الجزائر… حكومة جديدة وإفراج عن سجناء الرأي

الرئاسة أعلنت عن لجنة لتعديل الدستور
* الرئاسة الجزائرية أعلنت في مؤتمر صحافي للناطق الرسمي للرئاسة بلعيد محند أوسعيد عن تشكيلة الحكومة الجديدة المؤلفة من 39عضواً، بينهم خمس نساء، وأصغر عضو فيها يبلغ26عاماً
* أهم ما يميز التشكيل الحكومي الجديد إلى جانب هُوية أعضائه، بعث دوائر وزارية قديمة، وإنشاء أخرى جديدة في شكل وزارات منتدبة أو ملحقة
* ومع الإعلان عن الحكومة شهد الشارع السياسي نقاشاً واسعاً بشأن قدرة هذا الفريق على مواجهة التحديات التي تواجهها البلاد، ومدى استجابة الرئيس لمطالب الشارع بحكومة توافق وكفاءات
* أسندت مهمة التعديل إلى لجنة خبراء يرأسها الخبير القانوني أحمد لعرابة، وستتولى اللجنة حسب البيان تحليل وتقييم كل جوانب تنظيم وسير مؤسسات الدولة
 

الجزائر: أُفرج أخيرًا بالجزائر عن تشكيلة الحكومة الجديدة، ورغم أن الآمال كانت معقودة على حكومة تُترجم واقعيًا آمال وتطلعات الجزائريين في تغيير جذري وعميق لمنظومة الحكم لما بعد الثورة، فإن التشكيل الحكومي المُعلن عنه أثار الكثير من النقاش والجدل بين رافض ومُرحب، خاصة أنها تضمنت أسماء قديمة كانت ضمن تشكيلات حكومية تعمل تحت وصاية الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

وبالحديث عن التشكيل الحكومي، فرغم أن الوزير الأول الجديد عبد العزيز جرّاد كان أمينًا عامًا لرئاسة الجمهورية في عهد الرئيس الأسبق اليامين زروال، ومستشارًا دبلوماسيا، وإطارًا سابقًا بالخارجية الجزائرية، إلا أن تكوينه الأكاديمي، ومنصبه الأخير كأستاذ في العلوم السياسية شفع له لدى قطاعات عريضة من الجزائريين، واعتبر كثيرون منهم أن تخلصه من جلباب السلطة، وتدثره بجلباب الأكاديمي والتكنوقراطي خطوة تشفع له بقيادة الجهاز التنفيذي خلال الفترة الراهنة، والتي تتسم بكثير من الرهانات والتحديات تتطلب عقلانية وواقعية في التعاطي مع المشهد بعيدا عن التجاذبات الحزبية.

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت في مؤتمر صحافي للناطق الرسمي للرئاسة بلعيد محند أوسعيد عن تشكيلة الحكومة الجديدة المؤلفة من 39عضوا، بينهم خمس نساء، وأصغر عضو فيها يبلغ 26عاما، ويتعلق الأمر بـياسين وليد الذي عُيّن وزيرا منتدبا للمؤسسات الناشئة، وعمل بعض الوزراء المعينين في حكومة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وهم وزيرا الخارجية والعدل صبري بوقادوم وبلقاسم زغماتي، بالإضافة إلى وزيري المجاهدين والشؤون الدينية والأوقاف، في حين تميز الفريق الحكومي الجديد بعدد كبير من الأسماء الجديدة وكفاءات من غير المتحزبين، وأغلبهم أكاديميون من مختلف الجامعات الجزائرية، كما تضمن الفريق الحكومي بعض الأسماء التي كانت محسوبة على الحَرَاك، مثل وزير الصناعة والخبير الاقتصادي فرحات آيت علي.

وأهم ما يميز التشكيل الحكومي الجديد إلى جانب هُوية أعضائه، بعث دوائر وزارية قديمة، وإنشاء أخرى جديدة في شكل وزارات منتدبة أو ملحقة، مثل الفلاحة والبيئة الصحراويتين، الصناعة الصيدلانية، التجارة السينمائية، والصناعة السينمائية والإنتاج الثقافي، ووزارة رياضات النخبة التي أسندت للبطل الأولمبي العالمي سابقا نور الدين مرسلي.

