تركيا وليبيا... أوهام إعادة الاستعمار العثماني

أكد إردوغان على حق بلاده التدخل في ليبيا كجزء من «إرث أجداده»
* السلوك التركي مثل تجاوزاً لأزمة ليبيا المنقسمة سياسياً وتوظيفاً لحالتها المضطربة، مما أربك كافة الأطراف المعنية 
* لم تعد أنقرة تستمر في سياساتها القائمة على دعم الميليشيات الراديكالية أو في دعم حكومة الوفاق سياسياً وعسكرياً فحسب، وإنما باتت تستغل الحالة الليبية لتعزيز مواقعها في مجابهة منافسيها الإقليميين والدوليين
* استفزت تصريحات الرئيس التركي الليبيين الذين اعتبروها تعدياً على سيادة بلادهم وتدخلا في شؤونها، وتوجهات استعمارية معلنة لتركيا عبر أدواتها في ليبيا، متمثلة في جماعة الإخوان المسلمين
* يستند الموقف التركي ويعمل على دعم عناصر جماعة الإخوان المسلمين، في آن واحد، فقد ساندت الجماعة الغزو التركي للأراضي السورية كما طالبت في عدة مناسبات بالتدخل التركي في ليبيا
* تعني سيطرة الجيش الوطني الليبي على عاصمة البلاد نهاية سريعة لـ«اتفاق الهيمنة» التركي على ليبيا

أنقرة: تتحرك تركيا في ساحات وميادين الجوار العربي، استغلالا لحالة الفراغ الأمني وسعياً لتحقيق مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية، وذلك في مواجهة كافة الأطراف الإقليمية الأخرى التي تتبنى مقاربات مغايرة تقوم على سياسات دعم الاستقرار لا استغلال الجوار ومواجهة الإرهاب لا مساندته وتسليحه واستضافة عناصره وكوادر تنظيماته. النهج التركي لم يتغير، إذ أعلنت تركيا في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توقيع مذكرتي تفاهم مع فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق الوطني» الليبية، تعلقت إحداها بالتعاون الأمني والأخرى ارتبطت بتحديد مناطق النفوذ البحرية، جاء ذلك خلال لقاء جمع فايز السراج ورجب طيب أردغان في إسطنبول، جدد خلاله الرئيس التركي استمرار دعم بلاده لحكومة الوفاق.
السلوك التركي مثل تجاوزاً لأزمة ليبيا المنقسمة سياسياً وتوظيفاً لحالتها المضطربة، بما أربك كافة الأطراف المعنية، ذلك أن أنقرة لم تعد تستمر وحسب في سياساتها القائمة على دعم الميليشيات الراديكالية أو في دعم حكومة الوفاق سياسيا وعسكريا عبر شحنات السلاح التركية، التي تحولت مساراتها من السر إلى العلن، وإنما باتت أيضاً تستغل الحالة الليبية من أجل تعزيز مواقعها في مجابهة منافسيها الإقليميين والدوليين، بما يعني أن القيادة التركية لا تزال تصر على تحويل الصراع في ليبيا إلى حرب بالوكالة بين قوى خارجية، وهو سلوك شجع أطرافا إقليمية كثيرة على اتباع تحركات نشطة حيال ليبيا، حيث الدعم الروسي للجيش الوطني الليبي، واستعداد ألمانيا لاستضافة مؤتمر حول ليبيا يهدف إلى الجمع بين القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع أملا في تسهيل التوصل لوقف إطلاق النار.

