العمليات الإرهابية ضد المساجد خلال العشر سنوات الماضية

رسخت للإسلاموفوبيا وزادت من التعديات على الجاليات الإسلامية
* هناك صعوبات في رصد وتقييم حجم الاعتداءات على المساجد ودوافعها المختلفة
* ناجح إبراهيم: هناك خلاف بين داعش والقاعدة بسبب استهداف المساجد، فالأول يبيح استهداف المساجد، بينما الأخير يرفض
* أنصار الفكر التكفيري لداعش لن يجدوا أي عقبة فقهية وشرعية في تبرير استهداف المساجد والأضرحة، من أجل زعزعة استقرار الوطن بعد استئصال الدولة لعناصر كثيرة من أفراد الجماعات الإرهابية في سيناء

القاهرة: شكلت العمليات الإرهابية ضد المساجد في العالم الإسلامي رقمًا كبيرا خلال العشر سنوات الماضية، وكانت الدول الإسلامية شهداء وبنية تحتية، بالإضافة إلى تشوية صورة الدين الحنيف، مما ساعد على ترسيخ الإسلاموفوبيا في الدول الأوروبية بخلاف اعتداءات المتطرفين من أبناء الجاليات الإسلامية والعربية.
وقد أطلق مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الافتاء المصرية – في الذكرى الثانية لمذبحة مسجد الروضة - دراسة مطولة عن «خرائط العنف والإرهاب على المساجد خلال السنوات العشر الماضية» وتتناول الدراسة في محورها الأول فتاوى العنف والإرهاب التي تجيز تفجير وتخريب المساجد، ورسم خرائط العمليات الإرهابية التي نفذت ضد المساجد بداية من 2009. وسعت الدراسة إلى تتبع توزيع العمليات الإرهابية ضد المساجد وفقًا لمنحنيات تصاعدها زمنيًّا، وتوزيعها الجغرافي، وقراءة أبرز أنماط العمليات الإرهابية المنفذة ضد المساجد ودلالتها.
وتناولت الدراسة في محورها الثاني حجم اعتداءات مروجي الإسلاموفوبيا ضد المساجد في عدد من الدول الغربية، بالإضافة إلى عرض أبرز أنماط تلك الاعتداءات ومستوياتها المختلفة، كما تتطرق إلى أبرز الأسباب التي يسوقها المتطرفون في الغرب ضد المساجد وأسباب مهاجمتها ومعارضتها بكافة الأشكال.
 

رفض العنف والإرهاب باسم الإسلام
وأكد المرصد على أن الدراسة تنطلق من فرضية رفض العنف والإرهاب باسم الإسلام، فالعالم الإسلامي والمسلمون ودور عبادتهم على رأس قوائم ضحايا العنف والإرهاب، ويشير المرصد إلى أن القراءة الأولى لتاريخ العنف ضد المساجد يشير إلى أن المساجد ودور العبادة المسلمة من أكثر دور العبادة تعرضًا للعنف والإرهاب، حيث تتنوع مصادر العنف ضد المساجد من (العمليات الإرهابية، وعمليات التطهير العرقي، والحروب الأهلية، والنزاعات الطائفية، والإسلاموفوبيا، والصراعات المسلحة، والاحتلال الاستيطاني، وأخطاء العمليات المسلحة في مكافحة الإرهاب)، ويؤكد المرصد أن الدراسة من هذا المنطلق تركز على قراءة عنف الإرهاب والإسلاموفوبيا كمصادر تهديد أساسية ضد المساجد.
وأكد المرصد أنه رغم محاولة ربط البعض تصاعد وتيرة اعتداءات الإسلاموفوبيا ضد المساجد بارتفاع وتنفيذ العمليات الإرهابية في العواصم الغربية، فإن اعتداءات الإسلاموفوبيا وهجمات العنف هما وجهان لعملة واحدة وهي كراهية الإسلام والمسلمين.
