الموسيقى وسيلة علاجية لمرضى التوحد

جمعية شمس بالعاصمة الجزائرية تجربة رائدة في الإدماج

* مشروع شمس ولد قبل أحد عشر عامًا، في وسط استشفائي، وتحديدًا بمصلحة طب الأطفال لمستشفى الأطفال محمد الأمين دباغين بحي باب الواد أحد أعرق الأحياء الشعبية في العاصمة الجزائر

* مراحي: جمعية شمس تهدف إلى إدماج هؤلاء الأطفال في الحياة اليومية، وذلك يعني ضمان تواجدهم العادي في مقاعد الدراسة، وفي أندية رياضية، وفي ورشات فنية.

 

* منظمات المجتمع المدني قبل أن تعمل على مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة بوسائل مادية يجب دعمهم معنويا، بأن نعيد لهم هويتهم الإنسانية، وبأن نحارب نظرة الإقصاء والدونية التي يمارسها بعض الأفراد ظلمًا

الجزائر: لم يعتقد الموسيقي والفنان جمال مراحي، أن مشروعه الذي أطلقه قبل عقد من الزمان سيحظى بالنجاح الباهر، مرّاحي الذي كان يعمل في أحد مستشفيات الأطفال بالعاصمة الجزائر، اهتدى إلى فكرة استعمال الفنون وبشكل خاص الموسيقى كوسيلة لإدماج الأطفال المرضى بالتوحد، ومتلازمة داون في محيطهم الاجتماعي، وهي التجربة التي أتت أُكلها وحققت نجاحا كبيرًا، بل وتطورت لتصبح مشروعًا مستقلاً في شكل جمعية تضُم أكثر من مائة طفل منتسب.

في دار لرعاية الشباب بــ(عين النعجة)، في ضواحي العاصمة الجزائر، يستعد، وككل مرة جمال مراحي لاستقبال متنسبي جمعيته، ومرافقيهم من الأولياء آباء وأمهات، فعلى مدار الأسبوع يقوم السّيد مراحي بعدة جلسات تدريب لأصول الموسيقى وفنونها، لهؤلاء الأطفال الذين يزيد عددهم على المائة، مصابون بأمراض مختلفة، أبرزها (التوحد)، و(التثلث الصبغي)، أو(متلازمة داون)، إلى جانب إعاقات ذهنية وحركية مختلفة، منعت هؤلاء الأطفال المصابين من العيش بطريقة عادية، وسط المجتمع الذي ينظر إليهم على أنهم قاصرون وعاجزون وينبغي الانزواء في زوايا منعزلة، وهو الأمر الذي تصدى له جمال مراحي وفريقه في جمعية شمس التي تطفئ عامها الثاني عشر.

في لقائه مع «المجلة» حدّثنا السيد مراحي عن قصة هذه الجمعية، وكيف جاءت فكرة تأسيسها، وعن بداياتها الأولى، وفي ذلك يقول إن «مشروع شمس ولد قبل أحد عشر عامًا، في وسط استشفائي، وتحديدًا بمصلحة طب الأطفال لمستشفى الأطفال محمد الأمين دباغين بحي باب الواد أحد أعرق الأحياء الشعبية في العاصمة الجزائر، أين كانت هناك فرقة متعددة الاختصاصات تسهر على تنظيم وبرمجة مختلف الأنشطة الفنية للأطفال المرضى»، يتابع مراحي بالقول: «بعد هذه التجربة، ووقوفنا على مدى تفاعل الأطفال مع مختلف العروض الفنية التي تنظم لهم، أردنا تعميم التجربة لتشمل الأطفال ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة».

في يوليو (تموز) 2008. الخلية التي كانت تنشط في مستشفى محمد الأمين دباغين، نظمت لقاء لمناقشة فكرة إنشاء جمعية أُطلق عليها اسم (شمس)، وهي الجمعية التي تنشط اليوم بعد مسار حافل لمدة أحد عشر عامًا، وأوضح مراحي أن «الجمعية اختارت الوسيلة الفنية كبعد وهدف علاجي، لأجل ذلك هي تستقبل أشخاصا من ذوي الإعاقة سواء كانت حركية أم ذهنية، بالإضافة إلى أشخاص مصابين بأمراض مزمنة، عن طريق استعمال النشاط الفني لمرافقتهم، ومحاولة إدماجهم في الحياة الاجتماعية واليومية». 

وكهدف استراتيجي يقول مراحي إن «جمعية شمس تهدف إلى إدماج هؤلاء الأطفال في الحياة اليومية، وذلك يعني ضمان تواجدهم العادي في مقاعد الدراسة، وفي أندية رياضية، وفي ورشات فنية».

