منظور سعودي جديد لأمن المنطقة

مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن
* يمكن قراءة المبادرة السعودية لتأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن إدراكا من جانبها لأهمية هذا الممر المائي الدولي الذي يحظى بمكانة جيواستراتيجية إقليمياً ودولياً
* البحر الأحمر ينقل نحو 60 % من الاحتياجات الأوروبية من الطاقة، ونحو 25 % من الاحتياجات الأميركية من البترول الخليجي
* من يستطيع السيطرة على البحر الأحمر بمضائقه الحاكمة وجزره المسيطرة، يستطيع أن يؤثر في السياسات الدولية اقتصادياً وعسكرياً

باكو: في خطوة مهمة، شهدت المملكة العربية السعودية في السادس من يناير (كانون الثاني) 2020 توقيع وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن على ميثاق تأسيس المجلس الذي ترجع بدايات تأسيسه إلى ديسمبر (كانون الأول) 2018 حينما استقبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بمكتبه وزراء خارجية الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن بمدينة الرياض آنذاك والتي ستصبح مقرًا للمجلس، حيث جرى الحديث عن آفاق التعاون بين تلك الدول ودور إقامة كيان مشترك يُسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتجارة والاستثمار في هذه المنطقة الحيوية المهمة. وأشارت وزارة الخارجية السعودية في ذلك الوقت إلى أن: «الكيان الذي جاء بمبادرة من الملك سلمان يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وإيجاد تناغم في التنمية بين الدول في هذه المنطقة الحيوية والحساسة، كما يهدف إلى حماية التجارة العالمية وحركة الملاحة الدولية، وتعزيز الأمن والاستثمار والتنمية لدول الحوض».
ويأتي التوقيع على ميثاق التأسيس اليوم تمهيدا لرفعه إلى قادة الدول المشاركة خلال اجتماع قمة يعقده العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز للبدء في إطلاق عمل المجلس الذي يعكس تأسيسه الرؤية الاستراتيجية للمملكة في سعيها للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها في ظل تزايد مستويات المخاطر والتهديدات التي تحيط بها من مختلف الجوانب.
وغني عن القول إنه إذا كان صحيحا أن التصعيد هو التوجه الأكثر بروزا في المشهد الإقليمي الراهن خاصة ما بعد مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، إلا أنه من الصحيح كذلك أن مواجهة هذا التصعيد تحتاج إلى مزيد من التعقل من جانب الأطراف الأكثر فهما لمخاطر هذا التصعيد وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر بما يحملانه من توجهات رافضة للصراعات ومدافعة عن أمن المنطقة واستقرارها من خلال رفض التدخلات الإقليمية والدولية في شؤون دولها، وهو ما يتطلب العمل على أن تقوم دول المنطقة بمهام حماية أمنها عبر تعزيز تعاونها المشترك في رصد التهديدات ورسم خطط المواجهة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة المبادرة السعودية لتأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن إدراكا من جانبها لأهمية هذا الممر المائي الدولي الذي يحظى بمكانة جيواستراتيجية إقليميا ودوليا، خاصة أن المملكة العربية السعودية هي التي تمتلك أطول الشواطئ على هذا البحر، تليها مصر، الأمر الذي دفعهما إلى اتخاذ خطوة مهمة في سبيل تنظيم استغلاله وكيفية حماية أمنه، من خلال ضرورة وجود تنظيم إقليمي مشترك للدول المطلة عليه على غرار ما هو موجود في كافة الممرات البحرية الأخرى، إذ إنه من الصعوبة بمكان عدم وجود كيان إقليمي مشترك يحمي حقوق الدول المطلة على البحر الأحمر ويصون ثرواته وينظم استغلالها، وهو ما تجسد في المبادرة السعودية بإنشاء تجمع عربي أفريقي للدول المطلة على البحر الأحمر تحت اسم «مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن»، وهو ما يستعرضه هذا التقرير من خلال المحاور الاتية:
 
