مقتل «قاتل العرب» ومهندس الحرب على السوريين... ماذا بعد؟

* قد يكون مقتل سليماني فرصة، ليس فقط بالخلاص من شخص امتهن القتل وانتهاك كل الأعراف الدولية والأخلاقية، بل قد يكون فرصة حقيقية أمام إيران لتعود إلى داخل حدودها

 
وقُتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، قُتل من لم يحارب يومًا في سبيل القدس. فمنذ أن لمع اسم سليماني إبان الحرب العراقية الإيرانية وهو يُقاتل ويقتل العرب.
تلقت الجمهورية الإسلامية في إيران صفعة قوية، قد تكون أقوى من صفعة انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني.
كانت مهمة سليماني المعلنة والسرية في آن هي إنشاء ميليشيات طائفية في دول عربية لزعزعة استقرار هذه الدول، وليتحكم لاحقًا بها. 
وكان يتباهى- كما نُقل عنه- بقدرته على إنشاء هذه الميليشيات بوقت قصير في دول عدة. أما في سوريا، فقد كان قاسم سليماني مسؤولاً عن قتل وتجويع وتهجير مئات آلاف السوريين. لعل ذلك ما يبرر هذه السعادة التي عمت السوريين في الداخل والخارج، لا يهم أنه قُتل بغارة أميركية، هذا التفصيل لم يستحوذ على تعليقات السوريين، فمن يتابع الفيديوهات الآتية من سوريا، ويقرأ تعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، يعرف أن سعادتهم ليست شماتة في الموت، بل هي شعور بأنهم حصلوا على جزء من العدالة، كتب هشام (شاب سوري على «تويتر») تعليقًا على خبر مقتل سليماني: «بعد خمس سنين من النزوح. مات المسؤول المباشر عن تهجيري وعائلتي من قريتنا». هشام واحد من ملايين السوريين الذين استذكروا مآسيهم التي تسبب بها سليماني.
ترافقت أغلب تعليقات السوريين الفرحة بالخلاص من قاتلهم، بتعليقات الغضب من حماس وقادتها، حماس التي نعت وبكت سليماني، وشاركت بوفد رفيع المستوى في تشييعه، واعتبر رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية أن سليماني هو شهيد القدس، فعن أي قدس كان يتكلم؟ هي شعارات لم تعد تنطلي على كثيرين.
المستنكر لم يكن فقط تعليق قادة حماس على مقتل سليماني، بل تبرير موقف حماس من قبل كثير من الكتاب والصحافيين الذين يدورون في فلك التنظيم الأم لحماس. 
حاول البعض بخبث ربط الغضب من تصريحات حماس بموقف معاد من القضية الفلسطينية، ولكن حماس ليست القضية الفلسطينية، بل فصيل سياسي ينتمي لتنظيم عابر هو الإخوان، وهم يدركون قبل غيرهم أن إيران لا تقدم لهم أي دعم يُذكر، على الأقل هذا ما قاله موسى أبو مرزوق في تسجيل مسرب «من 2009 تقريبا ما وصل منهم أي شيء، وكل الكلام الذي يقولونه كذب وكل اللي بيصل لحبايبنا لم يكن من قبلهم». إذن قضية المقاومة وفلسطين ليست سوى ستار لعلاقة أبعد وأشد تعقيدًا.
وإن كان الإخوان كتنظيم لم يصدروا موقفًا من مقتل سليماني، إلا أن من يدور بفلكهم، إما سارع إلى تقديم العزاء فيه، وإما استنكر الاعتداء على سيادة العراق، وكأن وجود سليماني وتدريبه وتسليحه لميليشيات في العراق ولبنان واليمن وسوريا ليس انتهاكًا صارخًا للسيادة.
في الحقيقة موقف الإخوان ومن يدور بفلكهم مستنكر، ولكنه غير مستغرب، فبعد الحرب العراقية الإيرانية، وعند وفاة الخميني عام 1989 نعاه المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حامد أبو النصر، بالقول: «الإخوان المسلمون يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخميني، القائد الذي فجر الثورة الإسلامية ضد الطغاة». وبعد اجتياح صدام حسين للكويت، أوفد الإخوان يوسف ندا إلى العراق للقاء صدام حسين، وطرح عليه مبادرة انسحاب الجيش العراقي من الكويت مقابل دخول قوات إسلامية بقيادة إيران كونها الأقرب، وفق تعبير ندا، بدلا من دخول قوات عربية، (كتاب من داخل الإخوان المسلمين: يوسف ندا، ولقاء ندا مع أحمد منصور على قناة «الجزيرة»). ومن ضمن السياق نفسه، نستذكر زيارة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي لطهران، ومحاولته تطبيع العلاقات مع طهران وفك الحصار السياسي عنها آنذاك. فما يجمع الإخوان بالجمهورية الإسلامية في إيران أكثر بكثير مما يفرقهما، ويطول بحثه.
قد يكون مقتل سليماني فرصة، ليس فقط بالخلاص من شخص امتهن القتل وانتهاك كل الأعراف الدولية والأخلاقية، بل قد يكون فرصة حقيقية أمام إيران لتعود إلى داخل حدودها، ولتوقف مشروعها التوسعي باسم تصدير الثورة، بغض النظر عن العنتريات الإعلامية للقادة الإيرانيين والردود المسرحية حتى لحظة كتابة هذه السطور، فرصة لتلتفت للداخل الإيراني مع كل ما يعانيه من فقر وإهمال. 
هي أيضًا وبالتأكيد فرصة للسوريين، لإعادة ترتيب صفوفهم، والتخلص من كل خطاب أو سلوك يُشبه سلوك قاسم سليماني وما يُمثل. 
وهي فرصة أمام الدول العربية التي عانت وتُعاني من محاولات إيران لزعزعة استقرارها، لتنتج مشروعها الوطني.
لا خلاص لهذه المنطقة إلا بقيام دول وطنية بمفهومها الحديث، بعيدًا عن العصبيات التي طالما استغلتها دول طامعة بالتوسع داخل أراضينا، لا خلاص لنا إلا بالعمل الجدي والسريع، فلا مقتل البغدادي وحده كفيل بإنهاء خطر داعش، ولا مقتل سليماني وحده كفيل بإنهاء مشروع إيران التوسعي، لكن الأكيد أننا أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا، ولو أن ترامب بعنصريته وسياسته المتحيزة لإسرائيل ليس بالصديق الصدوق لنا، ولا هو يبني سياساته على أساس مصالح العرب كما يتمنى الحالمون، ولكن ذلك لا يمنع أن نستغل ما يقوم به اليوم لصالح دولنا ومنطقتنا، ولصالح الخلاص من حروب الاستنزاف، قد يضطر البعض للجوء إلى الحرب، إن رفض خصمك السلم.