التخطيط في واشنطن وطهران ... والتنفيذ داخل الأرض العربية

مخاوف من استغلال أزمة سليماني لملء الفراغ الأميركي

* ملء فراغ الأميركان في العراق أبرز المكاسب الإيرانية

* تخوفات من تهديد أمن الخليج جراء الصراع بين أميركا وإيران

*نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية: ترك الساحة العراقية لإيران كارثة

*الأجنحة الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان ليست بعيدة عن حلبة الصراع

* حضور المحسوبين على إيران وغياب معارضيها من مشهد سليماني يزيد من علامات الاستفهام

* حساب المكاسب والخسائر من مقتل سليماني يصب في صالح إيران

* التخطيط الإيراني للسيطرة على الهلال السني في الشرق الأوسط مستمر منذ عقود

* طهران تسعى لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية جراء حادث سليماني

 

 

القاهرة: فتحت الاشتباكات السياسية الجارية على الساحة الإقليمية في الشرق الأوسط بعد اغتيال القوات الأميركية للواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الباب أمام الكثير من التكهنات عن الكاسب والخاسر من هذا الحادث، ورغم ما يبدو على سطح الأحداث من الخسارة الرهيبة لطهران بعد فقدان واحد من قياداتها القوية والمؤثرة في الإقليم إلا أن مزيدا من التأمل في المشهد يؤشر لتحقيق إيران للكثير من المكاسب السياسية والعسكرية خاصة مع إمكانية توغل القوات الإيرانية في الدول العربية سواء بشكل مباشر أو عن طريق أذرعها العسكرية والسياسية وذلك بعد انسحاب القوات الأميركية الذي يجري الحديث عنه داخل أروقة السلطة في واشنطن، وكذلك سعي طهران لمزيد من تدعيم نفوذها في كل من العراق وسوريا ولبنان لتأكيد تنفيذ استراتيجياتها، والتلويح باستمرار وجودها كعنصر فاعل ومؤثر داخل الإقليم خاصة مع التخبط الذي يحيط بالعمليات السياسية في كل من العراق ولبنان، وضبابية الوضع السوري، هذا بالإضافة إلى استمرار الحوثيين كشوكة في حلق اليمن بالجنوب العربي، ولا يعد تهديد أمن الخليج العربي بعيدا عن الأزمة خاصة مع سابق استهداف إيران للملاحة البحرية وحقول النفط سواء بشكل مباشر أو من قبل أذرعها العسكرية.

 

هلال سني

عملية التخطيط الإيراني للسيطرة على الهلال السني في الشرق الأوسط والمستمرة منذ عقود من الزمان يستحيل تلاشيها بسهولة بعد الحديث عن تأثير اغتيال القوات الأميركية للقائد الإيراني قاسم سليماني حيث إن فكرة السيطرة البرغماتية الإيرانية لا تعتمد على فرد واحد مهما بلغ تأثيره في الإقليم، وهو ما يؤكد أيضا وجود موجه قوي في طهران يمثل رأس السلطة المحرك للأحداث وهو المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي يعاونه الكثير من أذرع الثورة الإيرانية في طهران وخارجها من خلال أذرعه السياسية والعسكرية.

السلطة السياسية في طهران من واقع التجارب معها في الإقليم ستسعى بلا أدنى شك لتحقيق المزيد من المكاسب في المنطقة جراء الحادث، بل وستسعى لاستغلاله بأفضل صورة ممكنة لملء فراغ القوات الأميركية في حال انسحابها الكلي أو الجزئي من العراق خاصة بعد تصويت البرلمان العراقي على رحيل القوات الأجنبية من العراق، وهو ما قد يفتح الساحة لاستبدالها بالقوات الإيرانية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما قد يزيد الأمور تعقيدا بالنسبة للدولة العربية التي تئن منذ أكثر من عقد ونصف تحت وطأة القلاقل والاضطرابات وعدم الاستقرار، خاصة مع التواجد الإيراني بداخلها من خلال الأذرع السياسية وليس فقط العسكرية، وسيكون كالعادة التخطيط في طهران من خلال العقل المفكر خامنئي والتنفيذ في الهلال السني في كل من العراق ولبنان وسوريا مستغلة في ذلك تداعيات الأزمة الراهنة والترقب الأميركي لعمليات الرد الإيرانية هنا أو هناك، وكذلك قوة الرد وزمنه، وكذلك استمرارية الرد من خلال فترات زمنية متباعدة وهو ما يسمح لطهران بتحقيق المزيد من المكاسب من خلال هذا السيناريو الذي لن يعرف من خلاله العالم أين وكيفية وزمن الرد، خاصة مع انتشار القوات الأميركية في الإقليم، بل وفي أماكن متعددة حول العالم.