وأوضح المرصد أن نتائج الدراسة كشفت أن ضحايا عنف وإرهاب الجماعات المتطرفة (التي تدعي أنها تحارب باسم الإسلام) أضعافا مضاعفة مقارنة بضحايا عنف الجماعات غير الإسلامية مثل مروجي الإسلاموفوبيا باستثناء هجوم نيوزيلندا الإرهابي، وهو ما يؤكد أن مشاريع الجماعات مثل (القاعدة، وداعش، والإخوان، وبوكو حرام، والشباب... وغيرها) هي مشاريع لا تحتسب في سعيها مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الدين والنفس والمال والعرض للمسلمين وغير المسلمين.
كذلك أوضح المرصد أن نتائج الدراسة كشفت عن تنفيذ (184) عملية إرهابية نفذت في (36) دولة خلال الـ10 سنوات الماضية، وقد راح ضحيتها أكثر من (3447) شهيدًا وإصابة أكثر من (6333). كما كشفت الدراسة أن منحنى تصاعد العمليات الإرهابية ضد المساجد آخذ في التصاعد منذ عام 2015 مع صعود تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق وتمدده في مناطق عدة، وكذلك تنامي نشاط تنظيم بوكو حرام وحركة طالبان باكستان وهي الجماعات الأكثر تنفيذًا للعمليات الإرهابية ضد المساجد.
وقد كشفت نتائج الدراسة بأن أعوام (2015- 2018- 2019) هي أكثر السنوات عنفًا ودموية ضد المساجد، حيث يعتبر عام 2015 الأكثر عنفًا ضد المساجد فقد نُفِّذ أكثر من (17 في المائة) من حجم العنف خلال السنوات العشر الماضية ضد المساجد، وسقط جراءها (25 في المائة) من شهداء العنف على المساجد خلال تلك الفترة، وأدت إلى إصابة (51 في المائة) من حجم الإصابات خلال تلك الفترة، فيما يتقارب عام (2019) من حيث عدد العمليات المنفذة ضد المساجد بنسبة بلغت (17 في المائة) من حجم العمليات المنفذة خلال السنوات العشر الماضية، ولكن تأثيرها أقل حيث سقط عدد قليل من الشهداء بنسبة بلغت (6 في المائة) من حجم الشهداء الكلي خلال فترة الرصد، ونتج عنها إصابة (3 في المائة) من حجم الإصابات الكلي خلال نفس الفترة.
أكدت نتائج الدراسة أيضًا أن مدن وعواصم العالم الإسلامي المنضوية تحت لواء منظمة التعاون الإسلامي هي الأكثر معاناة من العنف والإرهاب ضد المساجد، حيث كشفت النتائج تعرض (20) دولة إسلامية لعمليات عنف ضد المساجد خلال السنوات العشر الماضية، نفذ بها ما يقارب (88 في المائة) من جملة العمليات الإرهابية ضد المساجد خلال تلك الفترة، ترتب عليها سقوط ما يقارب من (95 في المائة) من جملة شهداء العنف على المساجد خلال تلك الفترة، فيما تسببت في إصابة (97 في المائة) من جملة الإصابات خلال تلك الفترة.


 
الأكثر معاناة من عنف وإرهاب الجماعات
كذلك ذكرت نتائج الدراسة أن خمس دول هي (العراق، باكستان، نيجيريا، أفغانستان، سوريا) تعد بالترتيب هي الأكثر معاناة من عنف وإرهاب الجماعات المتطرفة على المساجد، فقد عانت تلك الدول الخمس مجتمعة عمليات إرهابية بلغت نسبتها (61 في المائة) من جملة هجمات العنف على المساجد خلال السنوات العشر الماضية، راح ضحيتها (38 في المائة) من جملة الشهداء.
