عن جبران باسيل الذي وحّد اللبنانيين

* أخطر ما يواجه المسيحيين في لبنان والمشرق العربي، هو ما يمثله جبران باسيل، ينكر عليهم انتماءهم الوطني ويحولهم إلى وقود في إطار تحالف الأقليات الذي يصب بالنهاية في خدمة المشاريع الفئوية الطائفية والمذهبية، من هذا المنطلق قد نفهم ما قاله بأن لا خلاف آيديولوجيا مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني في حكومة تصريف الأعمال، رئيس التيار الوطني الحر، أو اللقب الأكثر تداولا بين اللبنانيين «صهر العهد المدلل» جبران باسيل، شخصية من طراز نادر، استطاع أن يوحد خلال سنوات قليلة اللبنانيين، وكثيرا من العرب، جميعهم اجتمعوا على النفور منه. أينما حل، عمل بشكل دؤوب على خلق مشكلة أو إشكالية. تدهورت علاقات لبنان مع محيطه العربي بشكل دراماتيكي خلال وجوده على رأس الدبلوماسية اللبنانية. هو يعرف تماما ما يريد، يقول إنه بشير الجميل هذا الزمن، يتجاهل عن قصد أن الزمن تغير، واليوم ليس أمس، يصر على إنكار أنه ليس بشير بل نقيضه.
مستفز إلى أقصى الدرجات، من قبر شمون إلى طرابلس وبشري والنبطية، هوايته إخافة اللبنانيين من بعضهم، واسترجاع خطاب الحرب الأهلية، ليصدر نفسه منقذ المسيحيين لا في لبنان فحسب بل في الشرق.
قبل اندلاع الثورة في لبنان بيوم، أي في السادس عشر من أكتوبر (تشرين الأول)، كتب باسيل في صحيفة «الأخبار» اللبنانية: «المشرقيّة هي حضنٌ حضاري ثقافي يمتدّ على مساحة العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، لكنّنا نريد تحويلها من مفهوم مجرّد للحضن إلى حاضنة جغرافية حسيّة، على أمل أن تأخذ شكل الكيان السياسي الاقتصادي الذي يحفظ هذا الكمّ الحضاري والإرث الثقافي غير المسبوقين في تاريخ البشرية». تبنى بكلامه هذا فكر أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، متجاهلاً بل وناكرًا انتماء لبنان العربي. هو نفسه جبران باسيل الذي تحدث قبل هذا الكلام بـ3 أيام عن العروبة في معرض دعوته التي أطلقها على منبر جامعة الدول العربية لعودة النظام السوري إلى الجامعة.
باسيل الذي يتهم كل من يخالفه الرأي بأنه ميليشياوي، لا يترك فرصة إلا ويدافع عن ميليشيا «حزب الله». وفي الوقت عينه لا ينكر حق إسرائيل بالأمن والأمان.
نأى بنفسه عن إدانة الهجوم الإرهابي على شركة أرامكو في المملكة العربية السعودية، متذرعًا بسياسة النأي بالنفس، ولكنه يستغل كل فرصة تأتيه للدفاع عن نظام الأسد وعن «حزب الله» اللبناني الهوية الإيراني الهوى.
باسيل الذي يرفض أن يرى إلا طموحه الشخصي، تسبب بانشقاق التيار الذي ترأسه، فبات أغلب من ناضلوا إبان الوجود العسكري السوري في لبنان خارج التيار، بل وأكثر من ذلك، استطاع باسيل خلق شرخ داخل العائلة الواحدة، عائلة فخامة الرئيس ميشال عون.
عنصريته تجاه اللاجئين السوريين باتت مضرب مثل، هو لا يريدهم في لبنان، ولكنه في الوقت نفسه لا يجرؤ أن يطلب من حليفه بشار الأسد الكف عن ملاحقة من يرغب في العودة منهم. هو مع حقوق المرأة اللبنانية بإعطاء الجنسية لأولادها إن تزوجت من أوروبي، ولكنه وبكل صراحة ضد حقوقها إن هي اختارت الزواج من سوري أو فلسطيني. إذن عنصريته مجبولة بالطائفية. وإن كان يبرر أن الطائفية هي السبيل للوصول للدولة المدنية، كيف؟ ليس مهمًا، فكلها شعارات لتحقيق طموحه الشخصي.
ذهب إلى بودابست ليشارك بالمؤتمر الدولي الثاني حول اضطهاد المسيحيين في العالم، فإذا به يفاجئ الحضور بتهجمه العنيف على الثوار اللبنانيين. يستطيع أن يحول كل منبر يعتليه، إلى منبر للتحريض، يتناسى أنه وزير خارجية لبنان، ويتصرف كرئيس لتيار وحليف لـ«حزب الله». فباسيل لم يدع لقاء أو مؤتمرا دوليا، إلا واستغل منبره للتهجم على الثورة السورية واللاجئين السوريين، والدفاع عن خيارات حليفه «حزب الله».
باسيل الذي ناله القسط الأكبر من هجوم المتظاهرين في لبنان، لا يزال مصرًا على استفزازه لجميع الأفرقاء، فها هو قبل أيام يقول ويتصرف على أساس أنه صاحب الكلمة الفصل بتسمية رئيس الحكومة المقبلة، وشكل الحكومة وأسماء أعضائها. هو لا يأبه إلا برضا «حزب الله» على أدائه، وكيف لا يرضى «حزب الله» وقد لعب باسيل دور حصان طروادة، فنسف اتفاق الطائف، وقضم بالممارسة صلاحيات الرئاسة الثالثة، باسم استعادة حقوق المسيحيين. وحول الموقع المسيحي الأبرز في العالم العربي، إلى موقع يعمل وفق أجندة إيران في المنطقة.
أخطر ما يواجه المسيحيين في لبنان والمشرق العربي، هو ما يمثله جبران باسيل، ينكر عليهم انتماءهم الوطني ويحولهم إلى وقود في إطار تحالف الأقليات الذي يصب بالنهاية في خدمة المشاريع الفئوية الطائفية والمذهبية، من هذا المنطلق قد نفهم ما قاله بأن لا خلاف آيديولوجيا مع إسرائيل.