إردوغان و«أوهام الخلافة»
أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في خطاب له في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على حق بلاده في التدخل بالشأن الليبي، معللاً ذلك بحسبان ليبيا «إرث أجداده» وجغرافيتها جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، حسب تعبيره. أوضح ذلك بجلاء طبيعة المخططات التركية ونوايا وأطماع القيادة التركية في المنطقة العربية، والتي بدت ملامحها واضحة سابقا في سوريا والعراق، وحاليا في ليبيا. ففي خطاب إردوغان أمام منتدى «TRT World» والذي عقد في إسطنبول قال إردوغان: «الأتراك يتواجدون في ليبيا وسوريا، من أجل حقهم، وحق إخوانهم في المستقبل» ثم أردف قائلا: «الأتراك يتواجدون في جغرافيتهم احتراما لإرث الأجداد، فهم من نسل يونس أمره» في إشارة إلى القاضي العثماني الشهير. وأضاف إردوغان «تركيا وريث الإمبراطورية العثمانية»، مشيرا إلى سعيه لإحياء ما وصفه بالمجد القديم للأتراك.
استفزت تصريحات الرئيس التركي الليبيين الذين اعتبروها تعديا على سيادة بلادهم وتدخلا في شؤونها، وتوجهات استعمارية معلنة لتركيا عبر أدواتها في ليبيا، متمثلة في جماعة الإخوان المسلمين. وقد استدعت تصريحات إردوغان تنديدا شديدا من قبل الكثير من الجهات الليبية، حيث وجّهت مجموعة «أبناء ليبيا» المكونة من أكاديميين ودبلوماسيين سابقين شكوى للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ضد إردوغان، عبر رسالة سلموها للمبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة، تندد بالأحقية المزعومة لرئيس تركيا بالتواجد في بلادهم.
وفي المقابل، لم تعلق حكومة الوفاق على تصريحات إردوغان، وهو موقف أعاد تأكيد ما أوضحته مواقف حكومة الوفاق حينما رفضت خفض التمثيل الدبلوماسي ووقف التعاون مع تركيا في أعقاب إصدار الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب بيانًا طالب الدول العربية بعدم التعاون مع الحكومة التركية وخفض التمثيل الدبلوماسي لديها بعد عدوانها على الأراضي السورية.
في مقابل ذلك، استنكر مجلس النواب الليبي ما ورد في كلمة الرئيس التركي خلال افتتاح منتدى (TRT) بمدينة إسطنبول حول حق تدخل بلاده في الشأن الليبي، واعتبر المجلس في بيان له، أن إردوغان يسعى بهذه المغالطة التاريخية إلى «تبرير دعمه للجماعات الإرهابية والميليشيات والعصابات المسلحة المسيطرة على العاصمة طرابلس، مستبيحة دماء الليبيين وأعراضهم وأموالهم». وقال المجلس: «لقد نسي الرئيس التركي أن إرث أجداده في ليبيا إرث بغيض من القهر والتعسف والظُلم، انتهى بترك الليبيين لمصيرهم في معاهدة (أوشي لوزان) عام 1912. والتي بموجبها سلمت تركيا ليبيا إلى إيطاليا الفاشية، لتدخل بذلك ليبيا مرحلة أخرى من مراحل الاستعمار البغيض».
وبعدما شدد على أن ليبيا دولة ذات سيادة وتمتلك القدرة في الدفاع عن نفسها في مواجهة «أوهام الحالمين بإعادة استعمارها»، أشار مجلس النواب الليبي إلى «ضرورة احترام العلاقة بين الشعبين الليبي والتركي، وتنميتها وتطويرها، بدلاً من هذه التصريحات الاستعمارية، والتدخل في الشأن الداخلي الليبي، ودعم الإرهابيين والمتطرفين والخارجين عن القانون».


 
تركيا.. تفاقم أزمة ليبيا
أعلنت تركيا منذ اندلاع المعارك في العاصمة الليبية، طرابلس، مطلع أبريل (نيسان) الماضي، عن دعمها للميليشيات المسلحة وإمدادها بمعدات عسكرية، وذلك بهدف منع سقوط جماعة الإخوان. وتعمد إلى اتباع سياسات من شأنها التأثير سلبا على ملفات الصراع في ليبيا من أجل إطالة أمد الأزمة وتوظيفها في إطار صراعات تركيا المركبة مع الكثير من الأطراف. وفي هذا السياق أعلن الرئيس التركي إردوغان عن استعداد تركيا لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا في حال طلبت حكومة الوفاق ذلك. وقال إردوغان في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2019: «إذا أرادت ليبيا ذلك، فإن تركيا ستتخذ قرارا بشكل مستقل. ونحن لن نطلب إذنا من أحد بهذا الشأن». وأضاف أنه: «يرغب في إجراء مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل لقائهما المزمع عقده بإسطنبول الشهر المقبل. وأعرب عن أمله بأن يعيد بوتين نظره بشأن القائد خليفة حفتر، حسب قوله، محذرا من أن ليبيا قد تتحول إلى سوريا أخرى إن لم يحدث ذلك.
