قمع المعارضة... تحد إيراني للمجتمع الدولي

طهران تواصل العنف ضدها... ومطالبات ببعثة تقصي حقائق دولية
* استخدام القوة المميتة ضد المعارضة يعد انتهاكا للقانون الدولي
* مدير سابق لكلية الدفاع الوطني: الفكر الاستعماري يزيد من عدد المعارضين لسياسات طهران
* منحنى المعارضة الإيرانية في تزايد رغم القتل والقمع والاعتقال
* ممارسات طهران تؤشر إلى مزيد من المعارضة وسلوك أكثر عنفاً
* السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم مروعة بحق المعارضين
* المؤسسات الدولية تدين ممارسات طهران بحق المعارضة
* قوى المعارضة تعرف أن عدوها موجود في الداخل من خلال نظام الملالي
* النظام الإيراني يرجع فشله إلى المؤامرات الأميركية
* المعارضة الإيرانية تطالب ببعثة أممية لتقصي الحقائق للوقوف على فظائع النظام الإيراني

القاهرة: رفعت وتيرة الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران من ممارسات السلطات الإيرانية العنيفة ضد المعارضة التي واجهت انتهاكات غير مسبوقة، وأساليب قمعية أكثر من ذي قبل لم تقتصر فقط على ممارسة العنف والسجن ضد رموزها بل امتدت لتشمل وضع الكثيرين منهم قيد الإقامة الجبرية، ومطاردة أسر آخرين من المعارضين الموجودين خارج إيران، لترسل طهران رسائل تحد جديد للمجتمع الدولي باستمرارها في عملية القمع الممنهج ضد كل من يعارض توجهاتها، وسياساتها الداخلية التي أسفرت عن خروج مظاهرات حاشدة في غالبية المدن الإيرانية بسبب الحالة الاقتصادية المتردية التي زادت من معاناه الشعب الإيراني، وكذلك ممارسات الملالي في الخارج والتي كان نتاجها زعزعة الاستقرار في عدد من دول الإقليم بسبب التدخل المستمر في دول الجوار من خلال ميليشيات الحرس الثوري أو أذرعه في بعض الدول.
تعسف السلطات المستمر تجاه المعارضة دفع أربعة من الأحزاب الإيرانية المعارضة بالتنديد بقيام السلطات الإيرانية بتعذيب المعارضين المحتجزين، وطالبت المؤسسات الدولية باتخاذ إجراءات لمنع ما تقوم به طهران بحق المعارضة وإجراء تحقيق محايد حول الاحتجاجات، وطالبت كذلك السلطات الإيرانية بالاعتراف بحرية المظاهرات والتجمعات وإنهاء حالة التعتيم الإعلامي التي تفرضها السلطات على الأوضاع في البلاد منذ اندلاع الاحتجاجات، وإطلاق المحتجزين في الاحتجاجات الإخيرة والتوقف عن تهديد الصحافيين من قبل الجهات الأمنية، وكذلك عدم قطع خطوط الاتصالات والإنترنت، والسماح بالاطلاع على المعلومات.


 
جرائم مروعة
المنظمات الإيرانية المعارضة لتوجهات طهران ومن بينها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية أعلنت مؤخرا عن تجاوز عدد شهداء المظاهرات الإيرانية لعدد 600 شهيد رفضت السلطات الإيرانية تسليم جثث عدد منهم إلى ذويهم، هذا بالإضافة إلى نحو 12 ألف من الجرحى، منددة بتفاخر النظام الإيراني من خلال بعض مسؤوليه بالإعلان عن إصدارهم الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين مثلما طلبت ليلى واثقي قائمقام مدينة قدس في طهران من قوات الأمن الداخلي إطلاق النار على كل من يدخل مقر القائمقامية وتأكيدها للأمر من خلال مقابلة مع إحدى الصحف المحلية.
وانتقدت مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ممارسات الملالي في طهران والذين يقومون – بحسب رسالة وجهتها إلى الإيرانيين – بتحويل أنظار الشعب الإيراني طوال أربعين عاما إلى أميركا، رغم سلوكهم في تصنيع القنابل النووية، وتهديد ناقلات النفط في المياه الإقليمية، وإطلاق الصواريخ على الدول المجاورة، وإدراكها معرفة المتظاهرين لعدوهم الحقيقي وهو نظام الملالي الموجود في الداخل والذين علقوا كل فشلهم على أميركا، ودعت المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات عاجلة لوقف عملية القتل الممنهج من قبل السلطات الإيرانية، وضرورة إرسال الأمم المتحدة لبعثة تقصي حقائق للوقوف على الأوضاع في إيران، وتقديم مرتكبي الجرائم بحق الشعب الإيراني إلى العدالة.
الخارجية الأميركية كانت من بين المعترضين على سلوك النظام الإيراني، حيث أعلن وزير خارجيتها مايك بومبيو أن إيران هي العامل المشترك وراء الاحتجاجات التي طالت دولا عدة في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من وجود أسباب داخلية للاضطرابات إلا أن المتظاهرين – بحسب بومبيو – في العراق ولبنان وفي إيران نفسها يعارضون النظام الديني الذي تنتهجه طهران في الحكم موجها أصابع الاتهامات إلى النظام الإيراني في مسؤوليته عن قتل المتظاهرين في إيران وكذلك في الدول المجاورة التي طالتها الاحتجاجات بسبب النفوذ الإيراني داخل هذه الدول، ومن بينها لبنان التي يريد المحتجون خروج «حزب الله» وإيران من بلادهم.
 
