دراسة «محمد مندور وتنظير النقد العربي»: باريس مدينة بالغة الخطورة

كتاباته في سياق الحقل الأدبي ترتبط بالحقل السياسي

*العلاقة الرابطة بين مصر والغرب ترجع إلى حملة نابليون الأول ومنذ ذلك التاريخ أخذت المثاقفة طريقها داخل المجتمع المصري وعرفت أهم الخصائص المميزة لهذه السيرورة

* كان لا بد من صدمة 5 يونيو 1967 لكي يجرؤ بعض المثقفين على التفكير بطريقة جذرية وبصوت جهير

* من قراءاتنا للدراسات التي خصصها مندور للشعر نلاحظ أن الأمر لا يتعلق بنقد للشعر بمعناه الدقيق بقدر ما يتعلق بوصف إجمالي للشعر المصري بعد أحمد شوقي

القاهرة: صدرت مؤخرا دراسة بعنوان «محمد مندور وتنظير النقد العربي» عن سلسلة كتابات نقدية التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، للناقد محمد برادة تلقي الضوء في دراسة تحليلية عن تاريخ مندور وسيرته الذاتية في مجالات عدة مثل السياسة والنقد الأدبي والشعر، وتضع تحليلا جديدا حول تأثر النقاد المثقفين مع بدايات القرن الماضي في النقد والثقافة الغربية وخصوصا فرنسا، حيث أرجعت الدراسة الأسباب في اختيار دراسة أعمال الناقد محمد مندور إلى ما لاحظته من تفاوت مستمر بين النقد العربي المعاصر والنقد الغربي، ذلك أن ثقافتنا تتأخر دائما في التعرف على الاتجاهات والمذاهب الأجنبية، وكثيرا ما يتم التعرف بعد أن تصبح تلك الكتابات استنفذت أغراضها عند من صاغوها. يضاف إلى ذلك أن هذا التعرف قلما يكون تاما ودقيقا، ويلزم الكثير ليصبح مبنيا على فكر نقدي قادر على التمثل والاستيعاب، وأحسن مثال يوضح ملاحظتنا، استحضار المسار الذي قطعه المذهب الوجودي ليلتقي بالفكر العربي. فرغم أن هذا المذهب رافق الحرب العالمية الثانية وعاش ازدهاره في بداية الخمسينات، فإن ترجمة بعض أعمال سارتر وسيمون دي بوفوار لم تظهر إلا ابتداء من سنة 1955. 

وإذا كانت موضوعية الالتزام قد تسربت بكيفية أو بأخرى، إلى صفوف نخبة المثقفين العرب في الحقبة نفسها، فإن النص الأساسي الذي أوضح فيه سارتر أسس نظرية الالتزام، لم يترجم إلا في سنة 1960.

 

النقد الجديد

وأكدت الدراسة على أنه بالإمكان تعداد الأمثلة، وأقربها إلينا زمنيا، والأبحاث المتصلة بمجال اللسنيات والبنيوية، ذلك أن القارئ العربي الذي لا يعرف لغة أجنبية، لم تتنه إليه أصداء هذه الدراسات وبخاصة دراسات النقد الجديد، إلا في سنة 1970. وإلي جانب هذه الملاحظة، هناك التشخيصات ذات المظهر المتعمق، التي ما انفك بعض نقادنا يجترونها حول أزمة النقد العربي في رأيهم، كل الضعف مصدره انعدام نظريات فلسفية تسند المدارس النقدية كما هو الحال بالنسبة للثقافات المتقدمة، على أنه إذا كانت هاتان الملاحظتان تؤكدان الأزمة، فإن هذه الأخيرة لا تزال في حاجة إلى تشخيص وتحليل، ويبدو شخصيا رغم المقالات والأحاديث والخطب التي دبجت بقصد توضيح أصول الأزمة التي تخبط فيها الأدب العربي، أن الحاجة لا تزال ماسة لإعادة النظر في المسلمات والأسس التي ترتكز عليها مفاهيمنا الثقافية المسؤولة عن هذا المأزق الذي نستشعره في كل المجالات.

وكشفت الدراسة عن أنه كان لا بد من صدمة 5 يونيو (حزيران) 1967 لكي يجرؤ بعض المثقفين على التفكير بطريقة جذرية وبصوت جهير. 