ورغم أن مراحي يصف تجربة جمعيته بأنها «تجربة متواضعة» إلا أنه بالمقابل يؤكد أنه «يعمل على تعميم التجربة عبر باقي المحافظات الجزائرية»، وكشف أن «جمعية شمس اليوم لديها العشرات من الورشات الفنية والتربوية، ويقصدها أشخاص من أعمار مختلفة، بداية من أربع سنوات فما فوق، بالإضافة إلى أشخاص بصحة جيدة، هم أفراد من عائلات المرضى، سواء أخوتهم أو آباؤهم»، والهدف حسب مراحي من انخراط أشخاص بصحة جيدة في الورشات التي تقدمها (شمس) هو «زرع وغرس ثقافة تقبل الاختلاف، وتقبل الآخر، وتغيير نظرة المجتمع تجاه الإعاقة»، وفسّر حديثه بالقول: «لا يخفى عليكم أن الأشخاص الذين تطلق عليهم صفة ذوي الإعاقة أو الاحتياجات الخاصة يعانون إلى جانب أوليائهم من مشكل عويص هو تهميشهم، فباسم الإعاقة يُغيب عن مقاعد الدراسة، وباسم الإعاقة يُغيب عن النشاط الفني والرياضي، ويُغيب حتى عن المجتمع والأنشطة اليومية العادية، الأولياء يقومون بتخبئتهم حماية لهم من نظرة السخرية والاستهزاء».

وعن انتشار الجمعية ومدى الإقبال عليها، أوضح مراحي أن «شمس اليوم تنشط مع نحو مائة شخص، مصابين بمختلف الأمراض أبرزها التثلث الصبغي أو ما يسمى بمتلازمة داون، والمصابين بالتوحد، ومن ذوي الإعاقة الحركية، ومن ذوي الإعاقة الحركية والذهنية وغيرهم من المرضى».

ومتلازمة داون، أوتناذر داون، أو التثلث الصبغي، متلازمة صبغوية تنتج عن تغير في الكروموسومات، حيث توجد نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه في الخلايا، مما يسبب تغيرًا في المورّثات. تتسم الحالة بوجود تغييرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم. يصاحب المتلازمة غالبًا ضعف في القدرات الذهنية والنمو البدني، وبمظاهر وجهية مميزة. وسمّيت متلازمة داون نسبة إلى الطبيب البريطاني جون لانغدون داون الذي كان أول من وصف هذه المتلازمة في عام 1862 والذي سماها في البداية باسم (المنغولية) أو (البلاهة المنغولية)، ووصفها كحالة من الإعاقة العقلية بشكل موسع في تقرير نشر عام 1866. 

وأولئك الذين يعانون من متلازمة داون يعانون حسب تقارير طبية مختلفة دائمًا من إعاقات جسدية وفكرية. 

وككبار، فإن قدراتهم العقلية تشبه عادة قدرات البالغ من العمر 8 أو 9 سنوات. لديهم أيضًا عادة وظيفة مناعية ضعيفة ويصلون عمومًا إلى مراحل التطور في سن متأخرة. كما أن لديهم خطرا متزايدا لعدد من المشاكل الصحية الأخرى، بما في ذلك عيوب القلب الخلقية، والصرع، وسرطان الدم، وأمراض الغدة الدرقية، والاضطرابات النفسية.

وبالنسبة لـمرض التوحد فتعرفه منظمة الصحة العالمية على أنه «اضطرابات طيف التوحد، وهي عبارة عن مجموعة من الاضطرابات المعقدة في نمو الدماغ. ويتناول هذا المصطلح الشامل حالات من قبيل مرض التوحد واضطرابات التفكك في مرحلة الطفولة ومتلازمة آسبرغر. وتتميز هذه الاضطرابات بمواجهة الفرد لصعوبات في التفاعل مع المجتمع والتواصل معه، ومحدودية وتكرار خزين الاهتمامات والأنشطة التي لديه». وتكشف المنظمة أن «التقديرات المستمدة من الاستعراضات تشير إلى أن طفلا واحدا من بين كل 160 طفلاً يصاب باضطرابات طيف التوحد. وتمثل تلك التقديرات عدد الحالات في المتوسط، وتتباين معدلات انتشارها تباينًا كبيرًا بحسب الدراسات، بيد أن بعض الدراسات الحديثة تفيد بمعدلات انتشار أعلى بكثير من ذلك». وتسجل الجزائر ارتفاعًا مطردًا لهذا الداء حيث كشفت الإحصائيات العالمية المتعلقة بالتوحد في عام 2018 عن إصابة 500 ألف طفل مصاب بالتوحد في الجزائر، وفي تصريح للإذاعة الجزائرية الحكومية وصف رئيس مصلحة الأمراض العقلية للأطفال البروفسور مجيد ثابتي الأرقام الأخيرة بـ«المخيفة»، مؤكدا أن «تسجيل إصابة واحدة بالتوحد من بين 55 مولودا جديدا أمر يخيفنا كثيرا».

وبسبب هذا التنامي المطرد، فإن العناية بالأطفال المصابين حسب مراحي أكثر من ضرورة، واعتبر أن «الفضاء الذي توجده جمعية شمس ما هو إلا وسيلة لإدماج الأطفال المصابين في الحياة اليومية وليس علاجًا نهائيا بديلاً لمرضهم». 

