مفاوضات سد النهضة توصل مصر إلى طريق مسدود

بعد إدخالها في دوامة المغالطات
* إثيوبيا اقترحت دخول جنوب أفريقيا كوسيط في المفاوضات كي تساعدها لا أن تكون حكما
* الخلاف ليس حول عملية ملء الخزان فقط... ولكن حول الملء والتشغيل
* إثيوبيا تعرقل المفاوضات ولن تسلم بالمطالب المصرية أو بنفس حصتها من المياه قبل بناء السد بعدما أنفقت أموالا طائلة وجهدا فنيا وسياسيا ودبلوماسيا كبيرا
* مصر ستواصل طريق المفاوضات طالما أن هناك أملا في إنجاحها

القاهرة: المفاوضات المتعثرة بين مصر، والسودان، والجانب الإثيوبي المتعلقة بأزمة سد النهضة، والتي كان آخرها الاجتماع الوزاري الذي عقد الأسبوع الماضي والذي سبقه اجتماع يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني) الجاري في العاصمة الإثيوبية، وما تلاه من بيان إصدرته وزارة الخارجية الإثيوبية، والذي تضمن الكثير من المغالطات المرفوضة جملة وتفصيلا، حسب بيان صادر لوزارة الخارجية المصرية للرد على البيان الإثيوبي، وتأكيد مصر أن البيان الإثيوبي انطوى على تضليل متعمد وتشويه للحقائق، وتقديم صورة منافية تماما لمسار المفاوضات، ولمواقف مصر، وأطروحاتها الفنية، وواقع ما دار في الاجتماع، والاجتماعات الوزارية الثلاثة التي سبقته والتي عقدت على مدار الشهرين الماضيين لمناقشة قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، إضافة إلى عدم تقديم الاجتماعات التي تدار مع الوسيط الأميركي في واشنطن لأي حلول عملية سوى أطروحات عامة لا تقدم أي تفاصيل مكتوبة ومتفق عليها وضع مصر أمام طريق مسدود، لعدم جدوى المفاوضات خاصة بعد الاقتراح الإثيوبي بإدخال دولة جنوب أفريقيا كطرف وسيط في المفاوضات، وهو الاقتراح الذي رفضه الجانب المصري.
الطريق المسدود الذي وصلت إليه مصر عن طريق المفاوضات مع الجانب الإثيوبي هو ما دفع «المجلة» لمناقشة هذا الموضوع مع عدد من الدبلوماسيين والمتخصصين في ملف المياه.

 




الرئيس ترامب خلال إجتماعه في البيت الأبيض مع وزراء دول إثيوبيا ومصر والسودان بشأن مفاوضات سد النهضة


