أنيسة بومدين: خيوط «حرب أكتوبر» نسجت في بيتنا بالجزائر لتنهي حداد نكسة الشعب العربي

أرملة الزعيم الجزائري هواري بومدين لـ«المجلة»: شرف زوجي «خط أحمر» ولن أسكت عمن يحاول تلطيخ سمعته وشرفه

* قصة حبي لهواري بومدين كانت خفية عن المخابرات الجزائرية... وقدمني لأهله قائلا: «هذه سكرتيرتي الخاصة وستعيش معي إلى الأبد»... وتزوجنا بالتزامن مع قمة عدمالانحياز في الجزائر

* أعيش على تقاعد زوجي في شقة للإيجار... ولو لم أكن زوجة لبومدين لتمنيت أن أضحي بحياتي من أجله

* كل رؤساء الجزائر يحبون بومدين ويحترمونه ومنهم الرئيس بوتفليقةالذي عينه زوجي وزيرا للخارجية وعمره لا يتعدى 25 سنة وكان زوجي شابا يشجع القيادات الشبابية

* بومدين هو البطل الشرعي للثورة ضمن رفاقه وكان يقول إنه لن يفرح بيوم الاستقلال لأنهكان يعتقد أن الاستقلال الحقيقي لم يتحقق بعد

* الجزائر أول بلد في القارة الأفريقية تمكن من تأميم المحروقات بشجاعة بومدين... فتبعه الآخرون

* بالنسبة لبومدين يتلخص الاستقلال في الاستقلال الاقتصادي.وليس بعودة الأرض والتغني بالنشيد الوطني ورفع العلم* أنيسة بومدين مؤرخة وأديبة وشاعرة وكانت وكيلة نيابة وقاضية ومحامية؛ لها عدة مؤلفات ودراسات بالفرنسية في التاريخ والأدب العربي

 

 باريس: من منا لا يعرف الزعيم الجزائري الهواري بومدين؟

ذلك الرجل القوي والقائد الرشيد من الزمن الجميل. هو الأب الشرعي للجيش الجزائري؛ أرسى بنيان الدولة الجزائرية المعاصرة ورفع هامتها، يقاس بالزعماء: فيصل بن عبد العزيز وجمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة، فهو من الشخصيات الفذة المشتهر عنهم الشهامة والمروءة والمبادئ الوطنية والنضال والإيمان العميق بالقومية والوحدة العربية؛ فبقيت ذكراهم ترمز إلى العصر الذهبي وأيام العزة والكرامة، والكبرياء.. يعتبر من أبرز رجالات السياسة في الجزائر والوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وأحد رموز حركة عدم الانحياز. لعب دورا هاما على الساحة الأفريقية والعربية، وكان أول رئيس من العالم الثالث تحدث في الأمم المتحدة عن نظام دولي جديد. وله الفضل في إدخال اللغة العربية في الأمم المتحدة ضمن اللغات الخمس الرسمية..

جمعتني لقاءات وزارة الخارجية الفرنسية بأرملة الزعيم الجزائري التي تعتبر أجمل أسراره؛ الدكتورة أنيسة محمد المنصالي، فما زالت سيدة الجزائر الأولى خلال السبعينات امرأة رائعة الحسن والأناقة رغم العمر ومتاعب الحياة ؛ تتمتع بثقافة موسوعية راقية... فهي مؤرخة وأديبة وشاعرة وكانت وكيلة نيابة وقاضية ومحامية؛ لها عدة مؤلفات ودراسات بالفرنسية في التاريخ والأدب العربي. لكن ما لفت انتباهي وإعجابي معا؛ أنها ما زالت تعيش على ذكرى حبها للزعيم الجزائري؛ وكنت أعرف بأن الحب أملُ لكن يبدو أن أملها أبعد من الحياة؛ فهي تعيش على ذكرى حبه بعد 41 عامًا من وفاته وأخلصت له فرفضت الزواج بعده وقالت لي لو لم أكن زوجة لبومدين لضحيت بحياتي من أجله فهو أعظم وأشرف من حكم في تاريخ الجزائر.