يستند الموقف التركي ويعمل على دعم عناصر جماعة الإخوان المسلمين، في آن واحد، فقد ساندت الجماعة الغزو التركي للأراضي السورية كما طالبت في عدة مناسبات بالتدخل التركي في ليبيا، ففي يوليو (تموز) 2018، طالب أعضاء الجماعة - المصنفة إرهابيا حسب قوانين الكثير من الدول العربية - داخل المؤتمر الليبي المنتهية ولايته، بتدخل تركيا ضد الجيش الوطني الليبي.
وقبل ذلك، تحدث رئيس حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان في ليبيا، محمد صوان، عن إمكانية الاستعانة بتدخل أجنبي في منطقة «الهلال النفطي»، على خلفية قيام الجيش الليبي بتحريرها من قبضة الميليشيات الإرهابية. ودعا صوان المجلس الرئاسي لطلب المساعدة في مواجهة الجيش الليبي. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، دعا عبد العزيز العرادي القيادي في الجماعة، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بمغادرة نيويورك والتوجه إلى أنقرة وتوقيع اتفاقية دفاع مع الحكومة التركية.


 
دعم وكلاء تركيا المحليين
سعت تركيا إلى توسيع مجالات نفوذها على الأراضي الليبية، سيما في الجانب الغربي منها. ومن ثم، دعمت هذا النفوذ بالتعاون مع جماعة الإخوان، وعناصر الجماعة الليبية المقاتلة، فآوت أمراء الحرب الفارين من المعارك، وعالجتهم في مشافيها، وجعلت من أراضيها نقطة انطلاق لفضائيات «التكفير والتحريض»، حسب تعبير بعض الاتجاهات الرائجة.
ومع اندلاع الاقتتال في طرابلس، زادت من تحديها فدعمت بالسلاح الميليشيات، في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن الدولي، وقد أدان مجلس النواب ما وصفه بـ«التدخل السافر»، وطالب بعقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية. وعلى مدار الأشهر الماضية، انكشف حجم التدخلات التركية في لبيبا، إذ تم ضبط شحنات أسلحة تركية محملة على متن سفن، كان آخرها السفينة التي تحمل اسم «أمازون»، والتي خرجت من ميناء سامسون في التاسع من مايو (أيار) الماضي، محملة بآليات عسكرية وأسلحة متنوعة، قبل أن تصل إلى ميناء طرابلس.
وكثف السفير التركي لدى ليبيا سرهات أكسين، زياراته المتعددة إلى منزل عبد الرحمن السويحلي، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة. ما دفع سعيد إمغيب، رئيس مجلس النواب الليبي، لوصف ذلك بمحاولات تركية «للعب على وتر تنظيم الإخوان». وتابع إمغيب، أن الرئيس التركي إردوغان «لم يجد وسيلة لتحقيق حلمه إلا عن طريق هذا التنظيم الإرهابي، الذي تحكّم في مفاصل الدولة بعد ثورة 17 فبراير (شباط)، واستعان بتركيا منذ الأيام الأولى للثورة عن طريق التواصل عبر بعض سكان مدينة مصراتة من أصول تركية».
