أوباما أجبر المالكي على الاستقالة لأنه «انقسامي»

مذكرات رايس عن العراق (1من 5):
* من أسباب تردد أوباما في مساعدة العراق ضد داعش أن حكومة المالكي كانت «فاسدة، وعنجهية، وتعادي السنة، ولهذا، تتحمل مسؤولية ما حدث»
* خلال شهور، ظللنا نخطط وندرس ونقيّم عملياتنا لمنع مقاتلي داعش من الوصول إلى بغداد. لولانا، لسقطت بغداد»
* يجب أن نتعلم من دروس أفغانستان والعراق وسوريا أنه بمجرد سحب قواتنا، تعود الطوائف والقبائل إلى القتال. صار واضحا أن وجودنا في تلك الدول، مهما كان الحكم عليه، ساهم في وقف النزاعات الداخلية

 
واشنطن: كشفت سوزان رايس، التي كانت مستشارة الأمن الوطني للرئيس السابق باراك أوباما، أن أوباما تردد، في عام 2014 (بعد أن احتلت قوات داعش الموصل، وبدأت تتجه نحو بغداد) في الاستجابة لاستنجادات نوري المالكي، رئيس وزراء العراق في ذلك الوقت، بالإسراع بالمساعدة.
ومن أسباب تردد أوباما أن حكومة المالكي كانت «فاسدة، وعنجهية، وتعادي السنة، ولهذا، تتحمل مسؤولية ما حدث».
وأضافت رايس: «كنا نعرف أن المالكي شيعي انقسامي فاسد. وأننا لا نثق فيه ليقدر على حكم العراقيين من دون الانحياز إلى فئة ضد أخرى».
وقالت: «كان ترامب مصرا، وكان على حق، بأننا لن نكون السلاح الجوي لحكومة المالكي ضد السنة. ليقدر العراقيون على مواجهة قوات الدولة الإسلامية، يجب عليهم، أولا، أن يوحدوا صفوفهم، سنة وشيعة وأكرادا».
وأضافت: «كانت حكومة المالكي المعادية للسنة حكومة انقسامات وهزائم. لهذا، قال الرئيس إنه يجب أن يستقيل قبل تقديم مساعدات له. حتى يفعل ذلك، قال الرئيس إن الولايات المتحدة لن تقدم له أي مساعدات عسكرية».
جاءت اراء رايس هذه في كتاب مذكراتها، الذي صدر مؤخرا: «tough love» (حب متشدد). تحدثت فيه كثيرا عن شخصيتها المتشددة، والتي انعكست على سياساتها الشديدة. وقالت إنها كانت كذلك منذ طفولتها، خلال مناقشات وقت العشاء مع عائلتها. واختارت اسما فرعيا للكتاب يوضح ذلك: «قصتي مع الأشياء التي تستحق القتال من أجلها».
في عام 1992. كانت رايس مستشارة الشؤون الأفريقية للرئيس كلينتون خلال حملته الانتخابية، وعندما فاز، اختارها مسؤولة عن الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن في البيت الأبيض. ثم مساعدة لوزيرة الخارجية للشؤون الأفريقية، وكانت أصغر من تولى المنصب (كان عمرها 33 عاما)، كما كانت أول سمراء تتولى المنصب.
وفي عام 2008، كانت مستشارة الشؤون الخارجية للرئيس أوباما خلال حملته الانتخابية. وعندما فاز، كانت من المرشحين لوزارة الخارجية. لكن أوباما اختار هيلاري كلينتون تعويضا لها (بعد أن هزمها في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية). واختار أوباما رايس سفيرة في الأمم المتحدة، ورفعها إلى مرتبة وزير.
وفي عام 2012، عندما فاز أوباما للمرة الثانية، كانت رايس، مرة أخرى، من المرشحين لوزارة الخارجية. لكن، كانت قد تورطت في الهجوم الإرهابي على قنصلية أميركا في بنغازي، في ليبيا (حيث قتل السفير الأميركي ودبلوماسيون أميركيون آخرون). لهذا، اختار أوباما السيناتور جون كيري وزيرا للخارجية، واختار رايس مستشارة للرئيس للأمن القومي. حتى نهاية سنواته في البيت الأبيض.