وكان اللافت في تركيبة الحكومة حجب حقيبة نائب وزير الدفاع الوطني، والتي حملها خلال السنوات الأخيرة الراحل الفريق أحمد قايد صالح، وقبله شغل اللواء عبد المالك قنايزية منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع الوطني، وهي الحقائب التي استحدثها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة منذ مرضه الأول عام 2005. وبذلك، يحتفظ تبون بكامل صلاحيات وزير الدفاع وفق ما يخوله الدستور.

 




الحراك مستمر (تصوير ياسين بودهان)

ومع الإعلان عن الحكومة شهد الشارع السياسي نقاشا واسعًا بشأن قدرة هذا الفريق على مواجهة التحديات التي تواجهها البلاد، ومدى استجابة الرئيس لمطالب الشارع بحكومة توافق وكفاءات، تُنهي القطيعة مع ممارسات النظام السابق، ما يفسّر تباين ردود الفعل تجاه التوليفة الحكومية المعلنة، بين من رفضها واعتبرها استمرارًا لنظام بوتفليقة، ومن رحب بها واعتبرها خطوة أولى من خطوات التغيير الشامل والذي يجب أن يكون سلسًا وهادئًا، وهذا الفريق يعتبر أن هذه الحكومة بمثابة حكومة تصريف أعمال تقوم بتهيئة المناخ العام لإقرار تعديلات عميقة في الدستور، وانتخاب مؤسسات جديدة، وإطلاق حوار وطني شامل يُسفر عن حكومة وفاق وطني وكفاءات.

وحسب الكاتب والإعلامي عبد الحميد عثماني فإن «من الطبيعي أن تتباين ردود الفعل السياسية والاجتماعية تجاه الفريق الوزاري الجديد، وما رافق إعلانها من تعليقات سلبية وأحيانا متفائلة»، ذلك برأيه «يعدُّ مؤشرا إيجابيا على عودة المواطن إلى الانخراط في الفعل السياسي بعد حراك 22 فبراير (شباط)، ودليلا على اهتمامه البالغ بإدارة الشأن العام بكل أبعادها، لإدراكه أن الخيارات المناسبة للرجال في مواقع المسؤولية هي البداية الصحيحة لتحقيق التطلعات المشروعة، وأي إخفاق أو سوء تقدير سيدفع ضريبته من حقوقه المادية والمعنوية».

وفي مساهمة له نشرها عبر صفحته الرسمية في «فيسبوك» يقرّ عثماني أنّ «تسمية بعض الشخصيات في حكومة عبد العزيز جرّاد قد أثارت الاستغراب وعلامات الاستفهام في دوافع التعيين والمبتغى من ورائه، كما تركت الهيكلة الموسعة للجهاز التنفيذي حيرة لدى آخرين». لكنه يوضح أنه «من الضروري أن نتفق أنّ شروط النجاح في الوظيفة الوزارية هي الجمع بين مؤهلات التكوين السياسي والمسار الإداري أساسًا، ومن البديهي أن يكون التخصص العلمي والمهني مساعدا في استيعاب القطاع، وليس العكس مثلما يتوهَّم البعض بشأن قيمة الشهادات العليا في المناصب الحكومية السامية». ويتابع: «يجب الإقرار بأنّ أمر الحكومة مهما كانت أسماؤها وهيكلتها ستثير مواقف منتقدة لدى البعض، لاعتبارات موضوعية وأخرى ذاتية خاصة، لكن العبرة في الحكم عليها هو بما يطغى من قراءة المختصِّين المستقلّين الأكفاء، وفق متطلبات المرحلة الملحّة ورهاناتها الوطنية في مختلف الاستحقاقات». لذلك، فإنّه وبعيدا عن حق إبداء الرأي في النقاش العام، وجب مبدئيا برأيه «احترام خيارات رئيس الجمهورية المكفولة له دستوريّا وعرفيّا، من حيث تعيين الأفراد، سواء في أسمائهم أو أفكارهم أو مواقفهم أو توجهاتهم، شريطة أن تنسجم في عمومها مع التعهدات الانتخابية وتستجيب في النهاية إلى تجسيد تلك الالتزامات التي وصل بموجبها إلى سدة الحكم».