وعلى الفور دار الحديث عن زوجها الراحل وما قدمه للجزائر وللأمة العربية والإسلامية، فكان هذا الحوار الشامل:

 

كنتِ سيدة الجزائر الأولى في عصرها الذهبي وعلى ما أظن كنتِ وكيلة نيابة؟

التحقت بكلية الحقوق بجامعة «السوربون» بباريس لنيل شهادة الليسانس في الحقوق وقمت بالخدمة المدنية في شؤون القضاء وكنت نائبة وكيل العاصمة في إطار المدنية وشغلت منصب نائب وكيل الجمهورية، لكن الرئيس بومدين أدخلني القضاء، فقد كان يريد أن تتولى النساء القضاء في الجزائر؛ كان يدافع عن حقوق المرأة، ويحب الارتقاء بالمناصب للنساء ولكن بترقيات محسوبة وليست بفوضوية. عملت كمحامية، فلما امتلأ المكتب بالموكلين تركت المحاماة وحينما تزوجت عدت إلى الجامعة كطالبة بسيطة لا تتمتع بأي فضل، ونلت شهادة الليسانس في الأدب العربي لكوني كنت أشعر بمركب نقص تجاه زوجي حيث كان يتقن اللغة العربية لدراسته في الأزهر الشريف، فلم نكن قد درسنا العربية في زمن الاستعمار الفرنسي.

 

كان الزعيم الجزائري ضليعا في اللغة العربية؟

نعم وبشدة... كان رحمه الله يعشق اللغة العربية ويعتز بها ولهذا عرّب جميع المؤسسات الجزائرية واستقدم مدرسين من عدة دول عربية خاصة مصر، ويعود له الفضل في إدخال لغتنا رسميا إلى الأمم المتحدة لتكون خامس لغة رسمية. فاكتشفت من خلاله الثقافة العربية وتاريخ الحضارة الإسلامية (تضحك) أتذكر أنه كان يمازحني بسرد أبيات من الشعر العربي ويتباهى بأنه يحفظها منذ الابتدائية.

 

ماذا تعملين حاليًا؟

أعمل كمؤرخة، ونشرت دواوين شعر بالفرنسية ثم ترجمت ألف بيت للخنساء للفرنسية ثم ألفت رواية تاريخية للبطلة ليلي الأخيلية الشاعرة المنافسة للخنساء فهي ولدت في نجد وعاشت قصة حب جميلة مع الشاعر توبة بن الحمير؛ كانت شخصيتها قوية؛ قضت على التقاليد الأدبية حيث كان الرثاء مقصورا على الأقارب بينما رثت من تحب رغم أنها لم تتزوجه. ثم كتبت عن الفتنة الكبرى.

 

هل استعنْتِ بكتاب طه حسين عن الفتنة الكبرى؟

لقد قدمت في كتابي أكثر مما قدمه طه حسين ومحمد حسنين هيكل من معلومات تاريخية وتحليلات مهمة لم يتطرق إليها أحد من قبل.

 

كيف تغير وضعك بعدما أصبحتِ سيدة الجزائر الأولى وحياة الفخامة؟

لقد تغيرت تماما ولكن ليس كما تتصور؛ فأنا أنحدر من عائلة قديمة ثرية ومشهورة في الجزائر ولكني تعلمت التقشف من بومدين؛ لأنه كان رجلا متواضعًا جدًا ذا ثقافة واسعة وأدب جم لا يحب البذخ والتبذير كان رحمه اللهَ يعشق البساطة تعلم الزهد وأصول الدين واللغة العربية في الأزهر بمصر.

كيف تعيشين في باريس؟

أعيش على تقاعد زوجي من الجيش الجزائري في شقة للإيجار، وحتى حينما أرجع لبلدي الجزائر فإن الدولة تستضيفني دائمًا في فيلا تابعة للرئاسة فلا نملك عقارا ولا أملاك.

