المسؤولة عن الأجندة الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة تحقيقًا لرؤية 2030 وأهدافها
* تستضيف المملكة نهاية مارس 2020، القمة العالمية للذكاء الاصطناعي بالرياض؛ التي ستمثّل ملتقى سنويًا عالميًا لتبادل الخبرات وعقد الشراكات بين الجهات والشركات الفاعلة في عالم البيانات والذكاء الاصطناعي على الصعيدين المحلي والدولي
* بكين شرعت مع المستثمرين الصينيين في توجيه مبالغ هائلة لتطوير الذكاء الاصطناعي، على نحو أهلها بحلول عام 2017 إلى أن تهيمن على قرابة 48 في المائة من إجمالي تمويل الذكاء الاصطناعي العالمي
 
 
* معهد ماكينزي للأبحاث: الذكاء الاصطناعي سيشكل ملامح العالم قريبا... وسيصوغ معالم القوى العالمية الجديدة وتوازناتها، وسيعزز الاقتصاد العالمي بنحو 13 تريليون دولار خلال السنوات العشر القادمة
* أكاديمية «برايس ووتر هاوس كوبرز»: الذكاء الاصطناعي سيسهم بنحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030
* يتوقع خبراء الاقتصاد أن تحقق المملكة عوائد اقتصادية من مشروعات الذكاء الاصطناعي تقدر بنحو 12.4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، خلال السنوات المقبلة

أنقرة: تحولت أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي من محض «أفكار طائرة» نشاهدها في أفلام الخيال العلمي، إلى حقيقة غدت المحرك الرئيسي الذي يقف وراء انطلاق ما يطلق عليه «الثورة الصناعية الرابعة»، وذلك لما بات لها من تأثيرات على الاقتصاد العالمي، والتطور التقني والعلمي، وتنمية وترسيخ المهارات، فوفقاً لتقرير معهد ماكينزي العالمي للأبحاث، فإن الذكاء الاصطناعي سيشكل ملامح العالم خلال السنوات القادمة، كما سيصوغ معالم القوى العالمية الجديدة وتوازناتها، وسيعزز الاقتصاد العالمي بنحو 13 تريليون دولار خلال السنوات العشر القادمة. هذا في وقت أشارت فيه أكاديمية «برايس ووتر هاوس كوبرز»، إلى احتمالية أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030.
تأسس على ذلك محركات الصراع الدولي الجديد، والذي عكسته تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين أشار إلى أن «من ستكون له الريادة في عالم الذكاء الاصطناعي، سوف يضحى سيد العالم». أوضحت هذه التصريحات مدى التحولات الناشئة في ميادين الصراع وحروب المعلومات المشتعلة التي توارت بجانبها المواجهات التقليدية. يجسد ذلك، ويوضحه آلاف التقارير التي تتوالى عبر العالم عن مجهودات القوى الكبرى لتحقيق الريادة في هذا المجال، فضلا عن الإشارات المتكررة إلى نواتج سياسات الصين على مستقبل توازنات القوى عبر العالم، والتي ربما تشكل أحد محركات الأمر التنفيذي الذي وقعه مؤخرا الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تخصيص المزيد من الموارد والاستثمارات من قبل الوكالات الاتحادية لدعم البحوث والتدريب في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
لا ينفصل عن جملة ذلك، قرار القيادة السعودية باتخاذ زمام المبادرة نحو الذكاء الاصطناعي، عبر إصدار الأمر الملكي القاضي بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في أغسطس (آب) 2019، لتكون الجهة الرسمية المسؤولة عن الأجندة الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة تحقيقًا لرؤية 2030 وأهدافها. وقد جاء القرار الملكي ضمن رؤية وتوجه يسعيان لتحقيق نهضة إنسانية واقتصادية شاملة ومن خلال خطة ورؤية ملهمة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي عبر عن خطط المملكة في هذا الشأن وأهميتها وأكدها من خلال مداخلاته وكلماته في قمة مجموعة العشرين الأخيرة التي عقدت في «أوساكا» في اليابان، بما أوضح رغبة القيادة السعودية في نقل المملكة إلى مصاف الدول الكبرى التي تتبارى في ميادين الذكاء الاصطناعي.
 
