انتفاضة لبنان

العنف ردًا على تجاهل السلطات لمطالب المحتجين
* ناشطة ثورية: لدي ما أخسره... ولكن هناك محتجون ليس لديهم ما يخسرونه
* قد يكون للتعبير عن الغضب عواقب سيئة، خصوصًا أن مشاهد العنف هي بين القوى الأمنية وهم جزء من المجتمع وظروفهم المعيشية لا تقل سوءًا من ظروف باقي مكونات الشعب

بيروت: قبل أكثر من 100 يوم، وتحديدا يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2019، انطلقت انتفاضة لبنان التي عكست منذ بدايتها صورة اللبنانيين واللبنانيات بأسلوب عيشهم المختلف عن سائر بلاد المشرق العربي. أتت الانتفاضة لتؤكد المؤكد؛ وهو كيف أنّ لبنان وطن الفرح والحياة، وكيف أن أبناءه بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم وطبقاتهم الاجتماعية ورغم ظروفهم الصعبة يحبون الحياة والرقص والفرح.
ثورة لبنان وبعيدا عن أهدافها السياسية والاجتماعية كانت منذ بدايتها محط اهتمام الصحف العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي التي تناقلت الصور والمقاطع المصورة لثورة «الفرح والرقص».
كان الشعار الموحّد بين الساحات التي امتلأت بالمتظاهرين على مدى أسابيع هو «سلمية» الثورة، وقد فعلت أصوات الأغاني الثورية في الساحات، وابتدع اللبنانيون يوميا أساليب مميزّة وحضارية عبروا خلالها عن رفضهم للفساد المستشري في النظام السياسي، حتى إن خرج في بعض الأحيان «مشاغبون» من بين المتظاهرين احتكوا مع القوى الأمنية، أو قاموا ببعض أعمال الشغب بالتعدي على الأملاك العامة أو الخاصة، فكانت الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ بالأصوات الشاجبة والمنددة بهذه الأفعال والمؤكدة على سلمية الثورة، ومنهم من ذهب بعيدا واعتبر أن من يقوم بأعمال الشغب هم «مندسون» ترسلهم «أحزاب السلطة» لافتعال الإشكالات بين القوى الأمنية والمتظاهرين السلميين، لـ«تغيير وجه الثورة الحقيقي وتشريع قمع المظاهرات».


 
تجاهل لمطالب الناس
في الأسابيع الأخيرة وتحديدا بعد تكليف حسان دياب لتشكيل حكومته خفت صوت الانتفاضة، وخفّ زخم المحتجين في الشوارع، واقتصرت الاحتجاجات على بعض التحركات أمام المؤسسات العامة والمصارف، والساحات التي تشهد التحركات في نهاية أيام الأسبوع، وهذا التراجع في حدّة التحركات هو «إعطاء فرصة للرئيس المكلّف» بحسب بعض الناشطين الذي أعلن عقب تكليفه أنّه سيشكل حكومة من أخصائيين كما يطالب المتظاهرون.
إلا أنّ مسار التكليف الذي تخللته خلافات وتقاسم حصص وحقائب وزارية، وشكل الحكومة التي أبصرت النور لم تكن على قدر التوقعات والوعود، فالحكومة التي ولدت بوجوه جديدة تشبه الحكومات السابقة من مبدأ تقاسم الحقائب بين الأحزاب السياسية التي شاركت في الحكومة.
عاد الناس إلى الشارع رفضا لما فعله أحزاب الثامن من آذار الذين شكلوا حكومتهم من دون النظر إلى تطلعات الشارع ومطالبه من محاسبة الفاسدين وتشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، والتحضير لانتخابات نيابية مبكرة. تجاهلوا هذه المطالب، مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية سوءا، وتدهور قيمة الليرة اللبنانية مقابل سعر صرف الدولار، وتراجع القدرة الشرائية لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، هذا عدا عن صرف آلاف الموظفين من أعمالهم.
سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلاد، دفع الناس إلى النزول إلى الشارع بطريقة مختلفة، فبات الناشطون يرددون مصطلح «العنف الثوري» في حين شهد شارع الحمراء ووسط بيروت معارك بين المتظاهرين والقوى الأمنية على مدى أيام، حيث قام عدد من المتظاهرين بتكسير واجهات المصارف التي تحجب أموال المودعين منذ بداية الانتفاضة، فبات المواطن اللبناني لا يستطيع سحب أمواله من المصارف ولا يحق له سحب أكثر من 200 دولار في الأسبوع.
كذلك شهدت ساحة النجمة في وسط بيروت حيث مقر مجلس النواب معارك عنيفة بين المتظاهرين والقوى الأمنية، تخللتها أعمال شغب من تكسير وتحطيم الممتلكات العامة، فباتت سماء بيروت يوميا مليئة بانبعاثات الغاز المسيل للدموع الذي تطلقه القوى الأمنية، والمفرقعات النارية سلاح المتظاهرين ضدّ القوى الأمنية، هذا عدا عن الحجارة والرصاص المطاطي والحواجز الحديدية وغيرها من الأسلحة التي استخدمت في «ساحة المعركة».
 