 



بومين مع وزير خارجيته بوتفليقة

 

 

شرف زوجي خطوط حمراء ولن أسكت عمن يحاول تلطيخ سمعته وشرفه

 

لكن هناك صحيفة جزائرية صغيرة ادّعت أنكِ تعيشين عيشة الملكات في القصور وتتمتعين في عز كبير عبر ثروة زوجك...

يشهد الله أن زوجي عاش شريفا ومات شريفا، لقد كنت مصدومة بالفعل بتصرف وموقف جريدة جزائرية على النت والتي ليست لديها أي ثقل في الجزائر لا تمثل إلا مجموعة معارضة انفصالية صغيرة من القبائل حاولت تشويه ذكرى وشرف الرئيس هواري بومدين وتلطيخ سمعتي أيضا حيث نشرت أكاذيب بأن الرئيس بومدين كانت لديه حسابات في بنك في نيويورك وأن لدينا قصورا وأنني ورثت هذه الأموال عن زوجي وأنني أعيش عيشة الأميرات ولدي آلاف العقارات في العالم! ويعلم أغلب الشعب الجزائري - والله فوق الجميع يعلم - أن زوجي كان من أشرف الرجال ولم يمتلك أي أموال ولا عقارات ولم يترك لي شيئا بل علمني التقشف فهو كان زاهدًا في الحياة ومتدينا جدًا ويعرف الله ودرس بالأزهر الشريف ويعلم الناس جيدًا شرفه ونقاء يده حتى أعداؤه الذين يهاجمون سياساته لكنهم لم يجرؤوا أبداً على مهاجمته في نزاهته لأنه نزيه بالفعل، وأحيطكم علمًا بأنه منذ 40 سنة، تمت تحقيقات حتى من أشد أعدائه السياسيين لمعرفة هل كان فاسدا فلم يتمكنوا من إثبات شيء لأنه بالفعل لا يوجد شيء واعترفوا بشرفه وبنقائه وبنزاهته.

 

هل التجأتِ للقضاء باعتبار ذلك سبا وقذفا وتشويها؟

نعم قررت اللجوء للقضاء الفرنسي حيث أعيش في باريس لكون الجريدة التي تدعي على زوجي المرحوم بالباطل لم تنشر تكذيبا ولكني للأسف الشديد اخترت محاميا جزائريا ورفعت عبره قضية ضد هذه الصحيفة التي تبث أخبارا كاذبة وتضليل وتشويه لتاريخ زعيم لأسباب سياسية وأردت أن أطالبهم بتقديم دليل واحد على ما يزعمون، فليأتوا عبر القضاء ببرهانهم إن كانوا صادقين ولكنهم لم ولن يقدروا لأنه لا يوجد شيء.

 

لماذا لم يحكم القضاء الفرنسي في القضية المرفوعة؟ هل تحرج القاضي لكون الملف سياسيا فلم يحكم لا لكِ ولا لهم بشيء؟

للأسف الشديد لم يتمكن المحامي من تسليم ملف الدعوى في الوقت المناسب ولم يطبق الإجراءات وفق البند 53 من القانون الفرنسي الصادر في 29 يوليو (تموز) 1981، فرفض القاضي الفرنسي القضية لخطأ في الإجراءات القانونية وليس كما يدعون أنني خسرت القضية بسبب مضمون الدعوى حيث كان يجب أن يقدم المحامي الدعوى للأطراف المدنية وللمدعي العام للجمهورية قبل أول جلسة وفق تاريخ محدد، وللأسف لم يصل للنائب العام الفرنسي الإخطار القانوني اللازم قبل أولى جلسات القضية فرفض القضاة القضية ولم يحكم فيها بسبب سوء أداء المحامي وبإمكان الجميع التحقق من ذلك عبر الاستفسار من المحكمة الفرنسية بباريس. لقد أتت الجريدة الإلكترونية بكذب وبهتان عظيم ولن أسكت عليهم ولن أسمح لمخلوق بتشويه تاريخ زوجي المرحوم الرئيس هواري بومدين. فالله شاهد والشعب الجزائري يشهد بأن زوجي رحمه الله، عاش ومات شريفا نقي اليد طاهر القلب. شرف زوجي خطوط حمراء.

