هل يُمنع النقاب بأمر البرلمان؟

بعد أن ظهرت قضيته على السطح من جديد...
* نرفض أي توجهات سياسية، أو دينية تستخدم في السياسة أو تحقيق أجندات خاصة
* إذا وجد الحاكم أن وجود النقاب يؤذي المجتمع فيحق له أن يصدر تشريعا لمنعه
 * التشريع الخاص بالنقاب في البرلمان يتم الاتجار به

القاهرة:بين الحين والآخر تطفو أزمة ارتداء النقاب ما بين مؤيد ومعارض لها وسط حالة من الجدل تستمر لفترات طويلة دون حسم، والتي كان آخرها أزمة اختيار السيدة منى القماح لمنصب مدير قصر ثقافة كفر الدوار والتي قيل إنه تم حرمانها من المنصب، بسبب ارتدائها النقاب، وهو ما نفاه رئيس هيئة قصور الثقافة أحمد عواض، إلا أن الأزمة طفت على السطح من جديد ما دعا بعض أعضاء البرلمان للمطالبة بتشريع جديد لمنع النقاب بالقانون استنادا لبعض آراء فقهاء الشريعة، وهو ما دفع «المجلة» لاستشراف الآراء حول القضية، وهل تستلزم إصدار قانون على الرغم من عدم وجود موانع شرعية تمنع ارتداءه، وكذلك أيضا وسط خلاف فقهي حول وجوب ارتدائه؟
 
عادة وليس عبادة
رئيس مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الدكتور محيي عفيفي قال لـ«المجلة»: «النقاب عادة وليس عبادة، وبالتالي لا يمكن أن نلزم جميع النساء بارتداء النقاب، والمطلوب هو توافر الحشمة، لكن مسألة إلزام النساء بالنقاب لم يرد فيه نص، وكل الذين يحتجون بأي نصوص فهي مسألة خلافية، وما توصل إليه العلماء أن النقاب عادة، وليس عبادة، وفي بعض الأحيان وفي بعض المجتمعات التي يكون من خصوصيتها ارتداء النقاب. 
لكن فيما يتصل بواقعة قصر ثقافة كفر الدوار المشار إليها، أتصور أن مسألة النقاب طالما أن من ترتديه لا تعارض وضعية العمل، أو سياسات العمل فبالتالي لا يمكن تجريمه، وفي البداية من الأصل تعد عملية الاختيار للمهام الوظيفية التي تسند إلى أي إنسان يجب أن ينظر إلى الشخص من جميع الجوانب من الناحية الذهنية، والفكرية، والمنهجية التي يفكر بها ومدى تواؤم طريقة تفكير الشخص مع احتياجات العمل، وما إلى غير ذلك، وبالتالي لا يمكن أن نطلق أحكاما إلا بعد أن تستند إلى أدلة واقعية، أو براهين».
وأضاف عفيفي: «ليس هناك في الشرع ما يمنع من تقلد الوظائف العامة لمن ترتدي النقاب، ولا يوجد نص في ذلك، وأعتقد أن المسألة بالنسبة لنا كمصريين نحن نضع المصلحة الوطنية، والمصلحة العامة في المقام الأول، كما نرفض أي توجهات سياسية، أو أي توجهات دينية تستخدم الدين في السياسة أو تحقيق أجندات خاصة، ما عدا ذلك لا يمكن أن نحكم على الناس من خلال نموذج عليه مؤاخذات، إذن لدينا غاية معينة، وهي المصلحة الوطنية، والمصلحة العامة، وعدم استخدام الدين، أو أي مظهر من مظاهر التدين في تحقيق منافع شخصية أو منافع جماعية».
وحول رأيه في أنه طبقا للمصلحة الوطنية هل يجوز منح ولي الأمر طبقا للشريعة الإسلامية إصدار قرارات بمنع النقاب في الوظائف العامة أو غيرها؟ 
قال عفيفي: «الضرورات تقدر بقدرها، وولي الأمر هو المنوط به تقدير مثل هذه المسائل، وليس لآحاد الناس أن يتدخل في ذلك، وولي الأمر من خلال ترؤسه للدولة فهو يعرف ما يصلح للوطن، وأن الوطن في حاجة لجهود المخلصين من أبنائه، وبحاجة لإعلاء المصلحة الوطنية، وأيضا كل إنسان يتولى مهمة ينبغي أن يدعم سياسة الدولة في إعلاء المصلحة الوطنية، ودعم عجلة الإنتاج، وبالتالي نحن نسعى لأجل رفعة الوطن، والحفاظ على مكتسباته بعيدا عن الأجندات السياسية، أو محاولة توظيف الدين في اللعب على مشاعر وعواطف الناس، أو استخدام مظهر من المظاهر مما يخيل للناس أن هذا المظهر ينم عن الالتزام، وبالطبع نحن لا نعيب على النقاب، ولكن نحن ضد فرض النقاب على الناس».
وحول الحاجة لسن البرلمان لتشريع أو قانون يمنع ارتداء النقاب طالما أن الشرع لم يرفضه، ولم يوجبه، قال عفيفي: «أنا أحترم كل وجهات النظر، ولكن أتصور أن مجلس النواب لديه رؤية، وهو مؤسسة تشريعية منوط بها سن القوانين، ولكن ما يراه المجلس، وما يراه ولي الأمر له وجاهته، ولا أستطيع الحكم على أي وجهة نظر، ولكن كما نعلم ليست كل الطلبات التي ترفع للبرلمان تحظى بالقبول المطلق، ولكن تناقش الأمور، وتغلب المصالح العامة، وتحترم الحريات الفردية، وما إلى ذلك من الأخلاقيات، والسياسات، والمبادئ التي يسير عليها مجلس النواب، وكما قلت سابقا، الضرورات تقدر بقدرها، فهناك قاعدة شرعية تقول: لا ضرر ولا ضرار.. والمصلحة العامة تقدم على المصالح الخاصة، ومصلحة الوطن على المصلحة العليا لدينا كمواطنين، وهي مصلحة معتبرة في الدين».
 