 
مسلك إثيوبي واضح الأهداف.. وجميع الخيارات متاحة أمام مصر
من جانبه قال مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل لـ«المجلة»: لدينا طرفان في أزمة سد النهضة، هما الطرف الإثيوبي الذي يحاول فرض الأمر الواقع، والطرف الثاني، هو الولايات المتحدة التي دخلت كوسيط وهو لا يراعي المصالح المصرية، ومصر تبدو وكأن ليس لديها أي شيء لتفعله، ومفاوضات السد اعترف بفشلها الطرفان، وإثيوبيا تقول إنه ليس لديها ما تقدمه لمصر وأنها مستعدة لجميع الاحتمالات التي قد تتخذها مصر، حتى لو كان قرارا بالحرب فإن لديها مليون شخص على استعداد للحرب، فالمسلك الإثيوبي أصبحت أهدافه واضحة تماما، والسؤال الآن هو: ماذا سنفعل عندما نذهب لواشنطن في يومي 28، و29؟ وما هي الوثيقة المقدمة، والتي ستسمح بها إثيوبيا لدفع المفاوضات قدما؟ أولا إثيوبيا تخطط للإضرار بمصر، ضررا بالغا، ومصر يبدو أنها ليست مدركة لهذا الخطر، وأنا أعتقد أن الصيغة التي سيتم وضعها في واشنطن ستكون صيغة خاسرة جدا، لسبب بسيط، لأن كمية المياه التي تصل مصر أساسا هي الحد الأدنى، ولدينا في مصر نحو 8 ملايين فدان تتم زراعتها، وكل مليون فدان يحتاج إلى 5 مليارات متر مكعب لزراعته، وذلك بما يوازي 40 مليار متر مكعب للزراعة فقط، ومصر تنازلت عن جزء كبير من حصتها، التي تصل إلى 55.5 مليار متر مكعب، ونحو 18 مليار متر مكعب تصل عن طريق السودان، كسلفة مائية، فمعنى هذا أنه إذا تم تقليل حصة مصر من المياه من قبل الجانب الإثيوبي، سوف يقابل هذا الإجراء تبوير ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية، بقدر ما تفقده مصر من مياه، في ظل انحياز السودان للجانب الإثيوبي مؤخرا، وإعلان توقفه عن إعطاء مصر السلفة المائية، معنى هذا أن إثيوبيا سوف تبدأ ملء خزان السد في يوليو (تموز) القادم، والذي يستوعب 25 مليار متر مكعب في السنة الأولى، مع العلم أن خزان السد سوف يستوعب 74 مليار متر مكعب، إضافة إلى نحو 6 مليارات متر مكعب من البخر، فمعنى هذا أننا سنأخذ 25 مليار متر مكعب، وما يتبقى سيتم اقتسامه مع السودان، والسودان في هذه الحالة سوف تتمسك بحقها، وتنقض اتفاقية 1959. وأنا أرى أن الموقف سوف يؤدي إلى بوار الأراضي، ولجوء الفلاحين إلى المدن ما قد يوقع مصر في خضم حرب أهلية نتمنى عدم حدوثها، كما أن الأزمة ستخلق في مصر مشكلات كبيرة جدا، ربما تعجز عن حلها، مضيفا: ماذا فعلت الحكومة المصرية في مواجهة هذا الموقف؟ نحن لا نرى سوى ملفات غامضة.
وأضاف الأشعل، إثيوبيا تلعب وتتحرك في مفاوضات سد النهضة كلاعب كبير، كما أنها تقدمت بطرح دخول دولة جنوب أفريقيا كوسيط في مفاوضات السد بينها وبين مصر والسودان، لكسب المزيد من الوقت، والفرص التفاوضية، وذلك اعتمادا على أن جنوب أفريقيا ترى أن مصر منافس لها على الساحة الأفريقية، وعلى الساحة الدولية أيضا، وصحيح أن أوراق مصر ليست جاهزة الآن، لكنه في المستقبل مصر جاهزة لأن يكون لديها أوراق كبيرة جدا تمكنها من تزعم القاهرة الأفريقية، وتجنيب جنوب أفريقيا، لذلك قدمت إثيوبيا طرح دخول دولة جنوب أفريقيا كوسيط في المفاوضات كي تساعدها، لا أن تكون حكما في الأزمة بينها وبين مصر.
وأضاف الأشعل أن جنوب أفريقيا دولة كبيرة في أفريقيا وموقفها من مصر واضح جدا سواء موقفها من النظام، أو من الدولة المصرية، والحقيقة أن مصر بالفعل قد وصلت بالفعل إلى طريق مسدود في أزمة السد من خلال تعثر المفاوضات، وهو ما يضطر مصر ويدفعها إلى التصميم على التمسك بحقوقها كاملة، ويضطرها لأن تأخذ موقفا مختلفا تماما عن طريق المفاوضات الحالي، ويجب على الحكومة أن تقرر أن إثيوبيا تتعمد إهلاك مصر وتدميرها، فالقضية ليست خلافا على المياه فقط، ولكن القضية تتعلق بوجود مصر على الخريطة، وإذا ما فشلت المفاوضات بشكل نهائي لا رجعة فيه، فعلينا أولا أن نسأل سؤالا مهما، وهو: هل مصر مستعدة لأن تأخذ بإجراءات أخرى تمكنها من الحفاظ على مكتسباتها وحقوقها في المياه، أم لا؟ لأن هذه الإجراءات تستلزم أولا الاعتراف بأن إثيوبيا متعنته، وأن الطريقة التي تتبعها إثيوبيا من خلال التفاوض لم تفض إلى نتيجة، وأننا سوف نغير طريقة التعامل مع الملف، وسوف ندول القضية، ونتمسك بحقوقنا وفقا للمعاهدات الدولية، فإذا وافقت مصر على هذا النهج ستكون جميع الخيارات لدينا متاحة، حتى الخيارات العسكرية، ومصر لديها ترسانة من الأسلحة، وسيكون لمصر حق في جميع الإجراءات التي ستتخذها في مواجهة إثيوبيا بداية من العمليات التخريبية في جسم السد، أو ضرب السد، كما يمكنها فعل أي شيء للمحافظة على وجودها.