نظام عقائدي
اللواء دكتور محمد الغباري مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر قال لـ«المجلة»: «النظام الإيراني يعد من النظم الاستبدادية، ومن المنطقي تواجد معارضة قوية لمثل هذه النوعية من الأنظمة نتيجة الضغط الموجود على الشعب الإيراني مما يزيد من السخط الداخلي وبالتالي الرفض لكثير من السياسات المتعلقة بالنظام، وهذا بالطبع يزيد من قوة المعارضة سواء في الداخل أو الخارج».
وتابع: «أي نظام عقائدي يعتمد على القمع إذا تم بناؤه على رأي (الرجل الواحد) القائم على رأس التنظيم والذي يعد رأيه مقدسا، والشعب الإيراني يقع تحت نير الحصار الاقتصادي والسياسي وعانى كثيرا من الضغط - ولا يزال - من قبل الدول الكبرى، وظهر ذلك عمليا من خلال وقف صادرات النفط، يضاف إلى ذلك استنزاف الموارد الإيرانية في التسليح من خلال نحو 700 ألف قوامة الجيش الإيراني، بالإضافة إلى ما يقارب 300 ألف من قوات الحرس الثوري، متسائلا ما هي العداءات التي تجعل النظام الإيراني يقوم بتكوين جيش قوامة نحو مليون مقاتل، وذلك رغم انتهاء حربه مع العراق، وقيامه باستعمار جزء كبير من الأراضي العراقية؟ بالإضافة إلى تواجد الحشد الشعبي، فالفكر الاستعماري الإيراني – والحديث لا يزال للواء الغباري - يزيد من حجم المعارضة، وسخطها على الممارسات الموجودة ومن الطبيعي نزولها إلى الشارع للاحتجاج خاصة مع توالي الأزمات الاقتصادية، وهو ما تتم مواجهته بالعنف، نظرا لمنهج طهران الذي يعتمد على ذلك، ولا شك أن العنف يولد عنفا مضادا، وإن كان النظام الإيراني قد نجح بالعنف في هذه المرة بالقضاء على المظاهرات إلا أن المرات القادمة لا تضمن حدوث ذلك خاصة بعد تنامي المعارضة».


 
منحنى متصاعد
وعن تنامي حجم المعارضة خلال الفترة القادمة واستخدام مزيد من العنف ضدها أضاف اللواء الغباري: «المعارضة مستمرة ضد النظام الإيراني منذ فترة، وتم استخدام العنف ضدها أكثر من مرة، وكانت المحصلة زيادتها عن ذي قبل، وتناميها، وتضاعف وتيرتها وحجمها، فالمنحنى الخاص بقوة المعارضة في ارتفاع مستمر، وبالتالي فإن النظام الإيراني مهدد بالسقوط نظرا لهذا الأمر، وبالنسبة لاستخدام العنف فلا شك أن العنف يولد مثله، وتعامل الأمن معه بهذه الطريقة يخلق المزيد من السخط لدى المعارضين، ورغم قمع الموجة الثانية، فإن الموجة الثالثة من المتوقع أن تكون أكثر عنفا وقوة من سابقاتها خاصة مع وجود العوامل المؤدية للسخط، ومن بينها الضغوط الاقتصادية، والاتجاه إلى التسليح المفرط من خلال (شهوة التسلح)، والدخول في سباق التسلح النووي الذي تنتهجه طهران رغم عدم وجود عدو نووي صريح بالنسبة لها، فالقوى النووية في المنطقة لا تهدد إيران، فمثلا باكستان صراعها بالأساس مع الهند، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من الشيعة من بين مواطنيها، ودول الخليج لا تمتلك هذا السلاح، وتركيا كذلك، ولهذا فالنظام الإيراني يستهلك ثروات الشعب الإيراني في قضايا غير ضرورية، ومن المنطقي أن أي دولة تربط سياسة التسليح الخاصة بها بتهديد عدائي من دول مجاورة أو قريبة، وعدو موجود بالفعل وهذا غير حاضر في الحالة الإيرانية، والجانب الآخر من الأزمة الإيرانية هو تطلعات خاصة بها وهو ما تنتهجه إيران بالفعل من خلال وجود أطماع لها في الإقليم وهو ما يعارضه الشعب الإيراني في ظل الضغوط الاقتصادية التي يواجهها بسبب سياسات نظامه الحاكم، وهذا ما يزيد من حدة المعارضة بشكل واضح».
 
