الحاجة إلى مبادرة عربية: تعالوا إلى كلمة سواء

* المخاطر تزداد يومياً، ولم نعد نملك الكثير من الوقت قبل أن تزداد رقعة الفوضى انتشارًا، فتعالوا إلى كلمة سواء لنعيد تعريف انتمائنا ونحدد مصالحنا المشتركة ونحترم اختلافاتنا، قبل أن ينقضي عام جديد وعقد جديد ونحن نتآكل

 
كُتب الكثير عن خيبات عام منصرم، إرهاب وقمع واحتلالات وثورات كتب لها النجاح المبدئي وأخرى ما زالت مستمرة بالدماء أو بالنضال السلمي في عالمنا العربي. دول وشعوب تُعيد تعريف أنفسها، لتتصالح مع ماضيها وحدودها وترسم بنضال شعبها مستقبلها، ومجموعات ترفض الاعتراف بتلك الحدود «المصطنعة» وتنظر إلى نفسها كجزء من أمة أكبر، الحلم بالخلافة على طريقة «داعش» قد يكون انتهى مرحليًا، ولكن حلم بعض الجماعات الإسلامية وتحديدًا الإخوان المسلمين بإعادة إحياء الخلافة الإسلامية لايزال يرسم معالم كثيرة من تطورات الأحداث من سوريا إلى ليبيا.
وضع مستقبل المنطقة بين خيارين، إما الديكتاتوريات وإما حكم هذه المجموعات الإسلامية، كان السمة الأبرز، ولو أن هذه المجموعات ارتضت الديمقراطية واحترام سيادة الدول لكان من الممكن أن يُقال دعوها تحكم، لكنها لطالما اعتبرت أن مفهوم الدولة الحديثة هو مفهوم استعماري. تماما كما سبقتها بهذا حركات قومية رفضت الاعتراف بالدولة بمفهومها الحديث وحدودها المعترف بها.
إلا أن اليوم أصحاب هذه النظريات لم يعودوا هم الأكثرية، ومع كل المآسي التي تعيشها المنطقة، إلا أن الأمل اليوم بشبابها، فالشباب العربي اليوم صار أكثر وعيًا، فبعد أن عاشوا نتائج فشل تلك التجارب، وبعد أن صاروا أكثر اطلاعًا، عرفوا اليوم طريقهم للتنمية ولبناء دول تشبه طموحاتهم بحدها الأدنى، وفهموا ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
في العام 2001 وافق العرب مجتمعين على مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك الملك عبد الله للسلام، مبادرة لا يزال الكثيرون متمسكين بها وإن كان التعنت الإسرائيلي يرفض أي حل عادل للقضية الفلسطينية، إلا أن بعض العرب تخلى أو تناسى، وكأن ليس بالإمكان التمسك بثوابتنا وعلينا نحن أصحاب الحق أن نتنازل لنظهر بمظهر الساعين للحل.
في العام 2007 صدر إعلان الرياض، إعلان أعاد تعريف العروبة بمفهوم عصري وحديث مع المحافظة على خصوصية كل دولة. واليوم أكثر ما نحن بحاجة إليه اجتماع عربي تصدر عنه خريطة طريق، لكل ما تعانيه الدول العربية مجتمعة. اجتماع لأصحاب الفكر والقرار، وليس اجتماعا شكليا يُشبه اجتماعات جامعة الدول العربية. فالاحتلال الإسرائيلي يزداد همجية، والتدخل الإيراني يزداد وقاحة، وخطر المجموعات المتطرفة يهدد مفهوم الدولة في كثير من المناطق. اليوم نحن أحوج ما نكون لكلمة سواء تجمعنا، فما يربطنا ليس رابط عرق أو لغة أو دين، ما يربط هذه المنطقة هي مصالح مشتركة ومخاطر مشتركة. فحزب الله اللبناني ليس خطرًا على لبنان فحسب، وإيران بميليشياتها تخطت حدود إيران وصارت تسيطر على العراق ولبنان وسوريا وأجزاء من اليمن. كما أن عمليات «داعش» والقاعدة ليست محصورة بالدول التي تشهد نزاعات مسلحة، والحلول التقليدية البالية بدعم الديكتاتوريات لم تعد تنتج استقرارا. 
الشباب العربي اكتشف صوته، وعرف أن له حقوقا، وأن مطالبه بالحرية ليست خيانة لقضية فلسطين ولا هي دعوة للإرهاب ولا للفوضى. على العكس تماما، فالثورات قامت للمطالبة ببناء دول حديثة ومؤسسات تحل محل الأنظمة القمعية الفاسدة... واهم من يظن مثلاً أن الحل في سوريا للخلاص من الوجود الإيراني والروسي والتركي ووجود المتطرفين هو بإعادة إنتاج نظام بشار الأسد.
عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وليس علينا الاختيار بين شرين. هناك جيل عرف أنه يملك خيارًا ثالثا، فإما الديكتاتورية وإما الفوضى لم تعد نظرية مقنعة. تملك شعوب المنطقة الحق بقيام دول عصرية ديمقراطية، وتملك القدرة على بناء هذه الدول إن هي أعطيت الفرصة.
ما تنتظره المنطقة هي مبادرة إنقاذية، وكلمة جامعة، لا تتعارض مع سوريا أولا ولبنان أولا والعراق أولا وهكذا، ولكنها تعمل على لم الشمل المصلحي بين كل هذه الدول، لتكون صمام أمان وبداية مرحلة من عمل عربي مشترك. المخاطر تزداد يوميًا، ولم نعد نملك الكثير من الوقت قبل أن تزداد رقعة الفوضى انتشارًا، فتعالوا إلى كلمة سواء لنعيد تعريف انتمائنا ونحدد مصالحنا المشتركة ونحترم اختلافاتنا، قبل أن ينقضي عام جديد وعقد جديد ونحن نتآكل، تعالوا إلى كلمة سواء قبل أن يصرخ من بقي فينا حيًا، أكلنا يوم أُكل الثور الأبيض.