 
حماية الأميركيين
نقلت رايس في كتابها قول أوباما، في واحد من اجتماعات مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، بعد سقوط الموصل في أيدي قوات داعش، وتقدم هذه القوات نحو كل من أربيل وبغداد، أن تردد أوباما في مساعدة حكومة المالكي لم يؤثر في حرص أوباما على حماية الأميركيين في العراق.
ولهذا، أمر أوباما السلاح الجوي الأميركي بالقيام «بهجمات جوية محدودة» لحماية الأميركيين في أربيل، ولضرب مقاتلي داعش، لمنعهم من السيطرة على سد الموصل (وربما تدميره، وإغراق جزء كبير من العراق). وأيضا، لمساعدة القوات الكردية التي تكفلت بحماية الأميركيين في أراضيها، حيث كانت توجد قنصلية أميركية، ومكتب تابع للأمم المتحدة.
كان ذلك في يوليو (تموز) عام 2014. وفي الشهر التالي، مع استمرار تردده في مساعدة حكومة المالكي، أمر أوباما السلاح الجوي الأميركي بإسقاط مواد غذائية في منطقة جبل سنجار، حيث كانت أعداد كبيرة من الإيزيديين قد تجمعت هروبا من هجمات مقاتلي داعش. وأيضا، أمر أوباما السلاح الجوي الأميركي بضرب مواقع الداعشيين الذين كانوا يهاجمون الإيزيديين.
وقالت رايس: «لفترة طويلة ظل الرئيس يرفض مساعدة حكومة المالكي، التي كان يراها فاسدة، ومعادية للسنة. ولفترة طويلة، أصر على استقالة المالكي». في منتصف أغسطس (آب)، استقال المالكي، وحل محله حيدر العبادي. وصفت رايس العبادي بأنه «عقلاني، ومسؤول، ويريد توحيد وطنه». وكان ذلك من أسباب موافقة أوباما على تقديم مساعدات عسكرية «كاملة» لمواجهة تقدم مقاتلي «داعش» في العراق».
 
«لولانا لسقطت بغداد»
قالت رايس: «خلال شهور، ظللنا، من داخل «ستيويشن روم» (غرفة العمليات داخل البيت الأبيض)، نخطط، وندرس، ونقيم عملياتنا لمنع مقاتلي داعش من الوصول إلى بغداد. لولانا، لسقطت بغداد».
وأضافت: «رصدنا 5.200 جندي أميركي لتدريب القوات العراقية. وأرسلنا معدات عسكرية للقوات العراقية التي كانت قد تضعضعت. وفي نفس الوقت، وضعنا خطة محكمة لضرب مواقع الدولة الإسلامية، وقواعدها العسكرية، وبنوكها، وآبار النفط، والبنيات التحتية، والقادة».
في ذلك الوقت، وبأوامر من أوباما بالوصول إلى مكان مقاتلي داعش، في سوريا، بدأ السلاح الجوي الأميركي خطة محكمة لضرب الداعشيين في مناطق الكوباني، ومنبج، والرقة.
وتحدثت رايس عن دورها في المراحل الأولية لتأسيس «القوات المشتركة السريعة لعملية الحل الجذري» لقيادة الحرب ضد داعش. وقالت إن أوباما اختار اثنين من كبار مستشارية لذلك، واحد عسكري، الجنرال جون الين، والثاني مدني، السفير بريت مكغيرك. وكان ذلك في أكتوبر (تشرين الأول)  عام 2014.
وتحدثت رايس، أيضا، عن دورها في تأسيس «التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا».
في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، خلال حضور الرئيس أوباما قمة دول حلف الناتو في بريطانيا، وكانت رايس عضوا في الوفد، كلفها أوباما، مع وزير الخارجية جون كيري، لعقد اجتماع جانبي مع وزراء خارجية ثماني دول (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، الدنمارك، كندا، أستراليا، تركيا) لتأسيس تحالف دولي ضد الدولة الإسلامية.
وفي ديسمبر (كانون الأول)، اجتمع ممثلو 59 دولة في قيادة حلف الناتو في بروكسل، وأعلنوا، رسميا، تأسيس التحالف الدولي.


 
اجتماعات «أوجاع»
وصفت رايس اجتماعات مجلس الأمن الوطني في ذلك الوقت بأنها كانت «اجتماعات أوجاع في الأمعاء، وضغوط على مفاصل الأصابع». وأن المجتمعين كانوا يشاهدون مقتطفات من، أو تقارير عن، الإعدامات التي كانت تنشرها داعش، وعمليات القتل الجماعي، وتدمير مدن في سوريا والعراق».
وأشارت، أيضا، إلى حوادث خارج الشرق الأوسط، مثل الهجوم الإرهابي في استاد في باريس، والهجوم الإرهابي في مطار بروكسل. وفي سان برنادينو (ولاية كاليفورنيا)، أطلق الإرهابيان الأميركيان الباكستانيان، سيد فاروق، وزوجته، تشفين مالك، النار على زملاء فاروق في العمل، وقتلا 14 شخصا.
وقالت رايس: «رغم أننا لم نتوقع سلسلة الانتصارات المتتابعة لمقاتلي داعش، ورغم معرفتنا الكاملة بأن الحكومة العراقية عاجزة عن مواجهتها، ورغم أننا تأخرنا في التدخل، سارعنا بتغيير طريقة تفكيرنا، ومسارنا، ووضعنا خططا محكمة، ذات مراحل متعددة، بهدف القضاء نهائيا على داعش».
وأضافت: «لولا شخصية الرئيس الجادة، ولولا التزامه بما كان يقول، ولولا قدرته الأكاديمية على التقسيم والتصنيف، ما كنا نجحنا فيما كنا نفعل». وأشارت إلى أن أوباما قسم المسؤوليات. وأعطى وزير الدفاع اش كارتر (أكاديمي يثق بنفسه)، المسؤولية الأولى. ثم وزير الخارجية جون كيري، الذي «ساعدنا في ضمان تأييد الكونغرس». وأعطاها هي مسؤولية التنسيق بين كبار المسؤولين.