بناء على ما سبق يعتقد أن «هويّة الحكومة، حزبية أو مستقلة، تكنوقراطية أو سياسية، وكذلك تركيبتها الفردية من حيث المؤهلات أو المسارات وحتى الانتماءات الجغرافية تخضع لرؤية شاملة، يستهدفها الرئيس سياسيا واجتماعيّا واقتصاديا، ضمن آجال زمنية محددة، تغطي معالجة أولويات قصوى وتسوية ملفات يقدّرها هو، حسب خطة رئاسية للإصلاح والتغيير». غير أنّ ذلك لا يعني برأيه «إعفاء الرئيس من المساءلة الشعبية والمحاسبة السياسية لاحقا، بل على العكس تماما سيُلقي عليه عبئا ثقيلا في تحمل نتائج خياراته بكل تفاصيلها، باعتباره رأس السلطة التنفيذية، يحتل فيها موقع الآمر الناهي، وقد منحه الدستور كامل الصلاحيات».

لقد عانت الجزائر حسب عثماني «خلال عهد النظام السابق، عن طريق أبواق إعلامية وساسة مأجورين، من تنزيه رئيس ليس مسؤولا عن شيء، مقابل شيطنة مسؤولين تحت سلطته المطلقة، لإيهام الشعب أن الرجل قائدٌ ملهم ورجاله عاجزون عن مجاراته، لكن الحقيقة هي أنّهم من طينة واحدة، ومسؤولية التعثر مشتركة بينهم، بل إنه يتحملها كاملة أمام التاريخ».

وفي خطوة اعتبرت ضمن إجراءت التهدئة التي كان يطالب بها الحَرَاك الشعبي قبل الشروع في أي حوار وطني شامل، تم ساعات قبل الإعلان عن الحكومة الجديدة الإفراج عن العشرات من معتقلي الرأي في الكثير من المدن الجزائرية، وفي مقدمتهم المجاهد المعروف لخضر بورقعة، وكان محامي المعتقلين عبد الغاني بادي أعلن يوم الخميس الثاني من يناير (كانون الثاني)أن الإفراج عن موكله قد تم اليوم، ويُتوقع أن تتم محاكمته في 12مارس (آذار) المقبل وهو في حال الإفراج المشروط، وجرى إيداع بورقعة البالغ من العمر 80 عامًا في 30 يونيو (حزيران) الماضي، بتهمة «إضعاف معنويات الجيش»، ومنذ تنصيب تبون كرئيس جديد للجزائريين في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن أكثر من 30 معتقلا، وتتوقع مصادر أن تتواصل عملية الإفراج على باقي المعتقلين وأبرزهم الناشط السياسي المعروف كريم طابو وسمير بلعربي وغيرهم، تمهيدًا لإطلاق الحوار الوطني.

وبينما كان الجزائريون ينتظرون الإعلان عن تفاصيل هذا الحوار وتاريخ بداية جلساته، أعلنت الرئاسة الجزائرية من خلال بيان عن تشكيل لجنة خبراء للشروع في تعديل الدستور، وهو التعهد الذي كشف عنه الرئيس تبون في أول خطاب له أمام الجزائريين، حينما قال إنه سيقوم بتعديل عميق للدستور في الأسابيع الأولى من عمر عهدته الانتخابية.

