كيف تتحايل الدول المحاصرة اقتصادياً على العقوبات لتوفير احتياجاتها؟

الشعوب هي التي تدفع أغلى الأثمان كل يوم
* تحتل الولايات المتحدة - بشكل أساسي - والاتحاد الأوروبي بشكل أقل، الصدارة في فرض عقوبات اقتصادية على دول العالم، وبخاصة عند فشل مجلس الأمن في ذلك
* عندما تقع دولة ما تحت العقوبات الأميركية، فإن العالم بأكمله سيجد صعوبات في التعاملات الاقتصادية والتجارية والمالية بسبب هيمنة الدولار على جميع تلك التعاملات الخارجية

جدة: يشهد العالم منذ عقود، فرض عقوبات من دول على أخرى بسبب نزاعات سياسية واقتصادية ودبلوماسية، وهي ليست كالعقوبات الأممية التي فرضت على العراق بعد اجتياح الكويت (1990) أو تلك المفروضة على إيران (ما قبل الاتفاق النووي مع الدول الكبرى 2015) أو كوريا الشمالية بسبب برنامجها النووي والصاروخي.
وتحتل الولايات المتحدة - بشكل أساسي - والاتحاد الأوروبي بشكل أقل، الصدارة في فرض عقوبات اقتصادية على دول العالم، وبخاصة عند فشل مجلس الأمن في ذلك. وتتضمن قائمة الدول الواقعة تحت العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية الكاملة أو شبه الكاملة على سبيل المثال، لا الحصر، إيران وفنزويلا وكوبا وسوريا والسودان وكوريا الشمالية. ويمكن أن تكون تلك العقوبات جزئية، تستهدف قطاعات معيّنة، مثل سلسلة العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروربي أو دول فيه، وكذلك العقوبات الروسية المضادة عليهما.
وسيكون التركيز هنا على الدول التي تعاني من عقوبات أميركية كاملة وأساليبها في الإفلات منها وتقليل آثارها. وجرت العادة أنه عندما تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على دولة ما، فإن الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا واليابان، يحذون حذوها بالتبعية مع استثناءات قليلة. وينبغي لفت الانتباه إلى أنه عندما تقع دولة ما تحت العقوبات الأميركية، فإن العالم بأكمله سيجد صعوبات في التعاملات الاقتصادية والتجارية والمالية بسبب هيمنة الدولار على جميع تلك التعاملات الخارجية، وحتى داخل الدول المحاصرة نفسها!
 