ويؤكد مراحي: «الكثير منا ينظر إلى هؤلاء على أنهم مختلفون عنّا، لكنهم في الواقع متكاملون»، فالاختلاف برأيه «نعمة، وفكرة الجمعية مستلهمة من الكون، ومن آيات الله في خلقه، حيث الاختلاف بين البشر، فهو خلق الطويل، وخلق القصير، خلق ذوي البشرة البيضاء وذوي البشرة السوداء»، فلماذا إذن «نعمل على تغييب بعضنا البعض، كل إنسان له حقوقه الكاملة في ممارسه حقوقه اليومية، الحق في الدراسة، الحق في الترفيه، الحق في النشاط الرياضي والفني». 

ويعتقد مراحي أن «منظمات المجتمع المدني قبل أن تعمل على مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة بوسائل مادية يجب دعمهم معنويا، بأن نعيد لهم هويتهم الإنسانية، وبأن نحارب نظرة الإقصاء والدونية التي يمارسها بعض الأفراد ظلمًاعلى أشخاص ربما هم قادرون على العطاء والإنجاز أكثر من الأصحاء».

وعن المنهجية التي تتبعها (شمس) لإدماج المرضى كشف مراحي بأن هناك «عملية بيداغوجية يسهر على تطبيقها مختصون ومربون، عبر كل الورشات»، موضحًا أن «الأهداف تختلف من سن لأخرى، ومن شريحة إلى أخرى، التعامل مع مختلف المراحل يكون بطرق علمية مدروسة»، وهي الطرق التي قال عنها إنها «منحت للمرضى ثقة في النفس، ومكنتهم من بناء علاقات طبيعية مع محيطهم، وتشجيعهم على تفجير كل طاقاتهم»، واعتبر أن (شمس)، «حققت اليوم نتائج جد إيجابية»، وهي نتائج برأيه «ملموسة بل ويعجز عنها حتى الأطباء» على حد تعبيره، فاليوم من كان يوصف بـ«المعوق» بات في (شمس) يُطلق عليهم بأسمائهم الطبيعية وخلال الورشات «لا نلاحظهم كمرضى بل كلٌ لبس لباسا خاصا به ففي الورشات نشاهد الفنان ونشاهد الموسيقي ونشاهد الرسام ونشاهد النحات ونشاهد المسرحي»، وهذه الأنشطة حسب مراحي ساعدتهم حتى في تجاوز مشاكلهم الحركية، ما أثبت برأيه أن «العلاج الفني تقنية أثبتت جدواها»، مشيرًا إلى أن «هذه التقنية العلاجية ليست بدعة مستحدثة، بل هي تقنية كانت معروفة من القديم، والتقنية التي تتبعها (شمس) معروفة في عدة دول أوروبية، إلا أنها جزائريًا تعتبر التجربة الأولى والوحيدة من نوعها إلى غاية الآن»، لأجل ذلك يأمل كهدف استراتيجي أن «تتوسع هذه التجربة والتقنية لتعمم عبر باقي المحافظات الجزائرية»، فالمرضى حسب حديثه «لا يتواجدون حصرًا في العاصمة بل هم منتشرون في كل ربوع الجزائر».

وفي مقر الجمعية، وخلال أمسية فنية شاركت فيها مجموعة (إدماج الصوتية) والتي تضم نحو سبعين عضوًا من منتسبي الجمعية وأفراد من عائلاتهم وبشكل خاص الأمهات، وقفت «المجلة» على مدى التفاعل الذي كان بين الأطفال المرضى مع مدربهم جمال مراحي، ومع أفراد عائلاتهم وهو يؤدون وصلات موسيقية من الفن الشعبي الجزائري، وفي حديثهن لـ«المجلة» روت مجموعة من الأمهات المتاعب التي واجهتهن في سبيل تربية أبنائها، وفي السياق تقول رشيدة التي قدمت من تيزي وزو البعيدة بنحو 90 كيلومترا عن الجمعية من أجل مشاركة ابنها المصاب بالتوحد: «أنا اتنقل ثلاث مرات للعاصمة من أجل نقل ابني للمشاركة في ورشات الجمعية، عانيت كثيرا في سبيل التعامل مع ردود فعل غير متوقعة في البيت، وبسبب عدم وجود مراكز مؤهلة تحظى بالثقة لرعايته، وجدت ضالتي في جمعية شمس، من خلال شهادات سمعتها هنا وهناك عمّا تقدمه من دعم رعاية الأطفال المصابين». 

وعن النتيجة التي تحققت لابنها تقول: «أصدقكم القول إن سلوك طفلي تغير كثيرًا منذ التحاقه بالجمعية، فبعد أسابيع قليلة أصبح أكثر هدوءا في البيت، أصبح يتفاعل مع أشقائه، وأصبح أكثر من ذلك يشتاق لحضور أنشطة الجمعية، وهو يرفض التغيب عن أي حصة خلال الأسبوع».

وعبّرت رشيدة عن أملها في دعم الجمعية لتتوسع أكثر وتشمل باقي المدن، فالكثير حسب حديثها «يعاني مع غياب مراكز تأهيل وإدماج ورعاية، ما يثقل من كاهل الآباء في رعاية أبنائهم».