وحسب بيان الرئاسة فإن قرار إنشاء لجنة الخبراء هذه جاء «تجسيدا لالتزام كان رئيس الجمهورية قد جعله على رأس أولويات عهدته في رئاسة الجمهورية، ألا وهو تعديل الدستور الذي يعد حجر الزاوية في تشييد الجمهورية الجديدة». وأشار ذات المصدر إلى أن الرئيس «يعتزم القيام بإصلاح معمق للدستور، كما تعهد به، بغرض تسهيل بروز أنماط حوكمة جديدة وإقامة ركائز الجزائر الجديدة».

 




تبون

وحسب البيان فقد أسندت مهمة التعديل إلى لجنة خبراء يرأسها الخبير القانوني أحمد لعرابة، وستتولى اللجنة حسب البيان «تحليل وتقييم كل جوانب تنظيم وسير مؤسسات الدولة، على أن تقدم إلى رئيس الجمهورية مقترحات وتوصيات بغرض تدعيم النظام الديمقراطي القائم على التعددية السياسية والتداول على السلطة، وضمان الفصل الفعلي بين السلطات وتوازن أفضل بينها، وهذا بإضفاء المزيد من الانسجام على سير السلطة التنفيذية وإعادة الاعتبار للبرلمان خاصة في وظيفته الرقابية لنشاط الحكومة»، ومن المتوقع أن تنتهي اللجنة من أعمالها وهي تقرير ومشروع تعديل دستوري في أجل أقصاه شهرين من تنصيبها، بعد ذلك يطرح مشروع القانون للمشاورات بين الطبقة السياسية والمجتمع المدني وفقًا للإجراءات الدستورية، ثم يطرح على البرلمان للمصادقة عليه، وأخيرا يعرض على الاستفتاء الشعبي.

وحددت الرئاسة سبعة محاور للتعديل المرتقب وتتعلق بحقوق وحريات المواطنين، وأخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد، وتعزيز فصل السلطات وتوازنها، إلى جانب تعزيز سلطة الرقابة البرلمانية، وتعزيز استقلالية السلطة القضائية، والمساواة بين المواطنين أمام القانون، وأخيرا التكريس الدستوري لآليات تنظيم الانتخابات.

ورغم أن رئيس اللجنة المكلفة بالدستور البروفسور أحمد عرابة معروف في الأوساط القانونية، لأنه شغل عدة مناصب أبرزها ممثل الجزائر لدى محكمة العدل الدولية في قضية مشروعية بناء جدار العزل في فلسطين، ومستشار قانوني للجزائر في عدة تحكيمات لنزاعات حول الاستثمارات الدولية وعضو لجنة القانون الدولية لهيئة الأمم المتحدة، إلا أن لقاء جرى بينه وبين الوزير الأول المقال والمسجون حاليًا أحمد أويحيى لاستشارته في موضوع تعديل الدستور عام 2014 أثار انتقادات واسعة، واعتبر كثيرون أن إشرافه على مشروع التعديل المرتقب أمر لا يبعث على الاطمئنان، وكتب الناشط السياسي لوز جلال عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» منشور مرفق بصورة اللقاء الذي جمع أويحيى مع لعرابة، واللقاء الذي جمع تبون بأحمد لعرابة قائلا: «واضح أن النظام ممثلا في تبون لا يريد حلولا سياسية للتفرغ بعدها للحلول الاقتصادية، بل ويتجه للمزيد من التجاهل لمطالب الحراك، وها هو يعيد نفس الإجراء الشكلي الذي قامت به العصابة عقب تعيين بوتفليقة في العهدة الرابعة..!»، ويعلق لوز على الصور المرفقة بالقول: «في الصورة يوليو (تموز) 2014أحمد أويحيى يستقبل أحمد لعرابة، من أجل التشاور حول تعديل الدستور. يناير (كانون الثاني)يستقبل  2020تبون أيضا أحمد لعرابة ويكلفه برئاسة لجنة لصياغة مقترحات لمراجعة الدستور.!!!!، على أساس أن الانسداد السياسي الحالي سببه الدستور، وأن الشعب يملأ الشوارع من أجل الدستور..!!!!».