 




رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد


ادعاء إثيوبي بالسيادة على النيل الأزرق
من جانبه، قال خبير المياه الدكتور ضياء القوصي لـ«المجلة»: الاجتماع الثلاثي في العاصمة السودانية الخرطوم بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، جاء من أجل وضع المبادئ التي تم الاتفاق عليها في واشنطن الأسبوع الماضي في صورة تنفيذية، بمعنى أن ما تم الاتفاق عليه في واشنطن هو عبارة عن مبادئ عامة، حول عملية ملء الخزان التي ستتم في شهر يوليو القادم، على أن يكون الملء تدريجيا، وعلى أن لا يصل منسوب المياه لأكثر من 595 مترا فوق سطح البحر، ولكن لم يتم توضيح التفاصيل حول الكمية التي سيتم تخزينها كل عام، أو كم المياه الذي سيتم حجزة في حالة الفيضانات المرتفعة، وكذلك كمية المياه التي سيتم حجزها في الأعوام التي يكون فيها الفيضان منخفضا، وكيفية التعامل مع مثل هذه الظروف، كل هذه التفاصيل لم يتم توضيحها خلال اجتماع واشنطن الأخير، ثم إن الخلاف ليس حول عملية ملء الخزان فقط، ولكن الخلاف حول عملية الملء والتشغيل، وعملية التشغيل تستلزم وجود مراقبين، من مصر والسودان، وإثيوبيا، لأن إثيوبيا تدعي حق السيادة على النيل الأزرق، وهذا الكلام غير صحيح، لأن حق السيادة يكون لنهر ينبع من أراضي الدولة ويصب في ذات الدولة نفسها، وهو ما لا يتوفر في النيل الأزرق، حيث إنه ينبع من الهضبة الإثيوبية ويمر بالسودان ومصر ليصب في البحر المتوسط، إذن هذا النهر هو نهر دولي عابر للحدود، وليس لإثيوبيا السيادة المطلقة عليه، والسيادة المطلقة على النهر الأزرق هي للدول الثلاث معا، إذن عملية تشغيل سد النهضة يجب أن يتم الاتفاق عليها بين الدول الثلاث، وعملية التشغيل هذه تعني: ما منسوب المياه في بحيرة السد؟ وما كميات المياه التي يتم إنزالها على التوربينات كل يوم؟ وفي الساعة، وفي الشهر، وفي السنة؟ إضافة إلى صيانة جسم السد نفسه خشية انهياره، الدول الثلاث لا بد أن يكون لها رأي فيه، كل هذه المسائل سوف تدخل تحت بند التشغيل، والصيانة، وهو ما سوف تتم مناقشته للاتفاق عليه، وفي يومي 28، و29 سيذهب الجميع إلى واشنطن لعرض جميع البنود على الإدارة الأميركية، والتي ستعمل على تقريب وجهات النظر للخروج باتفاق، أو الخروج بآلية لتعويض مصر في حالة الضرر، ولا أحد يعرف حتى الآن طريقة التعويض، هل سيكون التعويض بنسبة من المياه، أم بأموال يتم دفعها، أم تعويضا بالكهرباء ؟ لا أحد يعرف.
وقال القوصي: المبدأ الآن هو الانتظار حتى انتهاء اجتماعات يومي 28، و29 من الشهر الجاري، ومعرفة ماذا سيحدث فيها، مضيفا: الجانب الإثيوبي يعرقل المفاوضات، وهذا الأمر نتفهمه جيدا، فهل سيسلم الجانب الإثيوبي بالمطالب المصرية بعدما أنفق أموالا طائلة، وجهدا فنيا، وسياسيا، ودبلوماسيا كبيرا، وتتحصل مصر بعد كل ذلك على نفس الحصة التي كانت تتحصل عليها من المياه قبل بناء السد؟ وكأن السد لم يغير من الأمر شيئا، أو كأن إثيوبيا لا تريد الطاقة، ولا الماء، وهذه الطاقة المتولدة من السد لن تستطيع إثيوبيا بيعها سوى لمصر التي يمكنها تصديره، حيث إن جميع البلدان المجاورة لها فقيرة، إذن من الطبيعي للجانب الإثيوبي أن يضع العراقيل، وهذا خطأ من الجانب الإثيوبي لأن المصريين لديهم عجز مائي بمقدار 20 مليار متر مكعب، ولن يستطيع النظام في مصر الموافقة على إنقاص حصته بمقدار 21 مليار متر مكعب من أجل أن تتمكن إثيوبيا من توليد الطاقة.
وأضاف القوصي أن محاولات إثيوبيا إدخال جنوب أفريقيا كطرف وسيط في المفاوضات هي كذبة أخرى، وهي تجسيد للمثل الشعبي «عين في الجنة وعين في النار»، فكيف تذهب للتفاوض في واشنطن، وتطرح دخول جنوب أفريقيا كوسيط؟
 