والاتجاه السائد اليوم عند الطليعة يتبلور في ضرورة إعادة صنع كل شيء من جديد. وفي ميدان النقد الأدبي فإن الحصيلة عجفاء سواء في مجال تحليل الشروط الاجتماعية للإنتاج الأدبي أو في مجال الأبحاث اللسانية والجمالية، وتبدو الأدوات والمنطلقات غير ملائمة، ذلك أنه رغم كثرة الرسائل الجامعية والدراسات المتخصصة في الأدب العربي، يبقى معظم هذه الكتابات منغلقا في مفاهيم ومناهج لا تاريخية وانطباعية، وإن كان هؤلاء الدارسون يكثرون من إعلان تشبثهم بالمبادئ «العلمية» خاصة في المقدمات والخواتيم. والواقع أن الكثير من الدراسات المنشورة منذ بداية هذا القرن، تتضح بالتأويلات المثالية، مما يجعلها تنوء تحت ظلال المناهج المقتبسة في عجالة، والمستعملة لأغراض آنية.

 

مندور في فرنسا

وحسب الدراسة، فإن العلائق الرابطة بين مصر والغرب ترجع إلى حملة نابليون الأول ومنذ ذلك التاريخ أخذت المثاقفة طريقها داخل المجتمع المصري وعرفت أهم الخصائص المميزة لهذه السيرورة (اتصال، تواصل، تقييم أو تقدير، تقبل أو رفض اندماج وتعديل للعناصر المنظمة الأولى، تمثل المفاهيم)، وقبل أن يرتاد محمد مندور مجال النقد، كان أدباء ومفكرون آخرون قد ربطوا الصلة بالثقافة الأجنبية ومهدوا الطريق لتمثل مفاهيمها تمثلا لا يخلو من الاستلاب، مثل رفاعة الطهطاوي، أحمد لطفي السيد، طه حسين، محمد حسين هيكل، عباس محمود العقاد، محمد عبد القادر المازني، هم وغيرهم جعلوا من فكر الغرب القوي أساسا ضروريا لتحقيق التقدم المرجو، وإن لم ينفكوا عن الدعوة لعودة حنينية إلى الأصول، مبرزين قيمة ماض مجيد فخور بدينه وبإضافاته الثقافية، حيث كان مندور يتهيأ ليصبح وكيلا للنيابة، محققا بذلك حلم الطفولة المتولد من الإعجاب الكبير الذي يخص به الناس وكيل النيابة كلما زار القرية وبالفعل تسجل بكلية الحقوق، إلا أن طه حسين الذي قرأ موضوعا كتبه مندور عن الشاعر ذي الرمة أقنعه بأن يحضر إجازة الأدب في الوقت نفسه ثم أيد طه حسين ترشيحه ليسافر إلى فرنسا من أجل تحضير أطروحة الدكتوراه في الأدب.

وتنقل الدراسة عن محمد مندور وهو يستحضر سنوات دراسته بفرنسا أن «هذه السنوات هي التي كونتني عقليا وعاطفيا وإنسانيا، وباريس مدينة بالغة الخطورة، فيها الجد والصرامة، وفيها المغريات المهلكة. وقد أخذت من الاثنين بطرف ويخيل إلي أن تعبير لغة التفكير إلى لغة أكثر تحديدا أو دقة، وأقل ميوعة، قد غير منهج تفكيري كله رغم أن تفكيري منذ دراستي الجامعية في مصر، كان يمتاز بالدقة والوضوح والنفور من الشقشقة اللفظية أو افتعال الغموض. وربما كان للمزاوجة بين دراسة القانون والأدب أثر فعال في تكوين هذا المنهج الفكري في نفسي... ومع كل هذا، فمن المؤكد أن تغيير التفكير لا لغة الكلام فحسب، هي التي تكون النقلة الكبيرة في منهج تفكيري العام، بل وإحساسي أيضا، فاللغة هي ضابط الإحساس كما هي ضابط الفكر، والإنسان لا يعي إحساسه ولا يتبينه إلا إذا استطاع أن يسكنه اللفظ المحدد الدال. وقد ساعد على ذلك أن منهج دراسة الآداب في السوربون هو الآخر لا يقوم على المحاضرات النظرية أو الإخبارية عن تاريخ الأدب بل يقوم على ما يسمونه بتفسير النص».