 

قصة زواج الزعيم بومدين بالسيدة أنيسة المنصالي

 

اسمحي لنا أن نتعرف على قصة حياتك مع الزعيم هواري بومدين ولكن من زاوية لم يتم التطرق لها من قبل؛ هل تزوجتم عن حب أم كان زواج الصالونات التقليدي؟

في الحقيقة تزوجت الرئيس الهواري بومدين عن حب وإعجاب متبادل، فأنا أنتمي إلى المدرسة الفرنسية بحكم الظروف التي عاشتها الجزائر خلال فترة الاستعمار وهو ينتمي إلى المدرسة العربية ودرس في الأزهر بمصر. كان الرجل منعكفًا على بناء جيش قوي ودولة مؤسسات راسخة وكان يعيش في وسط رجاله ينهض وينام على مشاكل الدولة ولم يجد وقتا لبناء بيت وأسرة حتى جاء اليوم الذي بث فيه التلفزيون الجزائري برنامجًا عن أبنائنا الخريجين القادمين من فرنسا ليعملوا في سلك القضاء وكنت منهم وكما قيل لي فيما بعد، بمجرد أن ظهرت على التلفزيون أعجب بي، وقال إن وكيلة النيابة العامة للدولة جميلة!..

)تضحك طويلا بخجل) لقد تم ترتيب لقاء مع رئاسة الجمهورية في يوم ما لكوني كنت أبحث عن حل مشكلة قضائية استعصت على الوزارة فدخلت مقر الرئاسة وكلي ثقة أن أحلها وإذا بالباب يفتح ويستقبلني الرئيس بومدين. كان مهيبا ذلك الرجل الطويل القامة النحيف الحاد النظرات (تضحك) كانوا يسمونه في الجزائر «الشنبات «. وببساطة وتواضع استدعاني للجلوس في زاوية في مكتبه؛ وهو يستمع إليّ، وكنت شديدة الفخر بلقائه فأحببته، وبعد فترة أسرّ إلي بأنه كان يبادلني الحب ومعجبا بملامح القاضية الشابة الجميلة التي جلبت اهتمامه منذ مرورها بالتلفزيون ثم تأكد الإعجاب خلال جلسة افتتاح السنة القضائية، وزاد إعجابه بي حينما عرف أنني كنت صاحبة المقالات التي نشرتها بصحيفة «المجاهد» والتي أثارت انتباهه. ومنذ ذلك اللقاء لم نفترق أبداً وتوطدت العلاقة. وتحول الإعجاب إلى حب خالد عبر الدهر.

كانت العلاقة بيننا خفية على أقرب الناس له حتى لم يخترقها جهاز المخابرات؛ فقد أخفى عن الجميع حتى يوم عقد القران علي، فلما سألته عن السبب قال لكون ذلك تزامن مع انعقاد قمة عدم الانحياز في الجزائر؛ حتى لا يستقطب هذا الحدث الأنظار. لكن بعد انعقاد القمة تم الإعلان أمام الجميع ونظم حفلا بسيطا دعا إليه والدته وأفراد أسرته والمقربين. وبخفة ظله المعهودة قدمني إلى العائلة وأمام دهشتهم قال: «هذه كاتبتي الخاصة وستعيش معي إلى الأبد» كانت هذه طريقته في الإعلان عن وضعه حدا نهائيًا لعزوبيته (تضحك). ثم أقام حفلاً لتقديم السيدة الأولى، حضره بعض المقربين منه من أعضاء مجلس الثورة والحكومة، واندهش الكثيرون ومن بينهم مدير المخابرات العقيد قاصدي مرباح الذي غاب عنه سر علاقة الرئيس بي طيلة أربع سنوات

حدثني أحد أفراد الحراسة أن مرباح غضب بشدة من الحرس وسألهم كيف لم يبلغوه بدخول شخصية أجنبية إلى مقر الرئاسة على مدار مدة طويلة... المفارقة أن الحرس الجمهوري نفسه لم يكتشف ذلك إلا من غضب مدير المخابرات.