أولا: البحر الأحمر... ممر مائي ذو أهمية جيواستراتيجية
ليست مبالغة القول إن البحار والمحيطات اكتست أهمية استراتيجية كبرى في كافة مراحل التطور الإنساني، سواء لكونها ممرات مائية مهمة بين القارات والدول، أو لاعتبارها مجالا لطرق تجارية ومسارات اقتصادية، بل زادت تلك الأهمية في الآونة الأخيرة مع اكتشاف أهمية أعماقها بما تحتويه من ثروات كثيرة، فضلا عن كونها ممرات لأنابيب النفط والغاز أو لكابلات الاتصالات السلكية.
ومن هذا المنطلق، حرصت الدول كافة على السعي إلى امتلاك واجهات بحرية أو الوصول إلى المنافذ البحرية، إدراكا لتلك الأهمية التي تتزايد مستقبلا بغض النظر عن حجم تلك المنافذ وأيا كانت صورتها الطبيعية. وإذا كان هذا الأمر ينطبق على البحار والمحيطات على وجه العموم، فإنه ذو أهمية خاصة للبحر الأحمر الذي يكتسب أهمية مضاعفة مقارنة بالكثير من البحار والمحيطات نظرا لموقعه الجيواستراتيجي، إذ إنه ملتقى ثلاث قارات، وحلقة الوصل بين ثلاث مناطق إقليمية مهمة هي: «الشرق الأوسط»، والقرن الأفريقي، ومنطقة الخليج. وتطل عليه ثماني دول، هي: المملكة العربية السعودية، مصر، السودان، الأردن، اليمن، جيبوتي، الصومال، إريتريا. وهو ما يمكن أن نطلق عليه بحرًا عربيًا، حيث إن كل الدول المشاطئة هي دول عربية، ما عدا إريتريا والتي تتمتع بعضوية مراقب في الجامعة العربية. كما أن مجمل جزر البحر الأحمر هي جزر تمتلكها دول عربية.
وعليه، يمكن أن نُجمل الأهمية الجيواستراتيجية للبحر الأحمر في النقاط الآتية:
يمثل البحر قناة وصل بين البحار المفتوحة شمالاً، عبر البحر المتوسط وقناة السويس، والبحار المفتوحة جنوبًا، عبر باب المندب إلى خليج عدن فالمحيط الهندي. وتزيد وظيفته هذه من أهميته الاستراتيجية، خاصة من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، حيث يختصر آلاف الكيلومترات أمام حركة الملاحة البحرية لنقل البضائع، والبترول، والغاز، فبدلاً من الدوران حول القارة الأفريقية، حيث تصل التقديرات إلى أنه يمر عبره بضائع وسلع بنحو 2.5 تريليون دولار سنويا، أى ما يمثل نحو 13 في المائة من التجارة العالمية.
خط الوصل المهم لنقل النفط الخام من مصادر إنتاجه من منطقة الخليج العربي إلى أوروبا والولايات المتحدة، إذ ترى بعض التقديرات أن البحر الأحمر ينقل نحو 60 في المائة من الاحتياجات الأوروبية من الطاقة، ونحو 25 في المائة من الاحتياجات الأميركية من البترول الخليجي. فمكانة الخليج العربي وثقله الاقتصادي يعتمد على باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما يعني أن أمن الطاقة العالمي (إنتاجا وتسويقا) يرتبط بأمن البحر الأحمر.
يحظى البحر الأحمر بمكانة رئيسية في المبادرة الصينية العالمية «الحزام والطريق» تلك المبادرة التي تستهدف من خلالها الصين إعادة رسم خريطة التجارة العالمية.
الأمن القومي العربي بصفة عامة، وأمن البلاد المطلة على البحر الأحمر وأمن القرن الأفريقي بصفـة خاصة، هذه الدوائر الأمنية متصلة ومتداخلة، ومركز ثقلها الاستراتيجي هو البحر الأحمر.
متاخمة البحر الأحمر لوحدات سياسية مختلفة، وهي وحدات ليست سياساتها متطابقة بالضرورة، بل هي متضاربـة في أغلب الأحيان، إضافة إلى مجاورة البحـر الأحمـر لكثير من المناطـق الحساسة ذات التأثير الحيوي، مثل منابع النيل وروافده، والأماكن المقدسة الإسلامية، ومنطقة الإنتاج النفطي. يزيد ذلك كله من الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.
في ضوء هذه الأهمية أضحت تلك المنطقة منطقة جذب للقوى الدولية الكبرى والإقليمية سعيا لتحقيق مصالحها وأهدافها، الأمر الذي جعل المنطقة ساحة للصراعات والنزاعات السياسية بل والعسكرية، اقتناعا من هذه الدول بأن من يستطيع السيطرة على البحر الأحمر بمضائقه الحاكمة وجزره المسيطرة، يستطيع أن يؤثر في السياسات الدولية اقتصاديا وعسكريا.
 
ثانياً: مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن... الأهمية والأهداف
«إن توقيع وزراء خارجية مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن على ميثاق التأسيس يأتي استشعارًا من القادة بأهمية التنسيق والتشاور حول الممر المائي الحيوي الذي يمثل أهمية اقتصادية وتجارية واستثمارية، ليس للدول فحسب بل للاقتصاد العالمي بأكمله، بوصف البحر الأحمر المعبر الرئيسي للتجارة العالمية بين دول شرق آسيا وأوروبا... ونحن في أمس الحاجة لتعزيز قواتنا لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بنا»، بهذه الكلمات عبّر الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي عن أهمية البحر الأحمر وضرورة التنسيق بين دوله المشاطئه لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحيق بدول المنطقة وأمنها، حيث تحددت أهداف هذا المجلس في ثلاثة أهداف، تمثلت فيما يأتي:
- مواجهة المخاطر المشتركة
- حماية حركة التجارة والملاحة
- تعزيز القدرات الأمنية والعسكرية
وغني عن القول إن ما تصبو إليه هذه المبادرة من أهداف من شأنها تعزيز آليات الاستقرار والتعاون والتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر والمنطقة بأكملها، بما يعود بالفائدة عليها وعلى شعوب المنطقة كما جاء في بيان وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية التي رحبت بتأسيس المجلس الذي يعكس جهود الدبلوماسية السعودية ودورها المحوري في حفظ الأمن والاستقرار في تلك المنطقة ذات الأهمية الجيواستراتيجية عالميا.
ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلس لن يكون بديلا عن مجلس التعاون الخليجي طبقا لما أكده وزير الخارجية السعودي بقوله: «إنه لن يكون موازيًا لمجلس التعاون». ولكن، رغم ذلك لم تتضح صورة هذا المجلس، إذ لم تُنشر مواد الميثاق وبنوده لمعرفة شكل المجلس الجديد وآلية عمله، إذ اقتصر الأمر على ما أشار إليه وزير الخارجية السعودي بقوله: «إن المجلس يتمثل في منظومة عمل مشترك، وسيكون له أمناء واجتماعات، إضافة إلى اجتماعات قمة، ويشكل مبادرة للتنسيق والتعاون ستشمل جميع المجالات»، دون إعطاء أي تفصيلات عن شكل هذه الاجتماعات وآلية عملها وطبيعة قراراتها.
 
