إلى أن تعود سوريا... «بخاطرك يا دار»

* لا شيء يعبر أكثر مما قاله «الختيار» وهو يترك بيته وأرضه ليهرب من طيران بوتين وصواريخ الأسد:
غالية عليّ الأرض غالية
بخاطرك يا دار
بخاطرك يا شقا عمري
يا دار
ان شاء الله منرجع يا دار
بخاطرك يا دار
 

لم تعد الكلمات تنفع حيال ما يجري في سوريا، حتى لغة الأرقام تعطلت، أن يستشهد طفل أو عشرة فلم يعد الخبر خبرًا، أن يُهجر حي أو وطن بكامله فأمر لم يعد يستفز مشاعر أحد، وحدهم سوريو الشتات يراقبون ما يحصل، يبكون بحسرة عجزهم وسذاجتهم، سذاجة أن صدقوا يومًا أن لهم أصدقاء، وأن أحدًا سيوقف الوحش عن قتلهم وقتل أطفالهم ويساعدهم في تحقيق حلمهم بالحرية والكرامة.
الحديث عن الخريطة واتفاقيات كبرى بين دول لن يغير ما حصل وما يحصل، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الشهر السادس بعد العام 2011. لن نسمح بحماه ثانية، في إشارة إلى مجزرة حماه التي ارتكبها حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي، فإذا بحماه تتكرر يوميا على مدى ثمانية أعوام.
لم يعد ينفع الحديث عن مسار آستانة، ولا عن اتفاقيات سوتشي بين روسيا وتركيا، فما حصل قد حصل، وأبشع ما فيه أنه حصل بوجود شهود زور سوريين ادعوا أنهم ينتمون إلى ثورة شعب واجه أبشع الأنظمة بصدره العاري لشهور طويلة، وصرخ «الشعب السوري ما بينذل»، فلم يترك العالم وسيلة إلا واتبعها ليمعن به إذلالاً.
المشاهد الآتية من محافظة إدلب، تشبه ما نسمعه ونقرأ عنه في التهجير الذي تعرض له الفلسطينيون عام 1948 على يد العصابات الصهيونية، حينها كان العرب والمسلمون يتضامنون مع المأساة الفلسطينية. اليوم يتعرض السوريون لما هو أبشع، فهم يُقتلون ويُهجرون على يد نظام سوري، بشراكة روسية وإيرانية، وتركيا الضامنة لخفض التصعيد في إدلب كما حال حلب وغيرها سابقا، شريكة بالجريمة. ولكن أين هم السوريون، أين الائتلاف وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية والجيش الوطني؟ وكأن على رأسهم الطير، هم أصبحوا أسرى مصالحهم الضيقة ومصالح الدول الراعية والمضيفة.
منذ بدء مسار آستانة، والدول الراعية روسيا وإيران وتركيا مع النظام السوري، يحشرون المدنيين في إدلب وكأن إدلب فرن من أفران هتلر، فهل اكتمل العدد اليوم؟ أم لا يزال هناك مخرج؟
يناور اليوم الرئيس التركي ونظامه، وأتباعه من «المعارضة السورية»، يريدون فتح الطريق للمدنيين لإكمال مخطط عملية التغيير الديموغرافي في عفرين، وبناء حزام عربي يغير البنية السكانية شرق الفرات، ويضمن أمن تركيا. مجددًا ماذا عن سوريا؟ يبدو أنها خارج الحسابات، فهي تحولت إلى ساحة تصفية حسابات بين الجميع.
ماذا عن السوريين؟ أين هم مما يحصل؟ أين من انسحبوا من المشهد لأنهم رفضوا أن يكونوا شهود زور، ألم يحن الوقت ليجتمعوا بعيدًا عن اختلافاتهم الشخصية بمعظمها؟ أين هم العرب، هل يتركون سوريا «قلبهم النابض» لينهشها الإيراني مع الروسي والتركي؟ أليست مصلحة عربية مشتركة كف يد إيران عن سوريا كما العراق ولبنان؟ هل يجلس الجميع منتظرين سيد البيت الأبيض لينهي مناوراته؟ ومن يضمن أن مناوراته لن تكون على حسابهم كما سابقه؟
إلى ذلك الحين، لا شيء يعبر أكثر مما قاله «الختيار» وهو يترك بيته وأرضه ليهرب من طيران بوتين وصواريخ الأسد:
غالية علي الأرض غالية
بخاطرك يا دار
بخاطرك يا شقا عمري
يا دار
ان شاء الله منرجع يا دار
بخاطرك يا دار