 

هل لديك أولاد من بومدين؟

لم أكن عاقرا، فقد كان بإمكاني الإنجاب لو استمر في الحياة ولكن لم يشأ الله.

 




صورة من الارشيف لأنسية مع دوجها هواري بومدين بقفطان القاضي الجزائري

 

حبك لزوجك وإخلاصك له محط إعجاب الجميع، فهو كأنه ما زال يعيش معك...

أصارحكم القول إنني لو لم أكن زوجة لبومدين لضحيت بحياتي من أجل أن يمتد به العمر وبكل سرور. كانت لديه شخصية فذة فوق العادة، وهذا رأيي، ولا أتكلم بصفتي زوجة بل كمؤرخة عليمة بأسرار التاريخ، وتحب السياسة الجميلة الحقيقية وليست الكاذبة وقد اكتشفت جانبا مشرقًا لشخصية الرئيس وحينما درست وثائق الأرشيف للثورة الجزائرية الكبرى، فهمت أنه خُلقَ بنضج، كان إنسانًا بعيد النظر. يمكنني أن أؤكد أن بومدين أعظم من حكم الجزائر في التاريخ؛ لقد كان يعتقد أن منصب الرئيس مسخر لخدمة الشعب وليس للتمتع بملذات السلطة وهي أصعب مهمة فلا توجد جامعة لتكوين الرئيس، وإنما مسؤولية كبرى أمام الله وأمام الشعب وأمام التاريخ. لم تكن لديه رغبة في البقاء رئيسا مدى الحياة، لقد أخبرني دائما أنه سيترك السلطة في سن الخمسين (توفي عن عمر 46 عاما) لأنه كان ينوي الراحة، فهو مثل الزعماء العرب الكبار لم يستمتع بيوم كامل من الراحة، بسبب انشغالاته، فلما كنت أنصحه بالراحة كان يقول إن موقف الجزائر مطلوب بين دول العالم الثالث. وكنت شاهدة على قيامه بالكثير من التحليلات وتوقعاته للمستقبل وتحققت فيما بعد وقد توفي رحمه الله ولم يرها.

 

من أطلق على زوجك لقب أبو الجيش الجزائري؟

الرئيس زروال فهو جنرال وكان من تلاميذ زوجي وتحت قيادته وكلما تحييني القيادات العسكرية الجزائرية تؤكد هذا اللقب؛ فكما ذكرت لك هو الذي نظم الجيش وكان كل رؤساء الجزائر يحبونه ويحترمونه كثيرا ومنهم الرئيس بوتفليقة فهو الذي اختاره ليكون وقتها أصغر وزير خارجية في العالم (25 سنة) كان يشجع الشباب وطاقاتهم.

 

هل قتلوه كما قتلوا عبد الناصر بالسم أم مات بشكل طبيعي؟

في الحقيقة أمام الله، لا أعرف فالتقرير الطبي كشف لنا أنه مات بنفس طريقة موت الرئيس بومبيدو ولا أحب الحديث إلا عن معلومات دقيقة ومبررة. لكن ما أعلمه أن الأطباء الروس أخفوا عنه حقيقية مرضه، وأخبروه بأن الأمر يتعلق بمغص كلوي، إنني مقتنعة بأنه لو كان مطلعا على حقيقة مرضه لاستقال حتى يعتني بصحته ويتعالج.

 

لماذا رفض العلاج في بلاد الغرب المتقدمة طبيا؟

هو رفض أن يعالج في أميركا وفي فرنسا وفضّل روسيا لكونها أكبر حلفائنا.

 

هل كان يتكلم معك عن شؤون أو أسرار الدولة أو يشتكي لك من هموم الناس أم كنت فقط ربة بيت؟

نعم كانت لديه روح الديمقراطية وكانت من عادته أن يشاور كل الناس قبل اتخاذ قرارات (تضحك) كان يقول لي أنت مواطنة ككل المواطنين ومن حقك التحدث والتعبير بحرية.

بومدين هو البطل الشرعي للثورة الجزائرية.