ودفعت تركيا بعناصرها لقيادة المعارك في طرابلس، ففي أبريل الماضي، تمكنت قوات الجيش الوطني الليبي من إلقاء القبض على مقاتلين اثنين يقاتلان في صفوف الميليشيات في معارك طرابلس. ونشرت بعض وسائل الإعلام جوازات سفر كانت بحوزتهما أثناء إلقاء القبض عليهما. ومطلع يونيو (حزيران) الماضي، نشرت «شعبة الإعلام الحربي» التابعة للجيش الوطني الليبي، على حسابها في موقع «فيسبوك»، شريطًا مصورًا يظهر ضابطًا تركيا يدرب المسلحين على قيادة مدرعات تركية، مشيرة إلى أنّ الفيديو عثر عليه في هاتف أحد المقبوض عليهم.
الأخطر من ذلك، تمثل في تحويل ليبيا إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية وخاصة تنظيم داعش. وقد أكد اللواء أحمد المسماري، في أكتوبر الماضي أنّ أعدادًا كبيرة من الإرهابيين أطلق سراحهم من السجون وباتوا في أيدي الأتراك، محذرًا من أنّ الرئيس التركي، قد يعمل على إرسال الإرهابيين الموجودين في سوريا إلى ليبيا عبر موانئ ومطارات طرابلس ومصراتة وزوارة.
وأضاف المسماري أن تركيا سبق لها نقل إرهابيين لدعم الميليشيات المرتبطة بغرف العمليات التركية، وأنها لن تتردد في التخلص من إرهابيي «داعش» بعد إخراجهم من سجون قوات سوريا الديمقراطية عبر إرسالهم إلى الغرب الليبي لمساندة حلفائها في محاور القتال، سيما في ظل وجود عائلات إرهابية ليبية تسكن في تركيا ستساهم في نقل الإرهابيين من سوريا إلى الغرب الليبي، وأبرزها عائلة علي الصلابي، عضو التنظيم الدولي لـ«الإخوان».
وكشفت تقارير ليبية وعربية، خلال الأشهر القليلة الماضية؛ أنّ السلطات التركية كثفت من عمليات تجميع العناصر الإرهابية الفارة من المعارك في سوريا، خاصة أفراد تنظيمي «جبهة النصرة» و«داعش»؛ حيث شرعت في نقلهم جوًا إلى الأراضي الليبية لدعم الميليشيات المسلحة المنتشرة في العاصمة طرابلس. وتحدثت لجنة الدفاع والأمن القومي في يوليو الماضي عن وصول إرهابيين من مدينة إدلب السورية للقتال إلى جانب ميليشيات طرابلس متهمة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بنقل مقاتلين أجانب من سوريا إلى ليبيا وفقا لبيان صادر عن اللجنة.
وفي يوليو الماضي، عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر صحافي في روما بعد أن أجرى محادثات مع رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي، عن قلقه من تدفق المتشددين على ليبيا من محافظة إدلب السورية، وحذر من أن الوضع في ليبيا يتدهور. وتابع بوتين أن موسكو تأمل في أن توافق الأطراف المتحاربة في ليبيا على وقف إطلاق النار، وإجراء محادثات والدخول في عملية سياسية لحل مشكلات البلاد.
كما كشفت مصادر إعلامية في يوليو الماضي، عن «دليل جديد على تورط تركيا في ليبيا»، مشيرة إلى أن نقل المقاتلين المتطرفين من إدلب السورية إلى ليبيا يتم عبر الأراضي التركية وبواسطة طائرات «شركة الأجنحة» الليبية المملوكة من قبل عبد الحكيم بلحاج، المقيم في إسطنبول.
وتحتضن تركيا وقطر الكثير من قيادات الجماعات المتطرفة في ليبيا الذين يرتبطون معها بعلاقات كبيرة، وأبرز المطلوبين من قبل القضاء الليبي بتهم التورط في جرائم عنف وإرهاب والإضرار بالأمن القومي الداخلي، مثل القيادي السابق في تنظيم القاعدة عبد الحكيم بلحاج، كما تؤوي عددا من قيادات الصف الأول لجماعة الإخوان الذين كانت لهم أدوار رئيسية في قيادة الحرب على ليبيا منذ العام 2011. على غرار علي الصلابي، إلى جانب عناصر من مجلس شورى بنغازي المصنف تنظيما إرهابيا.