التهريب من وإلى الدول المجاروة
يذكر مصدر نفطي مخضرم، عمل في العراق منذ أواسط التسعينات، في حديث إلى «المجلة» أنه بعيد تحرير الكويت والإغلاق الكامل للتبادل الاقتصادي مع بقية دول العالم ومنع العراق من تصدير النفط، نشطت مافيات عراقية شبه حكومية، أعضاؤها خليط من الأجهزة الأمنية ورجال أعمال وجمارك ومهربين محترفين، عملت على تهريب النفط إلى إيران بسعر يبلغ نحو 5 - 8 دولارات للبرميل، فيما قدّر حجم النفط المهرب بنحو 150 - 200 ألف برميل يوميًا (مع التحفظ). وكان ذلك يجري رغم أنه لم يمر أكثر من 3 أو 4 سنوات على نهاية الحرب العراقية الإيرانية، إلا أن المصالح الاقتصادية تتغلب على العداوات السياسية.
وأضاف المصدر أن التهريب لم يتوقف على النفط الخام، بل إن البتروكيماويات كانت ضمن السلع المهربة، فيما ساهمت تلك الأموال - على قلّتها - في تحمل النظام العراقي لعقوبات التسعينات القاسية وتوفير دخل للنخبة الحاكمة، مكّنها من استمرار سيطرتها على الأمور، إلى جانب دخول خفية أخرى كالاستثمارات المقنّعة في الدول المجاورة كالأردن.
وبالعودة إلى حقبة الثمانينات في سوريا، فقد فُرضت عقوبات خليجية، تمثلت في إيقاف الدعم عن الخزينة السورية، التي كانت تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار سنويًا بعد حربي 1967 و1973. وذلك بسبب وقوف الرئيس الراحل حافظ الأسد – آنذاك - إلى جانب إيران علنًا أثناء الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988)، إضافة إلى عقوبات أميركية وأوروبية معلنة وخفية، تزامنت مع القضاء على تمرّد تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي (1982)، وشبهات الضلوع في تفجير طائرة لوكيربي (1988).
ورغم أن لبنان كان غارقًا في حرب أهلية مدمّرة، إلّا أنه كان الرئة التجارية والمالية لسوريا، وكان هناك ما يسمى بـ«أسواق التهريب»، حيث كانت تأتي البضائع والسلع والمواد الأساسية الأخرى، التي لا تصنع في سوريا، أو السلع الفاخرة، من لبنان عن طريق المهربين مع غض طرف حكومي ضمن «حسابات مضبوطة». وعلى الطرف الآخر من الحدود، كانت السلع السورية ومشتقات النفط الرخيصة، تهرّب إلى لبنان، وتؤذي الاقتصاد السوري وتقلل إيرادات الخزينة. وظل الحال هكذا حتى اندلاع أزمة الخليج الثانية (1990)، وانحياز الحكم السوري إلى جانب دول مجلس التعاون ضد نظام الرئيس الراحل صدام حسين، الأمر الذي أدى لرفع العقوبات جميعها تقريبًا وتلقي المليارات من المنح والمساعدات وانتهاء عصر الحصار.
وعند تشديد العقوبات الأميركية على إيران العام الماضي، ظهرت أخبار حول وجود مهربين باكستانيين ناشطين في مناطق الحدود الباكستانية - الإيرانية، وهم يستلمون شحنات مشتقات نفطية بأسعار رخيصة، يسدّدون ثمنها بالعملة الصعبة وينقلونها إلى الداخل الباكستاني. وبالتأكيد، فإن الشيء ذاته يحصل عند باقي الحدود الإيرانية مع الدول الأخرى، وهو ما يصنع شريانًا ماليًا، لا يمكن إيقافه على الإطلاق. فالتبادلات التجارية التي لا تمر عبر القنوات المصرفية الرسمية، يصعب رصدها وتحديد أحجامها. كما أن اتساع الجغرافيا الإيرانية وتشاركها الحدود مع 9 دول، معظمها صديقة أو متحالفة مع إيران، يجعل من المستحيل تقويض التجارة والتهريب العابر للحدود.
 
بارونات تحويل الأموال
تنتشر شبكات بارونات تحويل الأموال حول العالم، ولا يمكن لأي حكومة أن تسيطر عليها، مهما كانت قوتها. لنفترض أن هناك شخصًا لديه 10 ملايين دولار في السودان ويرغب في تحويلها إلى أندونيسيا مثلاً؛ دون المرور بالقنوات المصرفية. كل ما على الشخص القيام به هو الاتصال بأحد بارونات تحويل الأموال في الخرطوم وإحضار المبلغ ليتم تسلم المبلغ في اللحظة ذاتها للطرف الآخر، مقابل رسوم تتناسب طردًا مع حجم الملبغ المحول؛ دون أوراق رسمية أو وثائق، والضامن الوحيد هو الثقة فقط!
الغريب في الأمر أن تقارير صحافية، نشرت مؤخرًا، تتحدث عن وجود بارونات تحويل الأموال في أكثر الدول صرامة في مسائل غسل الأموال مثل دول القارة الأوروبية.
يقول تاجر عربي مقيم في إحدى الدول الأوروبية الغربية لـ«المجلة» إنه تمكن من تصفية أمواله وممتلكاته في بلده الأم، وهاجر إلى تلك الدولة الأوروبية وتسلم أمواله نقدًا هناك عبر بارونات التحويل، ثم تمكن بكل سهولة من تأسيس شركته بعد إدخال رأس المال إلى النظام المصرفي بأسلوب معقد. وقد نجح في ذلك بالفعل.
وقياسًا على ذلك، فمن المنطقي أن الدول المحاصرة بالعقوبات تستخدم الأسلوب ذاته للحصول على أموال بالعملة الصعبة من دول أخرى، ثم توجيهها لأغراض توفير الاحتياجات.
 