الإعلان عن تشكيل لجنة لتعديل الدستور خطوة اعتبرها البعض متسرعة رغم أنها مطلب شعبي، ويرى البعض أن مشروعا بهذا الحجم لا ينبغي أن يكون إلا بعد حوار وطني جامع، يمكن من الوصول إلى دستور توافقي يمثل كل الجزائريين، وهي الظروف الغائبة حاليًا في ظل استمرار أزمة الثقة بين الشعب والسلطة.

وبالنسبة للدكتور فاتح ربيعي المنسق الوطني لـ(الفضاء الجزائري للحريات) فإن «تعديل الدستور في حد ذاته مطلب شعبي، ومطلب سياسي من طرف الطبقة السياسية منذ 2011»، ولكنه يعتبر أن «تعديلات الدستور التي مرت في المرحلة السابقة كلها كانت تعديلات مخيبة للآمال، بحيث زادت من صلاحيات الرئيس، ومن تغول السلطة التنفيذية، وكانت النتيجة الواقعية التي عاشتها الجزائر»، والانتفاضة الشعبية الكبيرة التي شهدتها الجزائر فيما سمي بـ«حراك 22 فبراير» كانت برأيه «سببا من أسباب تلك التعديلات الدستورية التي تسببت في حالة انسداد للمشهد السياسي».

السؤال الأبرز الآن حسب حديث ربيعي لـ«المجلة» يتعلق بماهية الدستور الذي يتطلع إليه جميع الجزائريين لما بعد الثورة والحَرَاك؟ وهل الأجواء السياسية التي تعيشها الجزائر اليوم مناسبة لهكذا مشاريع سياسية كبرى؟ ويجيب عن سؤاله بالقول: «المطلب في حد ذاته قائم وموجود»، لكن في تقديره «يحتاج إلى توفير أجواء»، وأول تلك الأجواء برأيه «إطلاق حوار جدي مع الطبقة السياسية، ومع مكونات المجتمع، لأجل أن يكون الدستور المرتقب دستورًا لكل الجزائريين، ويكون مقبولاً لكل الجزائريين، لا أن تنفرد به السلطة». وفي تقديره فإنه «حتى وإن كانت اللجنة تضم خبراء قانون يشهد لهم بالكفاءة، إلا أن إشراك الطبقة السياسية، ومكونات الحَرَاك، والمجتمع أمر في غاية الأهمية، لأنه يعطي رسالة لعموم الشعب الجزائري بأن الإصلاحات جدية، وأننا فعلا بصدد الذهاب إلى تعديل دستوري عميق يساعد في ميلاد الجمهورية الجديدة».

وحتى تكون العملية جدية يجب برأيه أن «تعطى الحرية للخبراء في إرساء أسس الديمقراطية المعروفة عالميًا، مثل إقرار مبدأ الفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء، وتكريس حرية الإعلام، ورفع القيود عن العمل السياسي وعمل النقابات، وحرية تشكيل الأحزاب إلى غير ذلك من الممارسات التي يجب أن نكرسها لننهي بذلك القطيعة مع الممارسات السياسية غير المقبولة، والتي دفعت بالجزائريين للخروج إلى الشارع في الثاني والعشرين فبراير الماضي».

وحسب ربيعي فإن «القواعد السابقة قواعد عامة معروفة ينبغي أن تجسد، ويبقى تحديد نوعية النظام السياسي»، وهذا الأمر في تقديره «كان يجب أن يكون محل نقاش واسع حول إشكاليه جوهرية هي هل نتوجه نحو نظام رئاسي؟ أم نظام برلماني؟ أم نظام شبه رئاسي على شاكلة ما هو موجود في فرنسا؟».