الناقد محمد برادة

 

مندور والسياسة

وعرضت الدراسة لبعض الدراسات التحليلية للمقالات والدراسات التي نشرها مندور خلال الفترة المتراوحة بين 1919 و1942 بمجلتي «الثقافة»، «والرسالة» والتي نشرها مجموعة بعد ذلك بعنوان «في الميزان الجديد»، يتجلى تأثير منهج تفسير النصوص، وهو المنهج الذي كان سائدا بفرنسا خلال فترة ما بين الحربين، ونجد مندور يقر بهذا التأثير في أكثر من موضع حيث كتب في مقدمة هذا الكتاب: «منذ عودتي من أوروبا، أخذت أفكر في الطريقة التي نستطيع بها أن ندخل الأدب العربي المعاصر في تيار الآداب العالمية، وذلك من حيث موضوعاته ووسائله ومناهج دراسته على السواء، ولقد كنت أومن بأن المنهج الفرنسي في معالجة الأدب هو أدق المناهج وأفعلها في النفس، وأساس ذلك المنهج هو ما يسمونه (تفسير النصوص) فالتعليم في فرنسا يقوم في جميع درجاته على قراءة النصوص المختارة من كبار الكتاب وتفسيرها والتعليق عليها... هذا المنهج التطبيقي هو الذي استقر عليه رأيي، بعد أن كنت قد نظرت إلى ظروفنا الخاصة وحاجتنا إلى التوجهات العامة، فحرصت على الموازيات لإيضاح الفروق التي لا تزال قائمة بين أدبنا وأدب الغرب».

واعتبرت الدراسة أن الكتابات السياسية لمندور كانت ذات أهمية بالنسبة للحركة الوطنية التي كانت تتجذر أكثر فأكثر بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن ما أريد إبرازه هنا، هو انعكاس الأفكار الديمقراطية الليبرالية لأوروبية، على تفكير محمد مندور، ولا شك أن تكوينه القانوني والاقتصادي قد أفاده في هذه الكتابات ووفر له المنطق الأساسي، فنحن نجده يختار شعارا للصحيفة التي كان يشرف عليها «العدالة الاجتماعية»، ومعظم الموضوعات التي تناولها ولو أنها مستوحاة من الواقع المصري وفي طرائفه «الديمقراطية» كان مندور يلح على ضرورة تدخل الدولة لضمان العدالة الاجتماعية، موضحا في ردوده على خصومه الرأسماليين، بأنه لم يخترع هذه الفكرة، وبأن آخرين قبله قد دعو إليها ويذكر كمرجع أساسي لهذه لأفكار كتاب «تاريخ المذاهب الاقتصادية» لشارل جيد، وشارل ريتست. الشيء نفسه يفعله عندما يدافع عن فكرة تشريع نظام للضرائب التصاعدية أو عندما يحدد دور الرأي العام.

 

نقد الشعر

قالت الدراسة إنه من قراءاتنا للدراسات التي خصصها مندور للشعر والتي هي في الأصل محاضرات ألقاها بمعهد الدراسات العليا نلاحظ أن الأمر لا يتعلق بنقد للشعر بمعناه الدقيق بقدر ما يتعلق بوصف إجمالي للشعر المصري بعد أحمد شوقي، والهاجس الكامن وراء تحليلاته هو الوصول إلى تصنيف للاتجاهات الشعرية منذ ظهور حركة الإحياء من خلال قصائد محمود سامي البارودي، والمقياس الجديد الذي اعتمد عليه مندور (الجديد بالنسبة لمرحلته التأثرية) هو الاهتمام بالعامل الاجتماعي – السياسي وتفسير الظواهر والمدارس الأدبية على ضوء المرحلة التاريخية، إذ يقول: «ونحن لا نريد، ولا ينبغي أن نعزل الأدب والشعر عامة عن حياة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا أن نقصر في عوامل تطوره ونموه وتنوع اتجاهاته، على النظريات الفلسفية أو النقدية للأدباء والنقاد، وذلك لأننا برجوعنا إلى تاريخ بلادنا في الفترة التي ظهرت فيها حركة (أبولو) لن نتبين أنه كان من الطبيعي أن يطغى في تلك الفترة التيار الرومانسي العاطفي الذاتي، فبلادنا إذ ذاك كان يحكمها رجل يؤمن بنفسه أكثر مما يؤمن بشعبه وكان الشعب يحس منه بذلك ويأبي أن يستجيب له».