ثالثاً: الأمن المشترك في البحر الأحمر... تحديات وسبل المواجهة
يواجه أمن البحر الأحمر تحديات عدة ما بين صراعات داخل بعض الدول المطلة عليه، وتدخلات خارجية في شؤون بعض تلك الدول، إلا أن أبرز التحديات التي يواجهها البحر الأحمر هو التواجد الأجنبي المتزايد، فإلى جانب التواجد الأميركي والصيني في تلك المنطقة اقتصاديا وعسكريا، هناك التواجد الفرنسي والروسي والياباني وإن كان بدرجات أقل. فضلا عن الوجود الإسرائيلي من خلال تحالفات مباشرة وغير مباشرة، كذلك هناك التواجد الإيراني حيث توجد لها مصفاة لتكرير البترول في ميناء عصب الإريتري وحامية عسكرية تحمي تلك المصفاة، وكذلك التواجد التركي المتمثل في تنفيذ مشاريع عدة في السودان، ومنها تطوير ميناء وجزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر، وتتولى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترة زمنية لم يعلن عنها، ومشاريع أخرى في الصومال ودول أفريقية أخرى.
وفي مواجهة هذه التحديات والتهديدات، تبرز أهمية تأسيس مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، حيث يمثل الخليج امتدادا طبيعيا وتماثلا جيولوجيا للبحر، وذلك انطلاقا من أن مسؤولية حماية أمن المنطقة واستقرارها يستوجب التعاون بين دولها في المجالات كافة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا وثقافيا وبيئيا، وهو ما يتطلب العمل على ما يأتي:
- الإسراع في إنهاء كل الإجراءات الإدارية والتنظيمية والتشريعية واللوجستية لتفعيل هذا المجلس، خاصة فيما يتعلق باستكمال هياكله التنظيمية على وجه السرعة إذا أريد لهذا المجلس أن يلعب دورا في خضم الأزمات التي تواجهها المنطقة في الوقت الراهن حتى لا يتحول إلى مجرد كيان شكلي دون أن يكون له دور عملي في مواجهة التحديات والتهديدات.
- تشكيل آلية قانونية تابعة لهذا المجلس تتولى مراجعة ومتابعة الوضع القانوني للبحر الأحمر وخليج عدن، وحقوق الدول المشاطئة له في السيادة على مياهها وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 وقرارات محكمة العدل الدولية فيما يخص قانون البحار.
- الأسراع بوضع برنامج عمل استراتيجي لحماية البيئة في تلك المنطقة لضمان تحقيق التنمية المستدامة للموارد الساحلية والبحرية ولاحتواء مخاطر النشاطات البشرية والصناعية والنفايات والاستنزاف العشوائي والصيد الجائر وتسرب النفط وغيرها من التهديدات البيئية لأمن وسلامة الممر المائي.
- إنشاء مناطق تجارة حرة مختارة وموزعة على الدول المطلة على البحر الأحمر، وذلك على غرار المناطق الحرة العالمية (دبي - هونغ كونغ).
نخلص من كل ما سبق إلى القول بأن البحر الأحمر كممر مائي حيوي يحظى باهتمام دولي بأمنه وسلامته، نظرا لدوره عالميا وإقليميا، حيث يلعب دورا مهما في ضمان الأمن والسلم الدوليين بما يمثله من همزة وصل بين الشرق والغرب، ويأتي تشكيل مجلس الدول المطلة عليه والمعروف اختصارا باسم «ارسقا» كمنظومة عمل مشترك للتنسيق والتعاون، تستهدف تكثيف الجهود الإقليمية لتعزيز الأمن والاستقرار في تلك المنطقة عبر تأمين الدول المشاركة لحدودها البحرية ومعابرها الاستراتيجية، هذا من ناحية، وتطوير اقتصاداتها وتنميتها عبر تعظيم حجم التجارة والاستثمار بها من ناحية أخرى، بما يعود بالنفع على دولها وشعوبها كافة.