 
ليبيا... مصالح تركيا الاقتصادية
كانت ليبيا إبان عهد القذافي، سوقا مهمة لقطاع الإنشاءات التركي. فقد ضخت أنقرة أموالاً في المؤسسات الليبية للاستثمار قبل توقفها عقب سقوط القذافي. ومع اتساع قبضة الجيش الوطني الليبي على مزيد من الأراضي، فضلاً عن منطقة الهلال النفطي وحقول النفط في الجنوب، بدلت أنقرة مواقفها وقناعاتها، وهو ما دفعها للتعويل على التيارات المتشددة والمجموعات المسلحة على أمل أن يكون لها دور في دولة غنية بالنفط وبمخزونات الغاز وتتاخم طرقا تجارية هامة في البحر المتوسط.
وتعد التجارة أحد أهم الأسباب وراء تدخل أنقرة في ليبيا، كما يقول أويتون أورهان من مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الوسط. فـ«منذ حقبة القذافي كان الكثير من الشركات التركية يعمل في ليبيا. لكن بعد الحرب الأهلية فقدت ليبيا الكثير من أهميتها الاقتصادية وبالتالي تراجع الاهتمام بالاستثمار». وتحتل ليبيا المرتبة الرابعة عربيًا في احتياطي الذهب، بينما تُقدر ثروتها الاحتياطية من النفط بـ48 مليار برميل.
وتعمد تركيا إلى جعل السلاح التركي أحد محركات تواجدها المكثف أيضا على الساحة الليبية ذلك أن الحكومة الليبية أحد أهم زبائن السلاح التركي، الذي يتم تجريبه على الساحة الليبية من أجل تطويره وتسويقه ليس في ليبيا وحدها، وإنما أيضا في ساحات الكثير من البلدان الأفريقية الأخرى. فبعد سقوط البشير، عززت أنقرة تحركاتها نحو ليبيا التي تعتبر فضاء جيوسياسيا مهما ومدخلا مهما إلى القارة الأفريقية. وأقرت حكومة الوفاق بتلقيها دعما عسكريا تركيا سخيا منها طائرات مسيرة، ضمن ما قالت إنها اتفاقيات تعاون عسكري مع أنقرة.


وتحولت الأراضي الليبية إلى مسرح لتجريب تركيا لطائراتها المسيرة على غرار طائرات مقاتلة جديدة من نوع «بيرقدار-تي-بي2»، وذلك رغم استمرار الحظر على توريد السلاح إلى ليبيا الذي فرضه مجلس الأمن منذ 2011. وقد أوقفت اليونان في يناير (كانون الثاني) 2018، سفينة متجهة إلى ليبيا من تركيا تحمل مواد متفجرة. وفي يناير الماضي، اتهم البرلمان، الذي يتخذ من مدينة طبرق (شرق البلاد) مقرًا له، أنقرة بدعم الإرهابيين الذين قتلوا 40 شخصًا بالقرب من مسجد في مدينة بنغازي.
وعلى الرغم من القرار الدولي 1970 الصادر عن مجلس الأمن خلال مارس (آذار) 2011، الذي طالب جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بمنع بيع أو توريد الأسلحة ومتعلقاتها إلى ليبيا، بجانب القرار 2420 - الذي يسمح للدول الأعضاء بتفتيش السفن المتجهة إلى ليبيا أو القادمة منها بهدف التصدي لدخول السلاح إلى ليبيا - كان الواقع على الأرض أمرًا مختلفًا تمامًا، إذ لم يتوقف السلاح التركي عن التدفق إلى غرب ليبيا.