 

كيف كان دور بومدين في العالم العربي؟

لقد خدمه بقوة، لأن الجزائر أول بلد في القارة الأفريقية تمكن من تأميم المحروقات بشجاعته فتبعه الآخرون. ودون ذلك لم يكن أحد ليجرؤ على ذلك أما بومدين فلم يكن يحتاج مساعدة أي بلد، ونجح في ذلك نجاحًا باهرًا، وبعض القادة العرب والأفارقة سلكوا نهجه حينما وجدوه فتح الطريق لهم.

 

بكل صراحة، من هو البطل الحقيقي للثورة الجزائرية: بن بلة أم بومدين؟ وهل صحيح أن بومدين انقلب على بن بلة؟ ولماذا لم يحكم بومدين في البداية ما دام بن بلة قضى أغلب سنوات النضال في سجن الفرنسيين بعد أن اعتقلوه في حادثة اختطافه الشهيرة ومعه 4 من الثوار؟

بومدين هو البطل الشرعي للثورة ضمن رفاقه وكان قبل أن يوقع اتفاقيات ايفيان يقول إنه لن يفرح في يوم الاستقلال لأنه كان يعتقد أن الاستقلال الحقيقي لم يتحقق بعد. فبالنسبة له يتلخص الاستقلال في الاستقلال الاقتصادي. وليس بعودة الأرض والتغني بالنشيد الوطني ورفع العلم، فكان عنده يقين في ذلك، كان لديه قبل توقيع الاتفاقية مع ديجول، مشروع لبناء الجيش وهو يصف في أوراقه ضرورة تأميم النفط وتأميم المناجم والبنوك لأنه في الحقيقة لم تشأ البنوك وقتها تمويل المشاريع الصناعية الضخمة وكان يحدد دور الجيش لكونه ينتمي للشعب وعليه مسؤولية خدمة مصالح الشعب ولهذا عليه بناء الطرق والمدارس والجامعات... إلخ. وهكذا كان يتصور مستقبل الجزائر فاطلع بن بلة على هذا البرنامج لكن المؤسف لبن بلة أنه لو طبق البرنامج لاحتفظ بمنصبه الرئاسي، فبومدين لم يشأ تكرار قصة عبد الناصر ومحمد نجيب. ولكن بن بلة سعى إلى تأميم المؤسسات والمتاجر الصغيرة كمحلات الجزارة ودكاكين البقالة وصالونات الحلاقة والحمامات، مما أثار تذمر الطبقات الوسطى التي تعرضت إلى ظلم بعض القرارات الجائرة، كما أنه لم يكن في الجزائر أمن ولا أمان وكانت الاختطافات في مناطق كثيرة مثل البويرة، وكانت هناك أحداث تمرد القبائل وكانت الإضرابات كثيرة في وهران، فعمت فوضى كبيرة وكان هناك تدهور اقتصادي وانخفاض في قيمة العملة المحلية. وبومدين كان رجل نظام ويكره الفوضى، وكان قبل أن يضع قدما ينظر أولاً فيما لو كان تحتها لغم، فقد كان شديد الحذر، وقد نظم الجيش فكما تعلم كان معظم الثوار فلاحين ومدنيين فعمل على التحاق الكوادر بالمدارس العسكرية الكبرى في العالم الغربي وأنشأ المدارس والمعاهد والكليات لتهيئة الكوادر الشابة فكان الجيش على عهده جيشا منظما وعصريا والأمن مستتب في البلاد وعاد الاستقرار السياسي.

 

هل لديك علاقات أسرية أو صداقات بعائلات زعماء عرب؟

أتمتع بصداقة هدى عبد الناصر التي جاءتني إلى الجزائر وكانت مع نائلة الحريري ونبيه بري، في اجتماع المجالس النيابية، ونحن على اتصال. وأعرف كاميليا ابنة الرئيس الراحل أنور السادات، كذلك التقيت بالسيدة جيهان السادات، وأتمنى حينما تحين الفرصة لقاء بنات القذافي.