ويتخوف المراقبون من الرد الإيراني في العراق وذلك باستهداف القوات الأميركية بهدف إخراجها خاصة بعد تصويت البرلمان العراقي، وهو ما قد يضع العراق في المزيد من الأزمات، وقد يدفع الولايات المتحدة الأميركية برد حاسم وقوي سواء داخل العراق أو في الداخل الإيراني نفسه، وقد يثير المزيد من الأزمات السياسية خاصة مع التداخل بين الفصائل العراقية من سنة وأكراد وشيعة، وانقسام البرلمان العراقي إلى ألوان طيف متعددة كل منهم يؤيد فصيلا بعينه ويحرص على تدعيمه.

ويثار التخوف كذلك من استهداف طهران للقطع البحرية ومن بينها ناقلات النفط، أو القواعد الأميركية الموجودة بالخليج، وكذلك حقول النفط، وتطور الأمور لتخرج عن نطاق السيطرة، خاصة أن القوات الأميركية الموجودة بالمنطقة لن تقف ساكنة في حال تعرضت للهجوم الإيراني، وبصرف النظر عن كيفية وزمان ومكان الرد الإيراني يبقى الوضع متوترا في المنطقة، ومرشحا للمزيد من التوتر خاصة مع الاشتباكات السياسية والعسكرية والتي لا يستطيع أحد توقع تداعياتها المستقبلية.

 

حجج إيرانية

الدكتور مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية قال لـ«المجلة»: «إيران سوف تخرج بلا شك منتصرة في هذا الصراع، ولا شك أن خطورة النتائج المترتبة على هذا الصراع أن تترك العراق في يد إيران كاملة، وأن تتخلى الولايات المتحدة الأميركية طوعا أو كرها عن مواقعها داخل العراق لتصبح العراق كاملة بيد إيران، فطهران لديها الحجج التي تستطيع الرد من خلالها على الولايات المتحدة الأميركية، وقضية الرد هنا ليست في الداخل الأميركي، وإنما مع الدول التي تمتلك علاقات خاصة بالولايات المتحدة الأميركية، والخشية أن يكون الخليج مستهدفا من قبل إيران، خاصة الدول التي تمتلك قواعد عسكرية أميركية، أو لها علاقات خاصة بالولايات المتحدة الأميركية».

 




الدكتور مختار غباشي

 

حشد شعبي

وتابع الدكتور غباشي: «هناك عنصر مهم وهو الجزء المرتبط بالأجنحة الإيرانية، فالجميع يعلم أن الأجنحة الإيرانية داخل حلبة الصراع وهي حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق وسوريا، والحرس الثوري الإيراني، وشاهدنا أيضا إسماعيل هنية الذي كان موجودا في مراسم دفن قاسم سليماني، وحديثه الأقرب إلى حديث حسن نصر الله في لبنان، والنتيجة المترتبة على مقتل سليماني أن المنطقة العربية على صفيح ساخن، وأن الخشية من الرد الإيراني، أو من الأجنحة الإيرانية أن يتم ذلك في المنطقة العربية، وهذه هي الأزمة الكبرى فالصراع الأميركي الإيراني ليس داخل أرض إيرانية أو أميركية، ولكن للأسف الشديد – والحديث لا يزال للدكتور غباشي - الصراع الأميركي الإيراني يدور رحاه داخل الأرض العربية، ولا نزال نتذكر بالتأكيد الطائرات المسيرة التي ضربت منشآت أرامكو في المملكة العربية السعودية، وتفجير المنشآت النفطية التي أثرت على تصدير النفط السعودي بشكل كبير، وكانت رسائل الحوثيين بشكل غير مباشر إلى الولايات المتحدة الأميركية، فالجميع يترقب آليات الرد الإيراني، وأماكن هذا الرد، وهل ستكون إسرائيل في إطار هذا الرد الإيراني على أميركا؟ وهل سيتهور حزب الله اللبناني ومعه حركة حماس في ردود غير محسوبة على إسرائيل؟ فالملف لا يزال مفتوحا والمواجهة مفتوحة، والجميع يترقب آليات الرد، ولكن سوف يكون هناك رد، والموضوع لا يزال مفتوحا».

 

مكاسب سياسية

وحول استغلال هذا الترقب لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية في المنطقة أضاف الدكتور مختار غباشي: «أقل المكاسب السياسية تحقيقا لإيران هو اتخاذ البرلمان العراقي قرارا بخروج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية لن تخرج بسهولة من العراق، إلا أنه وتحت وطأة الضغوط التي تمارس عليها، وترقب أميركا من الممكن أن تترك أماكن كثيرة في العراق، وأي مكان ستقوم بالإنسحاب منه هو في مصلحة إيران، وقد تكون إسرائيل جزءا من هذه المواجهة باعتبارها يد الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، ومن الممكن أن يكون الرد على إسرائيل وهذا سيناريو وارد، والجزئية الأخرى أن الدول صاحبة العلاقة بأميركا إلى حد ما في موقف الترقب وآليات الرد، وخاصة دول الخليج العربي، وكذلك الساحتان اللبنانية والسورية ستكون ملتهبة في انتظار رد الفعل الإيراني، هي كلها مكاسب لإيران، فتوظيف إيران لمقتل سليماني توظيف على أعلى مستوى من خامنئي الذي بكى وهو يودعه مرورا بكل أركان النظام الإيراني وصولا إلى الشارع الملتهب، وصولا إلى الأجنحة الإيرانية في المنطقة، فكلمات حزب الله والحشد الشعبي لكل من حسن نصر الله، وقيس الخزعلي، وفالح الفياض، وحميد الجزائري، وهادي العامري، وكل من يحسبهم المحللون على إيران ردودهم تحمل في طياتها تهورا، وهم خارج إطار الدولة بدرجة كبيرة، فالكثير منهم ميليشيات مسلحة ومدربة، وولاؤها الكامل لإيران وردودها غير محسوبة».