توتر داخلي
وحول تأثير ما يواجهه النظام الإيراني من معارضة على تواجده في الخارج من خلال أذرعه المختلفة في دول الجوار قال اللواء الغباري: «بالفعل كلما زاد التوتر الداخلي إثر ذلك بالسلب على التواجد الخارجي، حيث سيقل الإنفاق على الخارج مقابل حلحلة جزء من الوضع الداخلي من خلال زيادة الإنفاق على الجانب الاقتصادي المتدهور في الأساس، وبالتالي فإن فك الضغط عن الداخل سيكون من بين استراتيجيات النظام خلال الفترة القادمة، وكجزء من السيطرة على الأوضاع وعدم تفاقمها، خاصة مع الحصار الخارجي، وعدم الحرية في تصدير النفط الإيراني إلى الخارج».


 
رسائل قوية
عنف السلطات الإيرانية الممنهج بحق المعارضين دفع كثيرا من مؤسسات المجتمع الدولي للاحتجاج على سلوكيات طهران حيث أدانت منظمة العفو الدولية حالة العنف المستمرة وزيادة عدد الوفيات الذي وصفه بيان للمنظمة بأنه ينذر بالخطر من المعاملة القاسية تجاه المتظاهرين العزل بواسطة قوات الأمن الإيرانية والذي وصل إلى إطلاق النار على المحتجين ومن بينهم النساء الذين ذهبوا لتقديم المساعدة لأبنائهن الجرحى، وأدانت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي الاستخدام الواضح للقوة المفرطة والمميتة ضد المعارضين، وأن رد المجتمع الدولي الحذر والصامت غير كاف على ما وصفته بعمليات «القتل غير القانوني» و«الاستخدام المميت»، وغير الضروري للعنف ضد المعارضين والمتظاهرين، وظهرت كل الممارسات العنيفة الخاصة بقوات الأمن الإيرانية من خلال الكثير من لقطات الفيديو والصور الرقمية، وكذلك شهادات الشهود ونشطاء حقوق الإنسان والصحافيين التي أوضحت بشكل كامل الاستخدام المفرط للعنف والقوة المميتة تجاه المعارضة الإيرانية، واستخدام الأسلحة النارية من قوات الأمن بشكل متعمد ضد المتظاهرين السلميين، ووصلت المبالغة في القتل إلى إطلاق النار على المتظاهرين أثناء فرارهم من ساحات التظاهر، ورغم عدم تشكيل أي تهديد من قبلهم لقوات الأمن سواء الذين يرتدون زيا عسكريا التابعين للشرطة الإيرانية والحرس الثوري أو لميليشيا الباسيج ممن يرتدون زيا مدنيا، فيما نشرت منظمة العفو الدولية معلومات تلقتها عن إخفاء السلطات الإيرانية لبعض جثث ضحايا المظاهرات الأخيرة عن عائلاتها، ونقلها إلى أماكن مجهولة، مع تهديد آخرين من الأسر التي استلمت جثث ذويها بالاعتقال في حال تحدثوا مع أي وسيلة إعلامية.
مهدي كروبي رئيس البرلمان الإيراني الأسبق وأحد رموز المعارضة الإيرانية والذي يخضع منذ سنوات طويلة للإقامة الجبرية قام بإدانة سلوكيات النظام الإيراني بأنه «عنف لا يوصف»، تجاه المحتجين، منتقدا سلوك المؤيدين للنظام الذي يقوم بقمع المتظاهرين، وقوى المعارضة من خلال انتهاجه للعنف الذي أدى إلى وفاة المئات وجرح الآلاف، بالإضافة إلى سجن عدد كبير من المتظاهرين، محذرا من صبر الشعب الإيراني وانفجاره مرة أخرى من خلال ثورة شعبية كبيرة، داعيا إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، ومحاكمة قتلة المتظاهرين الذين خرجوا للتعبير عن غضبهم تجاه ما سماه حالات الفساد المستشري في أجهزة الدولة المختلفة، وعدم المساواة بين طبقات المجتمع.
واندلعت المظاهرات في غالبية المدن الإيرانية بسبب قرار السلطات بزيادة أسعار المحروقات، وهو ما دفع مئات الآلاف من المتظاهرين للخروج في احتجاجات عنيفة شهدت إضرام النار في عدد من البنوك الخاصة بالحرس الثوري الإيراني، وكذلك استهداف بعض المنشآت الخاصة به، مما وجه رسائل واضحة لنظام الملالي الحاكم والذي كان رد فعله عنيفا بحق المتظاهرين بعد قطع وسائل الاتصال، وفصل شبكة الإنترنت وذلك لحجب ما يحدث عن المجتمع الدولي خاصة مع فض المظاهرات بشكل عنيف أدى إلى وفاة المئات، وجرح وسجن الآلاف.