على جانب آخر، فإن الصراع على آبار الغاز في شرق المتوسط بات يدفع الحكومة التركية إلى توظيف الحالة الليبية في إطار صراعها متعدد المستويات مع أغلب الأطراف المعنية بهذا الملف. لذلك فبعد مرور أقل من 10 أيام على توقيع الاتفاقيتين مع ليبيا، سارعت الحكومة التركية إلى التصديق عليهما. ونشرت الجريدة الرسمية، تصديق الرئيس رجب إردوغان بشأن «حدود الصلاحية البحرية في المتوسط»، ما يعني دخولها رسميا حيز التنفيذ. وبحسب الاتفاق فإن تركيا والحكومة الليبية قررتا العمل على تحديد المجالات البحرية في البحر المتوسط.
وكانت مصر قد أعادت ترسيم الحدود البحرية بينها وبين قبرص في منطقة شرق المتوسط بعد ظهور اكتشافات جديدة للغاز في منطقة المياه الاقتصادية بين مصر وقبرص، وهو أمر أثار انزعاج تركيا.


 
توظيف ليبيا في صراعات تركيا الإقليمية
أفضى توظيف تركيا لحكومة الوفاق في إطار صراعات تركية متعددة الجبهات إلى أن تصاعدت المعارضة الدولية لحكومة الوفاق وباتت العزلة الإقليمية والدولية من حولها أحد ارتدادات سياساتها بسبب التزامها الحركة في المدار التركي، فمن جهتها، قامت اليونان بطرد السفير الليبي ردًا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية مع حكومة الوفاق، كما طالبت بتدخل مجلس الأمن الدولي والمحكمة الدولية. وأعلن رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميكوتاكيس، أن بلاده ستطلب الدعم من حلف الناتو ضد مذكرة الاتفاق الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية في طرابلس لترسيم الحدود البحرية.
وقد أعلنت اليونان، أنها أحالت إلى الأمم المتحدة اعتراضاتها بشأن الاتفاق البحري بين تركيا وحكومة فايز السراج، الذي أثار انتقادات دولية واسعة. وأكد المتحدث باسم الحكومة اليونانية أنها تريد إطار عمل يتعلق بعقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا وليبيا. وشدد على أن الاتفاق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس حكومة طرابلس الليبية، فايز السراج، باطل وجرى التفاوض عليه «بسوء نية». وتابع: «الاتفاق بين إردوغان والسراج يهدد الاستقرار الإقليمي». وقال إن أثينا تريد من الأمم المتحدة إدانة الاتفاق.
وقد عارض الرئيس التركي قرار اليونان، وقال: «لدينا حقوق هناك كدولة ضامنة. سوف نستخدم حقوقنا بناء على القانون الدولي حتى النهاية». وأوضح أن تركيا تواصل أنشطة التنقيب عن الغاز قبالة قبرص باستخدام سفينتي حفر وأخريين للبحث والتنقيب عن الغاز. وأكد إردوغان أن تركيا تواصل موقفها الحازم بشأن الاتفاق مع ليبيا، قائلا: «سيتم إنشاء خط حدود بحري بين تركيا وليبيا... ولتركيا في هذا الخط ومحيطه وفي المنطقة الاقتصادية الخالصة، حقوق بصفتها دولة ضامنة»، مشددًا على أن تركيا لم تشترِ سفن التنقيب والمسح السيزمي عبثًا، وأكد أن سفن التنقيب والمسح التركية تواصل أعمالها في البحر المتوسط رفقة السفن الحربية، وفي بعض الأحيان رفقة المقاتلات والمروحيات.
على جانب آخر، وجه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح خطابا لأمانة جامعة الدول العربية طالب فيه بسحب اعتماد حكومة الوفاق، ومقرها طرابلس، وذلك بعد توقيع رئيسها فائز السراج مذكرة تفاهم مع تركيا بشأن التعاون العسكري وترسيم الحدود البحرية. وطالب صالح الأمين العام للجامعة «بعرض الأمر على مجلس الجامعة لكي يصدر قرارا بسحب اعتماده لحكومة الوفاق واعتماد الجسم الشرعي الوحيد، وهو مجلس النواب وما ينبثق عنه، وعدم الاعتراف بمذكرة التفاهم المذكورة واعتبارها كأن لم تكن».