 

سيناريوهات إيرانية

القوات التي يعتبرها المحللون موالية لإيران داخل البرلمان العراقي حاولت استغلال اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني لدعم مرشحهم لمنصب رئاسة الوزراء العراقية وكبديل لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي وذلك من خلال ما يسمى «تحالف البناء» داخل البرلمان والذي قام بإجراء مشاورات مع أحد الجنرالات المتقاعدين وهو عبد الغني الأسدي القائد الأسبق في جهاز مكافحة الإرهاب لتقديم اسمه لبرهم صالح رئيس الجمهورية العراقية حتى تتم تسميته لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ورغم ما يثار عن اتفاق «تحالف البناء» مع الأسدي إلا أن الأمر لا يزال معلقا في انتظار تصويت البرلمان خاصة مع ما يتردد عن موافقة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي يسيطر على كتلة كبيرة داخل البرلمان العراقي، وهو ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام، ويزيد من الترقب داخل الساحة العراقية خلال الفترة القادمة خاصة مع نفي بعض المقربين من التيار الصدري لهذا الدعم في ظل مناصرة التيار للاحتجاجات والمظاهرات الشعبية وذلك في محاولة ربما للنأي عن دعم مرشح معين قد لا يلقى قبولا من الكثيرين، وهو ما اتضحت ملامحه من خلال رفض المحتجين لتجربة الأحزاب الموجهة لهذا أو ذاك من التيارات، وكذلك إشارات بعض السياسيين لرفضهم الخلفيات المسبقة للمرشحين وتلويحهم لمشهد تشييع قاسم سليماني وحضور المحسوبين على إيران فقط وغياب المعارضين لها.

تهديد ووعيد

التهديد والوعيد كان سمه الرسائل الإعلامية بين أميركا وإيران عقب استهداف القوات الأميركية اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، حيث رد الرئيس الإيراني حسن روحاني على الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد تحذيره طهران من القيام بضربات جديدة ضد الأميركيين في المنطقة، بعد أن قال روحاني إن الذين يتحدثون عن الرقم 52 (وهو تأكيد الأميركان برصد 52 موقعا داخل إيران سيتم استهدافها عسكريا من قبل القوات الأميركية في حال تعرضت قواتها وعناصرها الموجودة في المنطقة لأي هجوم من إيران) عليهم تذكر – والحديث لروحاني – الرقم 290 (وهو إشارة لضحايا الطائرة المدنية الإيرانية التي أسقطتها الولايات المتحدة الأميركية عام 88 وإعلان إيران عن نيتها وقف الحرب مع العراق آنذاك)، ولم يلبث ترامب أن أعلن أن الرقم 52 يمثل عدد الأميركيين الذين احتجزوا كرهائن في السفارة الأميركية في طهران عام 1979. وأن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد مزيدا من التهديدات الإيراني.

 

توتر كبير

وازداد التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بعد العملية العسكرية الأميركية التي استهدفت فيها اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وكذلك أبو مهدي المهنس نائب رئيس الحشد الشعبي أثناء تواجدهما في بغداد، وتم استهداف المنطقة الخضراء وسط العاصمة العراقية والتي تضم عددا من الجنود الأميركيين ولم يتعرض أي منهم لإصابات جراء الهجوم.

وزاد من الأزمة بين أميركا وإيران المظاهرات الشعبية داخل العراق والتي زاد من سخونتها التدخل الإيراني عبر الميليشيات العراقية في محاولة للقضاء على الاحتجاجات، والمطالبة برحيل طهران عن المشهد العراقي، وقتل قناصة مجهولين للمتظاهرين الذين رد عدد منهم بإحراق القنصليات الإيرانية في المدن الشيعية النجف وكربلاء، وإحراق صور المرشد الأعلى وقاسم سليماني، فيما تم قصف محيط السفارة الأميركية في العراق بالصواريخ مما تسبب في قتل جندي أميركي وجرح آخرين، وتم بعد ذلك إضرام النيران في السفارة الأميركية في العراق مما زاد الوضع اشتعالا بين الجانبين بعد قصف أميركا لأحد المراكز العسكرية الإيرانية على الحدود العراقية السورية، ثم اشتعال الصراع بشكل أكبر بعد قصف طائرات الدرونز المسيرة لموكب قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني واستهدافه وهو ما كان له أكبر الأثر في اشتعال الموقف.