وكشفت نتائج الدراسة أيضًا أن هناك خمس هجمات إرهابية تعد الأكثر عنفًا ودموية ضد المساجد خلال السنوات العشر الماضية، وهي (هجوم مسجد الروضة بمصر 2017. مذبحة مساجد كوكاوا بنيجيريا 2015، هجمات مسجدي بدر والحشوش بصنعاء اليمن 2015، هجمات ضريح السيدة زينب بسوريا 2016. هجوم المسجد الكبير بمدينة كانو بنيجيريا 2014)، وقد نتج عن تلك الهجمات الخمس سقوط (846) شهيدًا أي ما يوازي (25 في المائة) من جملة الشهداء خلال السنوات العشر الماضية جراء الـ184 هجومًا.
وأكدت نتائج الدراسة أن الهجوم على «مسجد الروضة» يعد أكثر الهجمات عنفًا ودموية ضد المساجد خلال السنوات العشر الماضية، فقد كشفت التحقيقات الأولية – حسب الهيئة العامة للاستعلامات - أنه في يوم الجمعة 24-11-2017 وأثناء بدء خطبة الجمعة بمسجد الروضة في بئر العبد شمال سيناء، قامت مجموعة من العناصر التكفيرية يتراوح عددها بين 25 و30 إرهابيًّا يرفعون علم داعش قامت بإطلاق الأعيرة النارية وطلقات الرصاص على المصلين بطريقة عشوائية، مما ترتب عنه استشهاد (305) شهداء من المصلين داخل المسجد أي ما يقارب (9 في المائة) من جملة شهداء المساجد خلال السنوات العشر الماضية، من بينهم 27 طفلاً كانوا برفقة ذويهم، فضلاً عن إصابة 128 آخرين.
وأوضحت الدراسة أن ارتفاع متوسط حجم ضحايا المساجد خلال السنوات العشر الماضية يرجع إلى استهداف التجمعات والمساجد الكبرى، وأن غالبية التفجيرات تمت أثناء أداء صلاة الجمعة أو أثناء بعض الطقوس في المناسبات الدينية العامة عند الشيعة والصوفية، كما ترجع إلى تعدد أنماط الهجمات والتي تراوحت بين التفجيرات الانتحارية، والسترات الناسفة، والعبوات الناسفة، والسيارات والدراجات المفخخة، وزرع القنابل، وإطلاق النار العشوائي، والطعن.


 
الإسلاموفوبيا ضد المساجد
وفي الاتجاه الآخر وعلى جانب الإسلاموفوبيا ضد المساجد يؤكد المرصد أن هناك صعوبة في رصد وتقييم حجم الاعتداءات على المساجد ودوافعها المختلفة، ولكنه يؤكد أن الدراسة اعتمدت على بعض النتائج التي قدمتها بعض التقارير والتي أكدت أن هناك تصاعدا وارتفاعًا مخيفًا في معدلات الاعتداءات على المساجد مع اختلاف مستوى خطورة أنماطها والتي تتراوح بين «النوافذ المحطمة، والكتابة على الجدران، والتدنيس، وإشعال الحرائق العنيفة، والتفجيرات، وإرسال طرود مشبوهة» كما أكد أن تلك الاعتداءات دائمًا ما تكون مصاحبة لتحريض إعلامي وأدبي واسع الانتشار في تلك العواصم وكذلك التهديدات البريدية والإلكترونية بزرع القنابل أحيانًا، ودافعة إلى إقرار تمييز تشريعي وتقييدات إدارية ضد المساجد في تلك البلدان
في الختام، أكد المرصد على ضرورة تحمل المسؤولية الأدبية والتوقف التام عن اتهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب والعنف، ووضع المفاهيم والمصطلحات في سياقها القانوني والتشريعي والأدبي والسياسي، بما يتناسب مع الرغبة في القضاء على كافة أنواع التمييز والعنف ضد البشر أيًّا كانت ديانتهم أو عرقهم، والعمل على إيجاد تشريع دولي ملزم للدفاع عن دور العبادة لكافة الأديان.
ويرى على مقلد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أن الدراسة تدق ناقوس الخطر وتكشف أن الإرهاب بات مهددا للمسلمين ولمقدساتهم بشكل مباشر وغير مباشر، وأن استهداف مقدسات الآخرين جعل متطرفي الجانب الآخر يستهدفون مساجدنا ومقدساتنا، وقد يقود التطرف الأعمى من الجانبين إلى حرب دينية قد تدمر العالم بمعني الكلمة، وتعيد أزمنة غابرة من الحروب الدينية.