 
أوباما لا ترامب
بالإضافة إلى ما جاء في مذكرات رايس، ومنذ بداية حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016. والتي شن فيها دونالد ترامب (المرشح في ذلك الوقت) هجوما عنيفا على سياسة أوباما في العراق، ووصفها بأنها فاشلة، تصدت رايس له في تعليقات في الصحف وفي التلفزيونات، وفي محاضرات ألقتها في المعاهد السياسية الأميركية. وكانت، كعادتها، متشددة، ولوحت بأن مشاكل سياسات ترامب في الشرق الأوسط جزء من مشاكل ترامب الشخصية.
عن قول ترامب إن أوباما استعجل الانسحاب من العراق عام 2011. قالت رايس، في مقابلة مع تلفزيون «سي إن إن»، إن أوباما عندما صار رئيسا عام 2009. كان يريد الإيفاء بوعده بالانسحاب من العراق سريعا. وكان يريد الالتزام باتفاقية الانسحاب التي وقعها الرئيس السابق جورج بوش الابن التي نصت على بداية الانسحاب عام 2009. وعلى الانسحاب النهائي عام 2011.
لكن، كما قالت رايس: «عندما بدأنا ننسحب من المدن، لاحظنا انتشار الفوضى، وإحياء خلاقات طائفية قديمة، تسبب بعضها في اشتباكات دموية». ولهذا، أمر أوباما بالتمهل في الانسحاب. هذا بالإضافة إلى أن أوباما كان قد درس ملفات المالكي، رئيس الوزراء (2006 - 2014). واقتنع بأنه «انقسامي فاسد. ولن يقدر على المحافظة على وحدة العراق. ولن يكون رئيسا لكل العراقيين».
وأضافت: «على الأقل، كنا نحن في العراق حريصين على احترام حقوق الإنسان، وعدم وضع اعتبار للاختلافات الدينية والطائفية. بدليل أن الانتخابات هناك كانت نزيهة، وبدليل أنها كانت انتصارا للطائفة الشيعية».
 
ترامب «يدعو للتقزز تمامًا»
في الأسبوع الماضي، بعد انتقادات لترامب بسبب الهجوم الجوي على الحشد الشعبي في العراق (قبل قتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس)، عاد ترامب، في تغريداته في «تويتر» إلى اتهام أوباما بأنه استعجل انسحاب القوات الأميركية من العراق. وأنه، لهذا، مسؤول عن ظهور وانتشار تنظيم داعش.
وعادت رايس، المتشددة دائما، ودافعت عن أوباما. واتهمت ترامب، في مقابلة في تلفزيون «سي بي إس»، بأن أوامره بسحب القوات الأميركية من سوريا في العام الماضي «فتحت المجال لمقاتلي داعش للعودة إلى الأماكن التي كانوا أخرجوا منها، بداية بآخر سنوات الرئيس أوباما في البيت الأبيض».
وأضافت: «يجب أن نتعلم من دروس أفغانستان والعراق وسوريا أنه بمجرد سحب قواتنا، تعود الطوائف والقبائل إلى القتال. صار واضحا أن وجودنا في تلك الدول، مهما كان الحكم عليه، ساهم في وقف النزاعات الداخلية».
وعندما قالت رايس، في مقابلة مع إذاعة «إن بي آر» شبه الحكومية، بأن أوامر ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا هو «سايغون ترامب» (إشارة إلى هزيمة القوات الأميركية في حرب فيتنام)، غرد ترامب ضد رايس في حسابه في «تويتر». وقال: «شكرا سوزان على نصائحك. كنت كارثة عندما كنت في البيت الأبيض».
وردت رايس المتشددة دائما: «أنت تدعو للتقزز تمامًا».