الميليشيات الإيرانية والسيادة اللبنانية

* اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، على قيادة «حزب الله» الاختيار: هل يريدون أن يكونوا جزءًا من لبنان الدولة ذات السيادة، أم يريدون أن يظلوا بندقية مأجورة تحركها المصالح الإيرانية ولو كان الثمن لبنان وشعبه

مستغرب هو استغراب البعض من تصريح مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني، مرتضى قرباني، الذي قال إنه في حال «ارتكبت إسرائيل أصغر خطأ تجاه إيران سنسوي تل أبيب بالتراب، انطلاقًا من لبنان نفسه». 
هي ليست المرة الأولى التي تهدد فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية إسرائيل، مستخدمة سيادة دول أخرى، إيران أساسًا لا تعترف بهذه الدول، وإن أظهرت «التقية» أحيانا؛ فقبل عامين ونيف، صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني في مقابلة متلفزة بأن لا قرار يتخذ في لبنان دون إيران، لا بل وسأل: «أين من الممكن، في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج، اتخاذ قرار حاسم من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار؟».
قائد قوة القدس في حرس الثورة الإيرانية الجنرال قاسم سليماني سبق وأعلن أيضًا أنه شارك شخصيًا بحرب يوليو (تموز) 2006. وكأنه من الطبيعي أن يأتي إلى لبنان متخفيًا ويحمل السلاح ويُقاتل، دون أي علم للسلطات اللبنانية. وإن هو أعلن أنه أتى ليقاتل إسرائيل، فكيف لنا أن نعلم إن كان هو أو أي جنرال إيراني آخر لم يشاركوا في غزوة 7 أيار 2008 وحملوا السلاح بوجه اللبنانيين إلى جانب «حزب الله»؟
الأمثلة أكثر من أن تُعد عن الانتهاكات الإيرانية للسيادة اللبنانية، وهل من انتهاك أكبر من أن تملك دولة ميليشيات مسلحة تأتمر بأوامرها، في دولة أخرى ذات سيادة، فمن لا يذكر تصريح أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في العام 2009 حين قال: «أنا أفتخر أن أكون جنديًا في حزب ولاية الفقيه، وولاية الفقيه أن نأتي ونقول قيادتنا وإرادتنا وولاية أمرنا وقرار حربنا وقرار سلمنا هو بيد الولي الفقيه».
ردود السلطة في لبنان تكاد تكون معدومة، إذا ما استثنينا رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وشخصيات كانت في السابق من ضمن تكتل قوى الرابع عشر من آذار. فنادرًا ما نسمع ردًا من رئيس الجمهورية ميشال عون المؤتمن على سيادة لبنان أو من فريقه السياسي، فحتى رد وزير الدفاع المحسوب على عون، إلياس بوصعب، على قرباني جاء خجولاً وباهتًا ومشككًا بالتصريح المنشور على وكالات إيرانية رسمية، وهو رد تجاهل القرار الدولي 1701. كما تتجاهل جميع تصريحاتهم أن لبنان الرسمي أعلن التزامه وتأييده للمبادرة العربية للسلام التي أطلقها الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت العربية عام 2002.
قد يقول قائل وما نفع الردود؟ ولكنها في الحقيقة أضعف الإيمان، الإيمان ببلد دفع أبناؤه دمًا للحفاظ عليه وعلى نهائيته كوطن لجميع أبنائه، وللتذكير فإن عدم القدرة حاليًا على وقف التعديات الإيرانية ليس قبولا بها بأي شكل.
قد يبدو المشهد في لبنان الأقل دموية إذا ما قورن بالمشهد في سوريا والعراق، ولكنه وبكل تأكيد الأكثر تعقيدًا، فحزب الله (الميليشيات الإيرانية) تملك ترسانة من الأسلحة تفوق تلك التي يمتلكها الجيش النظامي، ولديه تمويل مباشر من دولة أجنبية هي إيران، عدا عن الأموال التي يحصل عليها من تجارة المخدرات وتبيض الأموال كما أثبتت التحقيقات الأميركية المتكررة. ميليشيات استطاعت التغلغل والتوغل في كل مؤسسات الدولة اللبنانية، حتى بات أي علاج لها يتطلب إجماعًا إقليميًا ودوليًا.
هناك نماذج عن «حزب الله» في سوريا، يجب وأدها في مهدها قبل أن نصبح أمام معضلة جديدة وأمر واقع جديد علينا التعايش معه لسنين طويلة، والتخلي عن السيادة حتى بعد التوصل إلى حل سياسي يلبي طموحات السوريين بالحرية والعدالة ودولة المواطنة.
إن تشكيل جيش رديف للجيش النظامي، ولاؤه وتمويله وتبعيته لدولة أخرى، إن كان اسمه جيش لبنان الجنوبي أو «حزب الله» أو الحشد الشعبي، أو ميليشيات الدفاع الوطني، فهذه هي العمالة والخيانة بعينها، بعيدًا عن تهويل «حزب الله» وتهديده وتخوينه لكل من يخالفه الرأي أو يتجرأ لينتقد سلاحه.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، على قيادة «حزب الله» الاختيار: هل يريدون أن يكونوا جزءًا من لبنان الدولة ذات السيادة، أم إنهم يريدون أن يبقوا بندقية مأجورة تحركها المصالح الإيرانية ولو كان الثمن أمن لبنان وأمانه وأمان الشعب اللبناني، بما فيه جمهور الحزب نفسه.