المواجهة الحلّ الأنسب لحماية الثورة
زينة إبراهيم ناشطة منذ بداية الثورة تؤكد في حديثها لـ«المجلة» أن «المتظاهرون مارسوا التظاهر السلمي على مدى 90 يوما، وأكثر من مرة تعرضنا إلى اعتداءات من قبل حزبيين مرسلين للاعتداء علينا من قبل أحزابهم، أو حتى لاعتداءات من قبل القوى الأمنية وهذا بالطبع سيؤدي إلى عنف مع الوقت».
وتضيف: «أنا أم لطفل، لذلك قلبي ليس قويا، لا أستطيع الاقتراب من ساحة (المعركة)، لكن لا أستطيع إدانة من يقوم بهذه الأفعال أو أعمال الشغب فالثوار جميعهم تعرضوا للاعتداءات المتكررة على مدى 90 يوما، أنا عندي شيء أخسره... في ناس ما عندها شيء تخسره».
وتابعت: «المتظاهرون من بيئات مختلفة، وطبقات اجتماعية مختلفة، وهناك كثير من الثوار تضرروا جراء الأزمة التي يمرّ بها البلد، وبعد 90 يوما من التظاهر السلمي دون أي ردّة فعل حقيقية تجاههم من قبل السلطة لتحقيق مطالبهم من الطبيعي بعد الضغوطات التي تعرضوا لها أن تكون ردّة فعلهم عنيفة. ففي كل بلدان العالم التي حصلت فيها ثورات نشهد خلالها أعمال شغب، خصوصا أن التعديات لم تكن على ممتلكات خاصة لذلك لا يمكننا إدانتها، وسلمية الثورة التي نادينا بها طوال الفترة الماضية لم تأت بأي نتيجة، الأوضاع الاقتصادية تتراجع، والمطالب لم تتحقق، وتم تأليف حكومة مغلفة من الأحزاب نفسها بأسامٍ مختلفة ولكن بنفس النهج السابق.
هناك تجاهل تام لمطالبنا، ولم يؤخذ أي قرار من قبل هذه السلطة لصالح الناس، وفي النهاية شكلوا حكومة محاصصة علنا دون خجل، لذلك لا يمكننا إعطاؤهم أي فرصة، واجبنا من أجل الثورة ومن أجل بلدنا وأولادنا هو المواجهة لكي لا يذهب تعبنا سدى».

 