استخدام الأنظمة المصرفية لدولة ثالثة
كيف يتمكن التجار الإيرانيون أو الكوريون الشماليون أو الفنزويليون أو السوريون من استيراد بضائعهم؟
المسألة تتم عن طريق بلد صديق أو جار بأسلوب الطرف الثالث. يراسل التاجر الشركة الإسبانية أو الصينية - مثلاً - التي يريد شراء بضاعته منها، ثم يخبر الشركة أنه يرغب في أن تصل شحنته إلى بلد حدودي ليس عليه عقوبات أو قيود. فمثلاً التاجر الإيراني يستخدم العراق أو تركيا أو أرمينيا، والكوري الشمالي لديه خيار الصين، والفنزويلي يفضّل البرازيل أو كولومبيا (حسب الظرف السياسي) كوجهة لاستقبال شحنته. أما تسديد ثمن البضاعة، فإنه يتم من خلال شركة مسجلة في دولة استقبال الشحنة أو أي دولة أخرى عن طريق بارونات تحويل الأموال. تأتي البضاعة برًا أو عبر الموانئ الجوية والبحرية إلى دولة الاستقبال الجارة، ثم يتم شحنها إلى الدولة المحاصرة.
وتؤدي هذه الطريقة إلى زيادة التكاليف بسبب رسوم النقل وتكاليف تسجيل الشركات في الدول المجاورة وخضوعها للضرائب لأكثر من مرة، وكل هذا يؤدي إلى ارتفاع السعر النهائي للسلعة. ولذا تجد أن أسعار السلع المستوردة في الدول المحاصرة، قد تصل إلى عدة أضعاف سعرها في بلد لديه حرية تجارية مع العالم.


 
الاستثمار في الدول التي تفرض الحصار!
تنشئ الدول المحاصرة شركات قطاع خاص، في الداخل والخارج، تعود ملكيتها لأفراد موثوقين، يستثمرون أموالاً في الدول التي تحاصرها ذاتها أو أخرى صديقة عبر شبكات يصعب تعقبها، ثم تعاد الأرباح إلى البلد المحاصر أو تستخدم لتمويل صفقات استيراد. ومهما كانت التشريعات معقدة، فإن غسل الأموال أو استثمارها أو تهريبها جارٍ على قدم وساق. ومع وجود بارونات تحويل الأموال، يساهمون بشكل كبير في تحويل الأرباح إلى الدول المحاصرة أو تمويل صفقات استيراد للسلع إليها، فإن مسألة استثمار الدول الواقعة تحت الحصار في الدول المحاصرة لها أمر حاصل ويصعب على أجهزة المباحث المالية تعقبه.
وعلى سبيل المثال، هناك استثمارات إيرانية في الدول العربية وغير العربية المجاورة لها وكذلك بعض الدول الأوروبية بمبالغ تتراوح بين 400 - 500 مليار دولار (بحسب تقارير خليجية ودولية متنوعة)، ولكن لا يعرف بالضبط حجم الأموال التي تخص النظام الإيراني نفسه من تلك الأموال، وبخاصة أن الملاك الحقيقيين لتلك الاستثمارات، لا يعرفهم أحد ويصعب التعرف عليهم. كما أن إيران المزود الأول لمشتقات النفط والغاز والطاقة الكهربائية لدول مثل العراق وأفغانستان؛ حتى بعد فرض أقسى العقوبات الأميركية.
وينطبق الأمر على كوريا الشمالية صاحبة الاستثمارات في بعض الدول الأفريقية والآسيوية والتي تصل إلى عدة مليارات (بحسب تقديرات متحفظة) نظرًا لغياب الإحصاءات الرسمية وصعوبة الحصول على أي أرقام.
وقدر تقرير نشرته صحيفة «الوطن» السورية الخاصة أن إجمالي ودائع السوريين والمصارف وشركات التأمين السورية يصل إلى 50 مليار دولار، لكن لم يوضح التقرير إن كانت تضم أموالاً حكومية.
 