الذكاء الاصطناعي... المنافسة الدولية
تتوالى التقديرات الراصدة لأنماط الصراعات والنزاعات الدولية، وثمة معطى بات يبرز على نحو تدريجي يتعلق بالأدوار التي قد يضطلع بها السباق التقني والتكنولوجي خلال السنوات القادمة. وقد عبر عن ذلك رائد الأعمال الأميركي الشهير، إيلون ماسك، والذي أشار عبر تغريدة له إلى أن «الصراع في مجال الذكاء الاصطناعي قد يفضي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة». وقد أسس وأدار إيلون ماسك، عددًا من الشركات التقنية المُهمة، بل وقام مع كِبار قادة الذكاء الاصطناعي في 26 دولة مُختلفة، بتوقيع مذكرة تدعو الأُمم المتحدة لحظر تصنيع الأسلحة الفتاكة الإلكترونية، وذلك قبيل انعقاد المؤتمر الدولي المُشترك للذكاء الاصطناعي.
وتشير الكثير من التقديرات إلى أن تأثيرات ثورة الذكاء الاصطناعي قد تفوق الثورة الصناعية. فالتطورات الحاصلة في هذا المجال قد تفضي إلى تغيير ملامح الحياة المدنية والعسكرية على نحو جذري، سيما في ظل الوتيرة المتسارعة للتطورات التقنية التي يشهدها هذا المجال، والتي باتت تجبر الدول على إعادة تقييم سياساتها واستراتيجيتها. وتطوير الذكاء الاصطناعي يُعد مصطلحا يشمل الشبكات العصبية، والتعلم الآلي، وتقنيات التعلم العميق. وتعتبر ألمانيا واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية من بين أهم الدول التي تناضل من أجل التفوق في هذا المجال، في حين أن كلا من واشنطن وبكين تمثلان أكبر دولتين تخوضان صراعا متعدد المستويات لضمان التفوق العالمي. وإلى جانب المملكة العربية السعودية بدأت الكثير من الدول الكبرى رسم خططها ووضع استراتيجياتها لضمان التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، ومن أهم هذه الدول كندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، والهند، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، والسويد، وتايوان، والإمارات العربية المتحدة.

 




إستخدام الذكاء الإصطناعي في المجال الطبي


 
الذكاء الاصطناعي... واشنطن والتحدي الصيني
مثلت كل من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا الدول المهيمنة على الذكاء الاصطناعي طيلة العقود الخالية، هذا إلى أن أعادت الاستثمارات الدولية تشكيل واجهتها لتقصد العملاق الصيني، مستغلة في ذلك ما باتت تحظى به من إمكانيات هائلة، سيما في ظل تطوير التطبيقات الخاصة بها، ونظرا لامتلاكها كمًّا هائلاً من البيانات. وقد أشار الكاتب والخبير الصيني «كاي - فو لي» في مخطوطه «قوى الذكاء الاصطناعي العظمى: الصين، ووادي السيليكون، والنظام العالمي الجديد» إلى التجربة الصينية في الذكاء الاصطناعي وعوامل تفردها، معتمدًا على خبرته العملية في الشركات الكبرى مثل: غوغل، ومايكروسوفت، وعمله كرئيس تنفيذي لشركة Sinovationالصينية. وأوضح الكاتب أن بكين شرعت مع المستثمرين الصينيين في توجيه مبالغ هائلة لتطوير الذكاء الاصطناعي، على نحو أهلها بحلول عام 2017 أن تهيمن على قرابة 48 في المائة من إجمالي تمويل الذكاء الاصطناعي العالمي، متفوقة على الولايات المتحدة ذاتها، وذلك بعد أن أعلنت عن خطط وحزم من الإجراءات المتتالية تستهدف منها أن تغدو مركز الذكاء الاصطناعي والابتكار العالمي بحلول عام 2030.
ويوضح فو لي أنه منذ إطلاق الحكومة المركزية حملة «الابتكار الجماعي وريادة الأعمال الجماعية» في عام 2015؛ تم إنشاء نحو 6600 شركة صغيرة في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع بحلول عام 2030 أن تساهم الصين بنحو 7 تريليونات دولار من الناتج العالمي الإجمالي للذكاء الاصطناعي. ويشير الكاتب إلى أنماط تطور العلاقة بين التطور التكنولوجي والشعب الصيني، قائلا إن الأشخاص الذين لم يتمكنوا من اقتناء أجهزة حاسوب محمولة في الصين باتوا يمتلكون هواتف ذكية لم تعد بالنسبة لهم محض وسيلة للتواصل، وإنما غدت «محفظة أموال متنقلة». وخلال الأعوام الأخيرة ساهمت التليفونات الذكية في إحداث تحولات في سوق العمل الصيني، وفي زيادة معدلات الشراء الإلكترونية. ففي نهاية عام 2017 أصبح هناك نحو 735 مليون نسمة، أي ما يعادل 65 في المائة من تعداد الصين، قادرين على الدفع النقدي عبر التليفونات الذكية، حتى إن الأمر قد وصل للشحاذين، حيث علق كل منهم ورقة على رقبته تحوي الكود الإلكتروني الخاص بهم، وانخفضت بصورة كبيرة المعاملات النقدية تاركة المجال للمعاملات الإلكترونية.
وفي مارس (آذار) 2017، تم إدراج الذكاء الاصطناعي في تقرير عمل الحكومة الصينية. وفي يوليو (تموز) من العام ذاته، أعلنت بكين خطتها لتطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، بوضعها جدول أعمال طموحا مكونا من ثلاث مراحل زمنية مخُتلفة، تستهدف نمو قيمة صناعات الذكاء الاصطناعي في البلاد إلى ما يتجاوز 150 مليار يوان صيني بحلول 2020. وإلى ما يتجاوز 400 مليار يوان بحلول 2025، وإلى ما يتجاوز 1 تريليون يوان بحلول عام 2030.