ومما يصعب من إيجاد توافق بشأن التعديل الدستوري هو أنه انطلق قبل الحوار الوطني المنتظر، وحتى الحكومة فيها ما يقال برأي ربيعي فهي برأيه «حكومة غير سياسية، بمعنى أنها لم تستند إلى قاعدة من الأحزاب السياسية، حتى إن تلك الأحزاب التي ساندت الرئيس في حملته الانتخابية لم تشارك في الحكومة الحالية»، يتابع: « فإذا انفردت السلطة بالتعديل الدستوري، وتم تمريره عبر البرلمان، فذلك يؤشر على وجود إرادة من السلطة لتجاوز الطبقة السياسية الموجودة في المشهد السياسي، وربما هي تسعى إلى تشكيل طبقة سياسية أخرى جديدة بديلة، لأن تعديل الدستور يقتضي تعديل القوانين الناظمة للحياة السياسية، وبشكل خاص قانوني الأحزاب والانتخابات، وكنتيجة للحراك يمكن أن تتشكل أحزاب سياسية جديدة، وإذا كان التوجه نحو عدم إشراك الأحزاب السياسية في الحوار فيما يخص الدستور، فهي علامة عدم رضا وعدم اطمئنان لما هو موجود، وطعن في مصداقية الطبقة السياسية الحالية، وربما هناك إرادة نحو إعادة تشكيل الحياة السياسية من جديد، وإعادة تشكل الخريطة السياسية وفقا لمخرجات المتغيرات السياسية التي تشهدها البلاد ما بعد 22 فبراير، خاصة أن الرئيس صرح بمساعدة الشباب في تمويل حملاتهم الانتخابية من طرف الدولة ما يشجع ويؤشر بالفعل على إعادة تشكل هذه الخريطة» يختتم ربيعي حديثه.

 




المؤرخ محند أرزقي فراد

وبالنسبة للأكاديمي والمؤرخ محند أرزقي فراد فإن الرئيس تبون «اختار السير على نهج الرؤساء السابقين الذين صنعوا الدساتير السابقة على المقاس، بواسطة لجان خبراء خارج الشرعية الشعبية». وخاطب فراد الرئيس بقوله «أذكّر السيد تبون أن الحراك قد أعطى له فرصة ثمينة ليتبوأ مقعدا في التاريخ إن أحسن استغلالها، لأن الأيام مداولة بين الأنام، فلو دامت لغيره ما وصلت إليه، وما من رئيس إلا سيمضي ويبقي الدهر مواقفه، التي إمّا أن تكون لبنة في بناء صرح الدولة الديمقراطية، أو مصل تلقيحٍ يمدّد من عمر النظام الشمولي الجاثم على الجزائر المخدوعة».
 

وأضاف فراد لـ«المجلة» قائلا: «إن أفضل تصوّر لتعديل الدستور، هو أن تُسند هذه المهمة إلى برلمان جديد يتواجد به شباب الحراك وغيرهم يتمتعون بالشرعية الشعبية، يقومون بدراسة وبتعديل الدستور وبصياغة مشروعه الجديد وفق مطالب الحراك، المعبّرة عن رغبة ملحّة في التحوّل نحو منظومة سياسية جديدة، ذات آليات ديمقراطية تكرّس سيادة الشعب في اختيار من يتولى تسيير الشأن العام للدولة، وتمكّن الطبقة السياسية من المنافسة الشريفة في مجال خدمة الشعب. أمّا اللجنة التقنية المشكلة من خبراء الدستور والمعيّنة من طرف الرئيس، فتنحصر مهمتها فقط في تقديم المشورة لأعضاء البرلمان ليستفيدوا من خبرتها».

وحسب فراد فإن «جميع تجارب الأمم التي عاشت مراحل انتقالية أكدت أن صياغة مشروع الدستور منوط بنواب البرلمان الذين يرفُلون في ثوب الشرعية الشعبية. وبعد المصادقة عليه يعرض على استفتاء شعبيّ، ليُشرع بعد ذلك في إعادة تنظيم الحياة السياسية على أساسه، بإجراء انتخابات محلية ووطنية ترسم معالم خريطة سياسية جديدة، وبتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة على أساس مبدأ فصل السلطات». وذكّر فراد بـ«وجوب اتخاذ إجراءات التهدئة»، مثل إطلاق سراح معتقلي الرأي-وفتح الإعلام...من أجل توفير شروط النجاح لهذه العملية السياسية» التي وصفها بـ«المصيرية».