 



يتوسط السادات والقذافي

 

 

حرب أكتوبر

 

لقد اختلطت الدماء المصرية بالجزائرية في المحن التي واجهت الدولتين وتقاسم الشعبان الآلام والأفراح وفي الحروب والانتصارات...

هذا صحيح؛ العرب دائما كانوا كنلة متراصة في كل المحن التي مرت على أمتنا العربية فمثلا كان هناك تلاحم عربي كبير مع مصر ضد العدوان الثلاثي عام 56 منهم المملكة السعودية حيث شارك في الحرب ضد إسرائيل (كمتطوعين) اثنان من ملوك السعودية هم الملك سلمان والملك فهد (كانوا أمراء آنذاك) ومن كل قطر عربي. أما خلال الاستعمار الفرنسي على الجزائر، وحينما كان الفرنسيون يقصفون شعبنا وقرانا، كانت الدماء تنزف من الشعب المصري. فقد كانت القومية العربية تسري في دماء المصريين والجزائريين وكل العرب شعبا وحكومة؛ ما زلنا نذكر لمصر وقفتها المجيدة معنا في حرب الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي وتبنيها لقضيتنا العادلة على جميع المستويات الشعبية والرسمية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية ولا ينسى الجزائريون إذاعة «صوت العرب» ونداءاتها للثوار لمحاربة فرنسا تزامنا مع دعم الزعيم عبد الناصر بالسلاح والمال وبالتدريب ولهذا اعتدت فرنسا على مصر عام 56 لمساندتها لنا. فلا يستطيع جزائري نسيان التاريخ. فقد قدمت مصر المساعدات الجليلة إلى جبهة التحرير، وعقد المؤتمر الثاني للثورة الجزائرية في أغسطس (آب) عام 1957 بالقاهرة فنحن شعب واحد.

 

*ما الذي جعل العلاقة بين عبد الناصر وبومدين قوية؟

كان الرئيس بومدين يؤمن بالوحدة العربية وبأطروحات الرئيس عبد الناصر الخاصة بالوحدة العربية وكان يقول دائمًا إن عدو الأمة العربية يستميت لزرع التفرقة والكراهية تحت

مبدأ فرق تسد، وكان الرجلان زعيمين حقيقيين. وكان يحب مصر التي درس فيها خلال شبابه ويقول إن قلب الشعب المصري نابض بالإسلام وبالعروبة وهو صاحب حضارة عظيمة.

 

كيف وقعت النكسة على الزعيم هواري بومدين؟

كان يوم 5 يونيو (حزيران) 1967 حدادا شخصيا للرئيس بومدين، كانت الجزائر، كلها شعبا وحكومة في حداد، فقد شاطرنا العرب أحزانهم وتقاسمنا المحنة حيث مست النكسة كل الشعب العربي، وكان بومدين يدافع عن فكرة الوحدة العربية والتضامن مع كل الشعب العربي؛ وبعد ضرب المطارات المصرية أرسل بومدين إلى عبد الناصر يبلغه بأن جميع المطارات والطائرات الجزائرية تحت أمر وتصرف القيادة المصرية.

 



مع جيسكار ديستان

 

شراء بومدين للسلاح الروسي واستفزازه لبرجينيف

 