مصر تصر على السير في طريق التفاوض وإنجاحه
في غضون ذلك، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير جمال بيومي لـ«المجلة»: الجانب الإثيوبي ادعى أن مصر طالبت بملء الخزان خلال 21 سنة، وذلك بعد آخر لقاء في واشنطن، ولا يجوز أن تقوم إثيوبيا بشن حملة دعائية، خلال إجراء المفاوضات، وهو ما كذبته وزارة الخارجية المصرية في بيان رسمي لها، مضيفا أن الجانب الأميركي يمدد في فترة التفاوض، وأنا أرى أنه من الواضح أن هناك تعثرا في المفاوضات، ومع ذلك فإن مصر مستمرة في طريق التفاوض، وهو ما يعني أننا نعطي المفاوضات كل ما يمكن تأديته لإنجاحها، وهو ما ظهر جليا من خلال تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي قال: «من حق إثيوبيا السعي نحو التنمية، وهذا حق لا يمكن إنكاره»، ولكن الحق في الحياة بالنسبة لمصر أخطر، فسد النهضة هو بالنسبة للجانب الإثيوبي هو سد كهرباء، ولكن النيل بالنسبة لمصر نقطة الماء تمثل الحق في الحياة، وأصبح لزاما علينا أن نأخذ الأمر بجدية أكبر. وواضح أن مصر ستواصل التفاوض طالما أن هناك أي أمل في المفاوضات.
وقال القوصي إن محاولات الزج بجنوب أفريقيا للدخول في المفاوضات كطرف وسيط، يأتي من قبيل أن جنوب أفريقيا سيكون لها رئاسة الاتحاد الأفريقي القادمة، وعن طريق رئاستها القادمة للاتحاد الأفريقي يمكنها أن تتوسط أو تعطي نصائح للطرفين، ومصر ليس لديها مشكلة أو حساسية في التعامل مع جنوب أفريقيا فالموقف المصري معها جيد، وإذا رغبت في الدخول كوسيط «أهلا وسهلا»، لأنه في النهاية: كم تريد إثيوبيا عددا من السنوات لملء السد؟ لو تم ملء السد في فترة أقل من 7 سنوات سوف يؤثر ذلك في تدفقات المياه، والذي سيؤثر على حصة مصر، في النهاية لا يزال السد في مرحلة البناء، وما زال أمامنا وقت لحين معرفة عدد السنوات التي سيستغرقها ملء خزان السد.