أثار ذلك قلق كثير من البلدان الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. وحذر تقرير بحثي صادر عن مركز الأمن الأميركي الجديد، من أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الصينية، وتطويرها قد تشكل تهديدًا للتوازن الاقتصادي والعسكري للقوى العالمية، وأكد على أن الصين لم تعد وحسب تنافس الولايات المتحدة، وإنما باتت تمتلك القدرة اللازمة للتفوق عليها في مجال الذكاء الاصطناعي، سيما في ظل التعاون بين المؤسسات المدنية والقطاع الخاص والجيش الصيني، بالتزامن مع دعم معاهد ومؤسسات الأبحاث المعنية.
وفي هذ السياق، قال نائب وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت وورك: «إن الولايات المتحدة إما تقود الثورة الحاصلة في مجال الذكاء الاصطناعي وإما تصبح ضحية له». وتشير الكثير من التقديرات إلى أن الولايات المتحدة لا تزال لديها القدرة على الاحتفاظ بهيمنتها على الذكاء الاصطناعي دون أن يعني ذلك إنكار أن الصين قد تحقق الريادة في اقتصادات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحروب الذكية، خلال المرحلة المقبلة، وذلك على نحو من شأنه أن يُسهم في إعادة تشكيل القوة في المجال السيبراني العالمي من ناحية، ويدفع، من ناحية أخرى، بكسْر الهيمنة الغربية على أغلب مقدّرات القوة التقليدية.
وقد سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوقيع مبادرة الذكاء الاصطناعي الأميركية، والتي تنص على توجيه الوكالات الفيدرالية لتكثيف الاستثمار في البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، وتبادل البيانات، ونماذج الكومبيوتر، ووضع معايير تقنية واضحة، وتعزيز تطوير القوى العاملة، وإعطاء الأولوية للتكنولوجيا. ولتحقيق هذه الأهداف تم تشكيل لجنة مختارة لتقديم المشورة للحكومة بشأن أعمال البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذلك النظر في الشراكات الرئيسية في هذا المجال، ومع الأوساط الأكاديمية. هذا في وقت قامت فيه وزارة الدفاع الأميركية بتكثيف خطواتها لتبني الذكاء الاصطناعي، حيث خصصت نحو 75 مليون دولار من خطتها السنوية للإنفاق لتطوير هذه التقنيات، وتمتلك الكثير من الوكالات الحكومية الأخرى مشاريع ضخمة في هذا المجال.
على جانب مواز، تسعى بلدان غربية أخرى إلى إطلاق مبادراتها الخاصة، حيث أعلنت بريطانيا عن صفقة بين الشركات الخاصة والعامة؛ لتوفير أكثر من 200 مليون دولار للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، كما أعلنت الحكومة خططا لتوفير الأموال اللازمة للبحوث الأكاديمية، ودعم 1000 شهادة دكتوراه متخصصة في الذكاء الاصطناعي. هذا في وقت تخطط فيه الهند للاستثمار في الأبحاث من قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن الاستفادة منها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. كما قدمت مؤسسة الفكر في الهند استراتجية خاصة بتطوير وتعزيز الاستثمار في البحث العلمي، وتشجيع المهارات والتدريب، وتسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي.
وعلى جانب آخر، أعلن الرئيس الروسي عن وضع استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي وتحفيز الاستثمار في مشروعات التكنولوجيا الفائقة. وتقوم الاستراتيجية الوطنية لروسيا بمواءمة الموارد الحكومية، والعسكرية، والأكاديمية، والخاصة؛ لتعزيز تطوير الذكاء الاصطناعي، سيما أن موسكو تسعى إلى التحرك بموازاة واشنطن فيما يخص دعم وتعزيز معايير الذكاء الاصطناعي. وتهدف روسيا إلى استثمار مئات الملايين من الدولارات لإنشاء اقتصاد تكنولوجي رقمي.


