نصر الله بين الانتقام لسليماني وانهيار الهيكل... أين الدولة؟

* أين الرئيس القوي؟ وأين رئيس حكومة تصريف الأعمال، والرئيس المكلف؟ والنواب المنتخبون؟ هل جميعهم راضون بتهديد نصر الله بفتح حرب مع الولايات المتحدة الأميركية؟ مع كل ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مالي ولوجستي للجيش اللبناني
 

كثرت في الأعوام الأخيرة إطلالات وخطابات أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله الإعلامية، يطل من حيث هو مختبئ في مكان ما، يخطب بالجماهير التي تتسمر أمام شاشة عرض كبيرة في إحدى قاعات الحزب ومسارحه، جمهور يتقدمه نواب ووزراء وسفراء محور ما يُسمى بالممانعة، يجلسون متسمرين أمام الشاشة يصفقون له حين «يظهر» وحين «يخطب» وحين «يهدد» وحين يقرر المواجهة، لا يأبهون بأنه يواجه من سردابه بهم.
لم يختلف خطابه الأخير بذكرى مرور أسبوع على مقتل «الحاج قاسم سليماني» كثيرًا، هو أساسًا «مبدع» باستحضار الأعداء، فبالأمس كانت «داعش» وقبلها إسرائيل، واليوم عدوه الأول هي الولايات المتحدة الأميركية.
إلا أن اللافت هو غياب الشأن اللبناني بالكامل عن خطابه الأخير، مع كل ما يمر به لبنان من أزمات سياسية واقتصادية، إلا أن أمين عام الحزب الأقوى لبنانيًا بسبب سلاحه، لم يتطرق لا إلى أزمة تشكيل الحكومة، حكومة اللون الواحد التي يُعرقل تشكيلها حليفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ولا إلى الأزمة الاقتصادية التي باتت تهدد بثورة جياع في لبنان. هو غير معني بكل ذلك، فلبنان بالنسبة له عبارة عن ممر لمشروع أكبر هو مشروع إيران في المنطقة، وهو يعلم كما يعلم الآخرون أن الكلمة الفصل له.
هدد نصر الله من لبنان الولايات المتحدة الأميركية قائلا: «على الأميركيين أن يخرجوا جيشهم من منطقتنا والبديل عن الرحيل عموديًا هو الرحيل أفقيًا وهذا قرار حاسم في المحور والمسـألة مسألة وقت»، إذن هو تهديد بحرب، حرب مع قوة عظمى، وبغض النظر إن كان سينفذ هو ومحوره تهديدهما، أم إن المصلحة الإيرانية اليوم تقتضي التهدئة مع كل ما يحصل في الداخل الإيراني، إلا أن مسؤولاً لبنانيًا واحدًا لم يُعلق على كلامه.
نصر الله وحده صاحب الكلمة الفصل، يغامر بمصير لبنان وسلمه، كما فعل في صيف 2006. وكما فعل عندما أرسل مرتزقته إلى سوريا للقتال إلى جانب قوات بشار الأسد ضد السوريين. وكما يفعل عندما يهدد دول الخليج متجاهلاً مصالح لبنان ومئات آلاف الشباب اللبناني العامل في الخليج.
يتباهى كيف كان سليماني يدخل ويخرج إلى لبنان ويُشارك بالقتال إلى جانب «حزب الله».
تبريراته لجمهوره تتبدل، هم صفقوا حين قال نحن قوم لا نترك أسرانا، وصفقوا أيضًا عندما قال لو كنت أعلم. صدّقوا أنه أرسل أبناءهم إلى سوريا لحماية المقامات، وصدقوا أيضا أنه أرسلهم للقتال في حلب وشمال سوريا ليحرروا القدس، فحسن نصر الله ينتمي إلى مدرسة من «الزعماء» الذين يعتبرون أناسهم قطيعا ما عليهم سوى التصفيق واتباع الأوامر.
ولكن ماذا عن الدولة اللبنانية؟ أين هو الرئيس القوي؟ وأين رئيس حكومة تصريف الأعمال، والرئيس المكلف؟ والنواب المنتخبون؟ هل جميعهم راضون بتهديد نصر الله بفتح حرب مع الولايات المتحدة الأميركية؟ هل تعي السلطة في لبنان مخاطر التهديد بهكذا حرب؟ مع كل ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مالي ولوجستي للجيش اللبناني مثلاً، المؤسسة التي تكاد تكون الوحيدة المتبقية التي يجمع اللبنانيون على دعمها؟ وماذا عن المخاطر الأخرى اقتصاديا وسياسيا وحتى ثقافيًا؟ أم إنهم جميعاً ارتضوا أن مسؤولياتهم تنحصر بإدارة البلاد وفق الخطوط التي يضعها نصر الله.
تنازلت الدولة اللبنانية عن سيادتها، وتنازل السياديون عن مطالبهم السيادية في ذلك اليوم المشؤوم من مايو (أيار) 2008، أدركوا يومها أن مسألة سلاح «حزب الله» وارتباطه العضوي بإيران أمر أكبر من قدرتهم على محاربته، وبدل أن يستمروا بمقاومتهم السلمية لمشروع الولي الفقيه في لبنان، ارتضوا أن يكونوا شهود زور وشركاء صوريين بالحكم، فكانت النتيجة أن الهيكل اليوم على وشك الانهيار على رؤوس الجميع.