معركة النقاب في مصر تعود للواجهة


 
من حق ولي الأمر منعه
العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، وعضوة البرلمان الدكتورة آمنة نصير قالت لـ«المجلة»: «نحن نقلد بشكل فيه قوة العادة والاعتياد، وأنا مع عدم ارتداء النقاب، وليس ذلك عن هوى، ولكنه رأي مبني على أسس علمية، ودراسة متأنية جدا، وقبل أن أوضح النص القرآني الحاكم للمسألة يجب أن نوضح أن النقاب قد وجد أصلا في الجزيرة العربية بين القبائل اليهودية، وبين القبائل العربية، وترسخ وتجذر في بلاد الجزيرة حتى بعد ذلك عندما حرصوا عليه في العصر الحاضر، لم يكن في مصر منذ 50 عاما نساء منتقبات إنما ظهر النقاب على المرأة المصرية بعد سفر الكثير إلى دول الجوار وقلدوهم، وعادوا به، فالرجل رب العائلة المنتقبة شجع على هذا الأمر باعتباره نوعا من الحصانة لنسائه، والمرأة بطبيعتها السيكولوجية تحب التخفي، حتى في بلاد الصعيد ترى أن المرأة تختفي خلف الجدر، مع أن لها الكلمة الطولى في جميع الأمور خارج البيت، وهذا جزء من ثقافتنا الموروثة، ومن السيكولوجية النسائية عملية الاختباء، نأتي إلى النص القرآني ماذا قال؟ جاء القرآن والإسلام ووجد النقاب متجذرا في الجزيرة العربية بين القبائل اليهودية، وبين القبائل العربية في هذه المنطقة، فماذا فعل القرآن؟ نبه إلى الآتي: أولا أوجد غض البصر، ففي سورة النور (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، إذن النص القرآني أوضح خلاف ما وجد متوارثا في الجزيرة العربية، ألا وهو غض البصر».
وقالت نصير: «كان الشيخ الغزالي، رحمه الله، يقول عجبا لمن تلبس النقاب كيف أسمع كلام الله وأغض بصري وهي تلبس النقاب؟ أأغض بصري عن قفاها؟». وأضافت: «ثانيا وأيضا في سورة النور (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، كانت المرأة العربية تضع الخمار على رأسها وينزل إلى الصدر ثم تضع جانبا من الخمار على الكتف، والجانب الآخر منه على الكتف الآخر، وتترك الصدر عاريا، فجاء النص القرآني: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، أي على الصدر، ولو أراد الحق أن تغطي المرأة المسلمة وجهها لقال: (وليضربن بخمرهن على وجوههن)، من هذه النصوص القرآنية واختلاف الفقهاء كل منهم حسب بيئته، قلت إن المرأة المعاصرة ليست في حاجة إلى أن تأخذ ما لا يطلبه منها النص القرآني».
وأضافت نصير: «نأتي بعد ذلك إلى واقعة كفر الدوار التي أثيرت مؤخرا حول منع تقلد منتقبه لمنصب مدير قصر الثقافة، فالقول من الأساس أن الاختيار كان غير حصيف، ورفضه بعد أن وقع الأمر غير حكيم»، في إشارة إلى منع منتقبة من تولي منصب مدير قصر ثقافة كفر الدوار. 
وقالت: «أنا أرفض النقاب، لكن أمانة الكلمة أدق وأكبر من المال والكنوز، وأنا لست منشغلة بالتشريع للنقاب في البرلمان، والذي يعتبر عادة، وأنا لن أشغل بالي سوى بالنص القرآني فقط، فمسألة التشريع للنقاب في البرلمان يتم الاتجار بها، وأنا لا أحب الدخول في هذه المسألة، وكل ما فعلته في الماضي أني أوضحت رأي الشرع في هذه القضية».
وحول رأي الشرع في منح ولي الأمر أو البرلمان حق منع النقاب في الوظائف العامة قالت نصير: «إذا كان في هذا الأمر ضرر فمن حق ولي الأمر أن يجتهد ويشرع، وإذا وجد الحاكم أن وجود النقاب يؤذي المجتمع فيحق له أن يصدر تشريعا لمنعه، طالما أن مسألة النقاب أمر غير متفق عليه، ولم يأت صريحا ولا واضحا، فمن حق ولي الأمر أن يوقفه».