 
السعودية وريادة الذكاء الاصطناعي
أظهرت المملكة العربية السعودية قدرتها على أن تغدو أحد الفواعل الدولية التي تحظى بريادة الذكاء الاصطناعي، تجلى ذلك حينما أقدمت على منح الروبوت «صوفيا» الجنسية السعودية كأول روبوت على الإطلاق يحصل على جنسية، ليس بحسبانها تعد النموذج الأكثر تطورًا في محاكاة للبشر حتى الآن، وإنما أيضا تجسيدا لرغبة المملكة في أن تدشن خطوات متتالية من أجل التحول الرقمي في شتى المجالات. وتستضيف المملكة نهاية شهر مارس 2020، القمة العالمية للذكاء الاصطناعي بالرياض؛ التي ستمثّل ملتقى سنويًا عالميًا لتبادل الخبرات وعقد الشراكات بين الجهات والشركات الفاعلة في عالم البيانات والذكاء الاصطناعي على الصعيدين المحلي والدولي.
وسينعقد المؤتمر العالمي تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. ومن المقرر أن يقام المؤتمر في مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات، ويستهدف تعزيز أدوار المملكة الريادية في الذكاء الاصطناعي، فضلا عن قيادة الجهود العالمية في هذا المجال المتقدم، ومن المقرر أن تناقش القمة موضوعات عدة في مجال الذكاء الاصطناعي والاستفادة من تقنياته وتأثيرها في المجتمع والاقتصاد.
أوضح ذلك رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي ورئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، خلال مشاركته في «منتدى مستقبل الاستثمار» في نسخته الثالثة لعام 2019. وأشار إلى أن المؤتمر سيكون منصة عالمية لمناقشة هذه التغيرات التقنية الحديثة وفهم الطرق التي يمكننا من خلالها تطويعها بما يعود بالنفع على البشرية.
ومن المقرر أن يحظى المؤتمر الذي سيعقد على مستوى القمة بمشاركة قادة سياسيين ورؤساء الشركات الرائدة عالميًا والشركات التقنية الكبرى والناشئة، إلى جانب الباحثين والأكاديميين ورواد الأعمال والمستثمرين. وقد خصصت القمة برنامجًا متنوعًا لقادة الذكاء الاصطناعي والمجالات ذات الصلة، تشمل كلمات ومحاضرات وورش عمل لإثراء الحدث ليكون أكبر منصة تفاعلية عالمية في هذا المجال، مع التركيز على تمكين الشركات والحكومات من تطبيق هذه التقنية والاستفادة منها بشكل موسع، كما سيصاحب القمة معرض لأحدث ابتكارات ومنتجات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الممارسات التطبيقية للتقنية في شتى المجالات.
وتسعى المملكة، وفق اتجاهات أكاديمية، إلى الارتقاء بشبكاتها المعلوماتية لتغدو الأساس الذي ينبني عليه اقتصاد المعرفة التقدمي، والذي يتطور على نحو تراكمي، ما يجعله في مصاف الاقتصادات القائمة على أسس تكنولوجية متقدمة. وثمة تقديرات دقيقة تشير إلى أن ما لدى المملكة من بيانات يساوي أكثر من تريليون دولار، وهي مرشحة لأن تغدو قيمة مضافة غير مسبوقة لاقتصاد المملكة.
وبحسب دراسات حديثة، فإن تقنيات الذكاء الاصطناعي من المقرر أن تضيف إلى اقتصاد المملكة نحو 215 مليارًا بحلول عام 2035، سيما مع التوجه لابتكار منظومة توظف هذه التقنية في تنظيم الحج والعمرة، والذي تستهدف السعودية منه رفع عدد الزوار فيهما من 8 ملايين زائر إلى 30 مليون زائر بحلول 2030. كما من شأن ذلك أن يدعم قدرات المملكة بحسبانها تحظى بقوة بشرية هائلة، إذ يمثل الشباب نحو 70 في المائة من السكان. وقد أكمل آلالف الشباب التدرب على مجالات البرمجة الرقمية داخل الكثير من الهيئات والمؤسسات السعودية، بما خلق طلبا على العمل في المجال التقني بوتيرة أسرع من أغلب دول الشرق الأوسط، فإعلانات وظائف الذكاء الاصطناعي باتت موجودة الآن في السعودية بجانب إعلانات التوظيف المعتادة.
وتشهد المملكة أيضا رواجا وحراكا تقنيا، سيما في ظل الإقبال في أوساط الشباب على التخصص في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق أو «البلوك تشين» و«إنترنت الأشياء». وحسب كثير من الاتجاهات الرائجة فإن الحديث عن «الهاكاثونات» أو معارض وورش الابتكار والمبادرات لم يعد غريبًا، وبات مألوفًا أن تشجع الأسر المدارس والأبناء على الانخراط في برامج التعلم والتدريب في المجالات التقنية. وقد أعطت مبادرة «السعودية تبرمج»، التي اختتمت في فبراير (شباط) 2019. الانطباع عن تنامي الشغف بالمعرفة التقنية، حيث تخطى المشاركون في المبادرة مليون شخص.
وتعد مدينة نيوم، والتي ستتكلف نحو 500 مليار دولار، جزءًا من رؤية السعودية لعام 2030 والتي تضع الأسس الأولى لاقتصاد يقوم على الصناعة والمعرفة. ويأتي ذلك تجسيدا لسياسات المملكة التي تسعى إلى تعزيز اعتمادها على الروبوتات، سيما بعد إنشاء المركز الوطني لتقنية الروبوت والأنظمة الذكية في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.