كيف استعد بومدين مع السادات لمحو الهزيمة والتجهيز لحرب 73؟

في الواقع لقد شاركت جميع الدول العربية تقريبا في حرب 1973 طبقا لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، خصوصًا سوريا والعراق والجزائر التي شارك جنودها بالفعل مع المصريين بقوة على جبهة القتال. لكن ما لا يعرفه الناس إنه حينما نسجت خيوط حرب 73؛ كانت نهايات صياغتها في فيلا بومدين بالعاصمة الجزائرية، حيث كان هناك لقاء سري بعيدا عن القاهرة التي كانت مراقبة عرب أقمار التجسس الأميركية والإسرائيلية وذلك في بيتنا، جمع بين الرؤساء أنور السادات وهواري بومدين ومعمر القذافي؛ كان ذلك في رمضان 73... قال الرئيس بومدين للسادات إنه يضع كل إمكانيات الجزائر تحت تصرف القيادة المصرية وطلب منه أن يخبره فورا باحتياجات مصر من الرجال ونوع السلاح وأبلغه بأنه يجب أن يحتاط من خطأ عام 67، فلديه معلومات من استخباراته الجزائرية في أوروبا بأن إسرائيل تنوي الهجوم على مصر في أكتوبر فقال له السادات بأنه سيفاجئ الإسرائيليين والعالم كله بعظمة المقاتل المصري، وبأنه قرر كسر جمود حالة اللاحرب واللاسلم وبأنه سيرد لهم الصفعة بأعنف منها في 6 أكتوبر ومن أجل هذا يحتاج الجيش المصري إلى المزيد من الدبابات والطائرات ولكن السوفيات يرفضون تزويده بها، وعلى الفور توجه الرئيس بومدين إلى الاتحاد السوفياتي وبذل كل ما في وسعه، بما في ذلك فتح حساب بنكي بالدولار، في موسكو لإقناع السوفيات بالتعجيل بإرسال السلاح إلى الجيشين المصري والسوري، والتقى برجينيف الذي كان غاضبا بشدة على المصريين لكون السادات طرد الخبراء السوفيات. فقال له برجينيف إن السادات طلب أسلحة ورفضنا طلبه والآن يتصرف كما يحب من رأسه فقال له بومدين غاضبا: أنتم تزعمون أنكم أصدقاء العرب وحينما نأتي لكم لطلب مساعدتكم ترفضونها وسوف تتحملون مسؤولية كبرى أمام التاريخ

وهدد القيادة السوفياتية قائلاً: إن رفضتم بيعنا السلاح فسأعود إلى بلدي وسأوجه خطابا للرأي العام العربي أقول فيه إن السوفيات يرفضون الوقوف إلى جانب الحق العربي وإنهم رفضوا بيعنا السلاح في وقت تخوض فيه الجيوش العربية حربها المصيرية ضد العدوان الإسرائيلي المدعوم من طرف الإمبريالية الأميركية، وسأل بومدين برجينيف: «ما حدود الوفاق بينكم وبين الأميركيين؟ أنتم تتصرفون بأقصى درجات الضعف عرب التنديد بالبيانات والصحف وهم يتصرفون بأقصى درجات القوة»، فقاطعه رئيس الوزراء كوسيجني: قائلاً نحن لا نتصرف بضعف. فرد بومدين: إذا كنتم تتصورون أننى جئت إلى هنا كي أجاملكم لكونكم دولة عظمى فإنني لن أفعل ذلك، فتدخل بريجينيف وقال: نحن لم نكتف بالبيانات والمقالات، وإنما قدمنا لأصدقائنا العرب ما يحتاجون إليه لكنهم لم يحسنوا استعماله، وهنا فقد زوجي أعصابه وقال: «الحقيقة أننا لسنا وحدنا الذين هزمنا، وإنما أنتم هزمتم معنا في نفس الوقت، فليكن نحن لا نحسن غير ركوب الجمال ولا نعرف كيف نقود الطائرات الحديثة فتعالوا أنتم وأرونا ما تستطيعون عمله، معلوماتي أن السلاح الإسرائيلي الأميركي كان متفوقا على سلاحنا السوفياتي».

هذا الكلام زعزع برجينيف لكونه لمس كبرياءه وقال: «موافق على بيع الأسلحة المطلوبة ولكن بشرط أن يدفع السادات كاش»، فقدم بومدين له شيكا على بياض وملأه برجينيف بمائتي مليون دولار، (بما يعادل حاليا ملياري دولار) ولم يغادر بومدين موسكو حتى تأكد من أن الشحنات الأولى من الدبابات والطائرات قد توجهت فعلا إلى مصر.

كذلك منح مليوني طن من البترول لمصر ومثلهم لسوريا كما أرسل نحو 2500 جندي وضابط وخطب فيهم قائلاً: «إن جزءا من أمتنا يقع عليه عدوان فاذهبوا ودافعوا عنه وليس أمامكم إلا خياران: النصر أو الشهادة».