امتيازات خاصة لروسيا والصين... والهند أيضًا
تشترك الأنظمة الحاكمة في فنزويلا وكوريا الشمالية وإيران وكوبا وسوريا والسودان بتحالفات متفاوتة القوة مع الصين وروسيا من أجل التخفيف من آثار الحصار الاقتصادي عليها. وتقدّم تلك الدول امتيازات للشركات الصينية والروسية بحكم أنها قادرة نوعًا ما على الوقوف بوجه الولايات المتحدة والقيام بأعمال تجارية وصناعية واستثمارات في البنية التحتية في تلك الدول بحرية أكبر وبعيدًا عن المنافسة. وعلى سبيل المثال، ابتكرت إيران نظام مقايضة النفط بالسلع مع الهند أو تحقيق تبادل تجاري بعملة اليوان أو الروبل مع الصين وروسيا، لكنه لم يحقق النجاح. كما منحت سوريا امتيازات التنقيب عن النفط والغاز واستثمار الموانئ لشركات روسية، فيما تملك الصين اليد الطولى في اقتصاد كوريا الشمالية، حيث تستورد منها الفحم والمعادن؛ دون المرور بأنظمة التحويل المالي التقليدية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة بشكل كامل. كما أن الصين شقت الطرق وبنت السدود في السودان ولا تزال أكبر مستثمر أجنبي في البلاد.
 
إنشاء تحالفات بين الدول المحاصرة ذاتها
من فترة لأخرى، نسمع عن اتفاقيات تجارية ومالية واستثمارية بين كوريا الشمالية وإيران أو بين سوريا وكوبا في محاولة لإنشاء صيغ للتبادل التجاري أو الصناعي أو إنشاء مصارف مشتركة أو خطوط ائتمانية. الأمر هو محاولة جادة للخروج عن هيمنة الدولار في التعاملات بين تلك الدول، لكن الواقع يقول إن تحالف الاقتصادات المحاصرة والضعيفة، لا يصنع اقتصادًا قويًا!
 
تزوير الدولار!
منذ بداية الألفية الثالثة، لا يمر عام واحد إلا ونسمع أخبارًا عن قيام كوريا الشمالية بتزوير الدولار الأميركي بدقة لا يمكن اكتشافه إلا للاحتياطي الفيديرالي (البنك المركزي الأميركي) دون غيره في العالم! ويطلق على هذا الدولار المزور شديد الدقة اسم «الدولار الخارق». وتعود قصته إلى أن كوريا الشمالية تمكنت من الحصول على أجهزة طباعة عملات ورقية قبيل سقوط النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية أواخر الثمانينات، وأجرت عليها تحسينات تقنية هائلة لتتمكن من طباعة فئة 100 دولار.
وبالفعل، عجزت واشنطن عن مكافحة «الدولار الخارق»، فعمدت إلى تغيير ورقة الـ100 دولار عام 2009 وأدخلت عليها تقنيات الطباعية ثلاثية الأبعاد والعلامات المائية والألوان، لكن ظهر «دولار خارق» مجددًا وصدرت طبعة جديدة بعدها بأربعة أعوام. ولا يزال هذا التحدي ماثلاً أمام دار السك الأميركية.
وقد ظهرت أنباء عن دولار مزور إيراني، لكنه لم يكن بدقة دولار بيونغ يانغ. مثل هذا التزييف يساعد الدول المحاصرة، ولو بشكل طفيف، من تمويل وارداتها والتخفيف من وطأة الحصار الأميركي، لكنه لا يحل أزمتها بشكل كامل.
يبقى القول أخيرًا إن استراتيجية الحصار الاقتصادي لم تفلح في إسقاط أي نظام حتى الآن، وإن النخبة الحاكمة في البلاد المحاصرة تعيش بخير ولا ينقصها ركوب أحدث السيارات واستخدام أقوى التقنيات والعيش في القصور الفارهة، وإن الشعوب المحاصرة هي التي تدفع أغلى الأثمان كل يوم!