 
زيف شعاراتهم بحماية الإسلام
ويوضح مقلد أن الدراسة لها شقان وكل شق فيها له خطورته التي لا ينبغي السكوت عليها، وعلى العالم الإسلامي بعلمائه ومثقفيه وقواه الناعمة مواجهة تلك الخطورة بقوة وبلا تهاون أو تخاذل، الشق الأول هو استهداف الجماعات الإرهابية للمساجد وهذا يكشف عن زيف شعاراتهم بحماية الإسلام، وقد يتعجب البعض كيف لهذه الجماعات المارقة أن تستهدف المساجد، والرد بسيط جدا لمن يعرف طرق تفكير هذه الجماعات وكيف يقنعون عناصرهم بارتكاب مثل هذه الجرائم، فهم يزعمون أن مساجد المخالفين لهم في الرأي هي مساجد ضرار وتستحق الهدم، لذلك يهدمون المساجد وكأنها مجرد حوائط أو مبانٍ عادية، ويقتلون المصلين بدم بارد، وتاريخ هذه الجماعات المارقة معروف منذ القدم فقد اقتحموا من قبل الكعبة قدس أقداس المسلمين ورجموها بالمنجنيق وآخرون قتلوا الحجيج في البيت وسرقوا الحجر الأسود، هؤلاء الخوارج موجودون في كل عصر وكل زمان، كل ما يهمهم هو فرض رأيهم ورفع رايتهم وليس راية الإسلام، وبالطبع هدفهم الأسمى السلطة.
ويضيف مقلد أن الشق الثاني من الدراسة لا يقل خطورة عن الأول لأن كل فعل له رد فعل، ومتطرفو الجانب الآخر لا يقلون همجية ودموية عن متطرفينا، وعلينا رص الصفوف لمواجهة هؤلاء وأولئك وتجفيف المنابع وإزالة البيئات الحاضنة للتطرف حماية لديننا ولأنفسنا ولمستقبلنا.
وعلى صعيد متصل، أكد الدكتور ناجح إبراهيم، المفكر الإسلامي، والقيادي السابق بالجماعة الإسلامية، أن ذلك الحادث يعد الأول من نوعه وهو اقتباس سيئ لما بدأه أبو مصعب الزرقاوي، وتنظيم داعش الإرهابي في العراق باستهداف المساجد، وهو أخطر أنواع الإرهاب ونجاح الدولة في تأمين الكنائس جعل دائرة التفكير لدى الجماعات الإرهابية تتجه إلى تنفيذ ذلك المخطط الخبيث باستهداف مسجد الروضة والمصلين، مستغلين كره داعش للطرق الصوفية كون أهالي قرية الروضة يميلون إلى الطريقة الجريرية، إحدى الطرق الصوفية والمنتشرة في شمال سيناء، والإسماعيلية.
واعتبر القيادي السابق بالجماعة الإسلامية أن هناك خلافا بين داعش والقاعدة في الأساس، بسبب استهداف المساجد، فالأول يبيح استهداف المساجد، بينما الأخير يرفضها، مؤكدًا أن الأسباب الرئيسية للاستهداف تتبلور في محاولة تلك الجماعات لتغيير التكتيك من استهداف قوات الأمن والجيش، إلى المدنيين أثناء الصلاة، في محاولة لإرهاق وتشتيت قوات الأمن ما بين تأمين الكنائس، وتأمين المساجد، والأضرحة.
وحذر ناجح من استهداف أضرحة للصوفية خصوصا أن أنصار الفكر التكفيري لداعش لن يجدوا أي عقبة فقهية، وشرعية في تبرير استهداف المساجد والأضرحة، من أجل زعزعة استقرار الوطن بعد استئصال الدولة لعناصر كثيرة من أفراد الجماعات الإرهابية في سيناء.