وبعد الإعلان عن رؤية 2030 لم يكن إعلان الروبوت «صوفيا» حصولها على الجنسية السعودية أقصى حد يمكن بلوغه وإنما محض خطوة على طريق طويل، سيما بعد أن تم أول «توظيف تقني» داخل المملكة لأول روبوت في وزارة التعليم، والذي يقوم بخدمة العملاء وإيصال الرسائل لزوار معارض وأنشطة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. هذا فيما أعلنت وزارة الصحة عن تأسيس أول «صيدلية ذكية» على مستوى المملكة في مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك.
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن تحقق المملكة عوائد اقتصادية من مشروعات الذكاء الاصطناعي تقدر بنحو 12.4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، خلال السنوات المقبلة، استنادا على ما تحظى به المبادرة السعودية في هذا الإطار من دعم وتوجيه من قيادة المملكة، وتأسيسا على تنامي الأدوار التي تنهض بها الكثير من المؤسسات الإبداعية مثل أكاديمية مسك التابعة لمؤسسة الأمير محمد بن سلمان الخيرية، التي تقوم بتدريب آلاف الشباب والفتيات الذين يلتحقون بمسارات البرمجة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتبرز في هذا السياق أدوار جامعة الفيصل أو أكاديمية STCفي العاصمة الرياض، وكذلك الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، الذي أسهم في إطلاق أكاديمية للأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة. وهذه الجهود المتراكمة والمتراصة تأسست على الأمر الملكي بإنشاء هيئة للبيانات والذكاء الاصطناعي برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وفي هذا الإطار قال وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، عبد الله السياحة، إن المملكة عازمة على تطوير الحاضر الرقمي وبناء مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي والابتكار، الأمر الذي من شأنه تعزيز مسيرتها وصوغ مستقبلها نحو الريادة في مجال التقنية والابتكار.
وتهدف الهيئة إلى تعزيز مسيرة الابتكار والتطور الرقمي وتحقيق أهداف رؤية 2030 وتطوير كفاءة الأداء الحكومي والخاص، حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز مستويات الأداء والإنتاجية وتحفيز ريادة الأعمال ودعم الشباب، إضافة إلى تقديم خدمات أكثر ابتكارًا للمواطنين.