اشتباكات بين القوى الأمنية ومتظاهرين في محيط مجلس النواب


 
وقاحة السلطة السياسية أوصلت إلى العنف
بدوره رأى الأستاذ الجامعي والناشط الاجتماعي حاتم حلاوة لـ«المجلة» أنّ «إطلاق لقب (مندسون) على من قاموا بأعمال شغب منذ بداية الثورة لم يكن مقبولا، بل كنت أطالب بتفهم هؤلاء الناس، لأن هؤلاء الناس لديهم أوجاع ومعاناة حقيقية، وتعريف المندس هو شخص تمّ دفعه إلى الشارع بواسطة سياسي أو زعيم، وهو قبل بأن يقوم بهذا العمل لأنّ ليس لديه ما يخسره، لا يمكنني تصنيفه مندسا حتى لو أرسل من قبل زعيم، أتفهم أنّه وصل إلى درجة القبول بأن يمارس الشغب والعنف على شركائه في الوطن نتيجة ممارسات السلطة في السنوات الماضية من فساد وتفشي بطالة».
وأضاف: «الآن وصلنا إلى مرحلة التعاطف مع هؤلاء الناس أكثر، خصوصا بعدما قام فريق معين بالبلد بتسمية رئيس حكومة وشهدنا كيف تمّ تقسيم الحصص وتقاسم الوزراء علنا، شعرت أنا من لم أصل إلى مرحلة الجوع ولدي راتب ووضعي مستقر، بأنني أريد النزول إلى الشارع والتعبير عن غضبي من هذه السلطة بأي طريقة، فكيف حال من ليس لديه عمل أو من لا يستطيع تأمين معيشته هو وعائلته لذلك علينا تفهمه كيفما قرر التعبير عن غضبه».
وتابع: «قد يكون للتعبير عن الغضب نتيجة سيئة خصوصا أن مشاهد العنف هي بين القوى الأمنية وهم جزء من المجتمع وظروفهم المعيشية لا تقل سوءا من ظروف باقي مكونات الشعب، لكن هذا ما أوصلتنا إليه السلطة التي وضعت الشعب بوجه القوى الأمنية. لذلك على الحكومة التي لا أثق بها، أن تقوم بخطوات سريعة لكي لا نصل إلى سيناريو العراق، الشارع منقسم، هناك من يريد أن يعطي الحكومة فرصة، وهناك من يرفض، لأنّ الطريقة التي تمّ تشكيل الحكومة بها لا توحي بالثقة، لذلك من الخطأ الخروج من الساحات حتى تشعر الحكومة بأنّها تحت الضغط، فليس لدينا رفاهية الوقت لأنّ الأوضاع الاقتصادية تزيد سوءا كل يوم».
إذن غالبية الناشطين أقروا بعد أكثر من 90 يوما أنّ ما تشهده الشوارع من أعمال غضب وشغب هو أمرٌ مباح، لا بل مرحّب به أمام جشع السلطة وتجاهلها لمطالب الناس، وهذا يؤكده الناشط مهدي كريّم الذي يلازم الشارع منذ 17 أكتوبر، فبرأيه «العنف نتيجة طبيعية بعد تجديد السلطة لنفسها بأشكال مختلفة، خصوصا أن الحكومة الحالية تدعي الاستقلالية في حين أنّ الوجوه الوزارية التي تمثل فيها تتلقى أوامرها مباشرة من الأحزاب، وهذا ما آل ببعض المتظاهرين إلى مرحلة اعتبار أنّ العنف هو التعبير الطبيعي عن غضبهم أمام وقاحة السلطة السياسية».
 
وختم: «لم أشجع العنف يوماً، خصوصا إذا كان التعدي على الممتلكات الخاصة لكنني أتفهمه وأتفهم وجع الناس، ولكن أنا مع مواجهة السلطة السياسية بأشكال مختلفة تستطيع الحد من شرعية هذه السلطة».


 
لا يمكن أن تكون الثورة رحيمة ومهذبة.
إذن بعد أكثر ثلاثة أشهر على انطلاق انتفاضة لبنان التي تغنّت بسلميتها، يبدو أنّها لم تحقق أي تقدم حتى الساعة، فـ«الانتصار» بإسقاط حكومة الرئيس السابق سعد الحريري الذي قرّر الاستجابة لمطالب الشارع وأسقط الحكومة التي كان يرأسها، لم يأت بانتصار آخر، أحزاب الثامن من آذار صموا آذانهم عن صوت الشارع، شكلوا حكومة اللون الواحد، التي لم يتم الترحيب بها لا دوليا ولا عربيا ولا محليا. فهل بات على المتظاهرين تطبيق مقولة زعيم الثورة الصينية ماوتسي تونغ الذي قال: «لا يمكن أن تكون الثورة حفل عشاء، أو كتابة مقال، أو رسم لوحة، أو تطريز قطعة. لا يمكن أن تكون بهذه الرقة واللطف، لا يمكن أن تكون رحيمة ودمثة ومهذبة، الثورة انتفاضة، عمل عنيف تستطيع بموجبه طبقة أن تطيح بطبقة أخرى».