وقد أشارت تقارير إلى اندلاع اشتباكات مسلحة، في محيط مقر المجلس الرئاسي بطرابلس الذي كان يشهد اجتماعا دوريا للمجلس الرئاسي، بحضور السراج وعدد من وزراء حكومة الوفاق. وكشفت مصادر ميدانية أن حالة من الغضب تسود طرابلس بعد الاتفاق الأخير بين حكومة الوفاق وتركيا والذي يسمح لأنقرة ببناء قواعد عسكرية وجلب الجنود، وهو ما أثار غضبا إقليميا ودوليا زاد من عزلة طرابلس في محيطها العربي، في وقت باتت فيه حكومة الوفاق تبحث عن تنفيذ أجندات خارجية لا مصلحة لليبيين بها.


وتشير بعض الاتجاهات إلى أن ثمة مشاورات واتصالات تجري على مستوى الدول العربية، لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، لبحث تداعيات تلك الاتفاقية على الأمن القومي العربي، ولوضع آليات عملية لسحب الاعتراف العربي من المجلس الرئاسي الليبي برئاسة فائز السراج. وكشفت أن تلك الاتصالات انطلقت على مستوى عدد من العواصم العربية، منها القاهرة، والرياض، والخرطوم، تتقدم بسرعة وسط إجماع على خطورة تلك الاتفاقية التي كانت محور اللقاء اللافت الذي جمع في وقت سابق بين العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، ورئيس البرلمان الليبي، المستشار عقيلة صالح، لبلورة موقف عربي موحد برفض تلك الاتفاقية، وبسحب الاعتراف العربي بحكومة السراج، على أن يتم الاستناد عليه للتوجه بعد ذلك إلى الاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لمطالبتهما بموقف مماثل، يكون قاعدة لتحرك قادم على الصعيد الدولي ينتهي بتجريد السراج من أي صفة تمكنه من الحديث باسم ليبيا.
وفي رسالة ذات معزى ودلالة، نفذت القوات البحرية المصرية عددا من الأنشطة القتالية في البحر المتوسط،، تهدف إلى السيطرة البحرية على المناطق الاقتصادية، في ظل التوتر مع تركيا حول قضية التنقيب عن الغاز شرقي المتوسط. ونشرت صفحة المتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة المصرية، تامر الرفاعي، مقطع فيديو أظهر الأنشطة التي أجرتها القوات البحرية المصرية في المتوسط. وشهدت هذه الأنشطة مشاركة وحدات قتالية بحرية متنوعة، كان منها حاملة مروحيات ومجموعتها القتالية، كما قامت إحدى الغواصات بإطلاق صاروخ مضاد للسفن من طراز «هاربر» يصل مداه إلى أكثر من 130 كم.
جديرٌ بالذكر أن الخارجية المصرية قد ذكرت في وقتٍ سابق، أن وزيري الخارجية المصري سامح شكري والفرنسي جان إيف لودريان، اتفقا على عدم مشروعية توقيع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج، مذكرتي التفاهم مع تركيا. هذا فيما صرح المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة بأن المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني الليبي» يقترب من إحكام القبضة على طرابلس، وذلك بفضل الدعم الروسي له.
وتعني سيطرة الجيش الوطني الليبي على عاصمة البلاد نهاية سريعة لـ«اتفاق الهيمنة» التركي على ليبيا، والذي لم يوافق عليه البرلمان الليبي وحتى بعض القيادات المحسوبة على حركة الوفاق. ويوضح ذلك أن سياسات تركيا باتت تجعلها ليس محض طرف يخوض حرب الوكالة على الساحة الليبية، وإنما دولة مشاركة في صناعة الحرب والأزمات التي تعاني منها ليبيا، وهذه الحرب قد تزداد تصعيدا، وهو أمر يبدو بالنسبة لتركيا مرغوبا فيه، من أجل الاستغلال الاقتصادي والتوظيف الأمني والعسكري لليبيا.