حكومة لبنان... غاب المحازبون ولم تغب الأحزاب

* نصف الحكومة تشكّلت من غير اختصاصيين ولا تمتّ بصلة إلى معايير تكنوقراطية

* وجد الشعب نفسه أمام حُكم ثلاثة وزراء على صلة وثيقة بالمصرفيين

 

 

بيروت: انتهت عمليات التسليم والتسلم في حكومة لبنان الجديدة التي يرأسها الدكتور حسان دياب والتي وُصفت بأنها «تكنوقراطية» تلبية لمطلب الشعب، وقد حملت عنوانًا دسمًا ووعدًا بأن تكون حكومة «إنقاذية». فهل صدقت السلطة مع الشعب اللبناني الذي نزل إلى الساحات ثائرًا منذ السابع عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019حتى الساعة، مطالبًا بحقوقه، أم إنها أوهمته بالجديد فيما بقي القديم على قدمه؟

وقبل أن تنال الحكومة الثقة من مجلس النواب، كانت قد خسرت ثقة الشعب، فقد انطلقت مسيرات كثيرة في العاصمة بيروت تحمل جميعها لافتات كُتب عليها «لا ثقة بحكومة تكنو محاصصة»، وقد اتّشح جميع المشاركين باللباس الأسود حدادًا على موت ضمائر السياسيين، حسب قولهم.

بعيدًا عن السياسة والانتماءات السياسية، ومن منظارٍ أكاديمي صرف أجرت مجلة «المجلة» حديثًا استطلاعيًا مع الباحثة في علم الاجتماع السياسي الدكتورة ميرنا زخريّا للإضاءة على الملاحظات التي يجوز توجيهها إلى التشكيلة الحكومية من ناحية الشكل، ذلك أن النواحي العملية لم تبدأ بعد.

الدكتورة زخريّا وبعدما أكّدت أن «الحكومة غاب عنها المحازبون ولكن لم تغب عنها الأحزاب»، عمدت إلى تقسيم ملاحظاتها إلى أربعة أجزاءٍ وهي «الدمج، التخصّص، الإقصاء، والمصارف».

ففي ملاحظتها الأولى، اعتبرت أن:

هناك دمج غير منطقي لناحية تعييناتٍ ثلاثة في الحكومة. وعملية الدمج بحدّ ذاتها ليست مستغربة إنما المستغرب هو مزج ما لا يُمزج، فمن جهة أولى جرى تسليم وزير واحد لوزارتين بعيدتين كل البعد عن مهام بعضهما، ومن جهة ثانية جرى تسليمهما إلى وزير غير مختص بأي منهما، فمثلاً:

1- حصة الوزير السابق طلال أرسلان: تسلّم وزارة السياحة والشؤون الاجتماعية، رمزي مشرفية، دكتور في الجراحة.

2- حصة حركة أمل: تسلّم وزارة الزراعة والثقافة، عباس مرتضى، دكتور في الحقوق.

3- حصة رئيس الحكومة: تسلّم وزارة البيئة والتنمية الإدارية، دميانوس قطار، خبير اقتصادي.

وحول التخصص أشارت زخريّا إلى أن:

اللبناني سمع عبارة تكنوقراط في الأسابيع الأخيرة أكثر مما سمعها طوال حياته، إنما بالحقيقة نحو نصف الحكومة تشكّلت من غير اختصاصيين ولا تمتّ بصلة إلى معايير التكنوقراطية التي تفرض أن تكون السيرة الذاتية متماشية مع السيرة الوزارية، فبالإضافة إلى عمليات الدمج، هناك مثلاً:

1- حصة التيار الوطني الحر: وزيرة الدفاع زينة عكرا عدرا، مجازة في العلوم الاجتماعية والتسويق.

2- حصة التيار الوطني الحر: وزيرة المهجرين غادة شريم عطا، حائزة دكتوراه في الأدب الفرنسي.

3- حصة أرسلان: وزيرة الإعلام منال عبد الصمد نجد، حائزة دكتوراه في القانون.

4 - حصة الطاشناق: وزيرة الرياضة فارتيه أوهانيان كيفوركيان، مجازة في العلوم الاجتماعية.

5 - حصة المرده: وزيرة العمل لميا يمين دويهي، مجازة في الهندسة المعمارية.

6 - حصة رئيس الحكومة: وزير التربية طارق مجذوب، قاضٍ في مجلس شورى الدولة.

وتابعت في ملاحظتها الثالثة، فذكرت أن:

يُقسم لبنان إلى ثماني محافظات، في حين سبع وزراء أي أن35% من مجموع العشرين وزيراً قد أتوا من محافظة الشمال كما أن 100% من وزراء الطائفة الأورثوذكسية قد أتوا من قضاء الكورة لا غير، ما ساهم في عملية إقصاء مناطق أخرى. ولعلّ ما رفع المعدّل، هو تركيز التيار الوطني الحر على تعيين ثلثيّ وزرائه (4 من 6) من الكورة والبترون، رغم أن له نواباً في معظم الدوائر، بحيث:

1- حصة التيار الوطني الحر: وزراء «الطاقة والخارجية والدفاع» من الكورة، والعدل من البترون.

2- حصة المردة: وزيرة العمل من زغرتا، ووزير الأشغال من الكورة.

3 - حصة اللقاء التشاوري: وزير الاتصالات من طرابلس.

وفي ملاحظتها الرابعة والأخيرة عن المصارف، لفتت إلى أنه:

بعد كل ما عاناه المواطن اللبناني وما زال يعانيه من احتجازٍ لأمواله وإذلالٍ يومي في فروع المصارف، وبعد الاعتصامات أمام المصرف المركزي، وبعد انتفاضة الطلاب الجامعيين التي حملت عنوان «يسقط حُكم المصرف»، وجد الشعب نفسه أمام حُكم ثلاثة وزراء على صلة وثيقة بالمصرفيين، وهم:

1- حصة التيار الوطني الحر: وزير الاقتصاد راوول نعمة، مدير عام بنك ميد.

2- حصة رئيس الحكومة: وزير الداخلية العميد محمد فهمي، مستشار أمني في بلوم بنك.

3- حصة رئيس الحكومة: وزير البيئة والتنمية دميانوس قطار، عضو مجلس إدارة كريديت بنك.

وختمت زخريّا حديثها:

«لا يمكنني أن أتكهّن إن كان الثوّار سيواصلون تحرّكاتهم، ولكن يمكنني أن أستنتج بأن عمليات دمج وزارتين لم تكن ذات خياراتٍ ناجحة، ولا يوجد أصلاً تخصصٍ جامعي يجمع نقيضين».

ثم أردفت أنه: «رغم أن التشكيلة تضم وزراء ووزيرات على مستوى عالٍ من العِلم ومن الخبرة، ولكن بعضهم كان من الأنسب للبنان تعيينه بمكانٍ آخر للاستفادة منهم».

واستكملت قائلة: «أما عدم التوازن بين الأقضية والمحافظات عند تسمية الوزراء، فمن المرجّح أن تكون الحسابات الخاصة في الانتخابات النيابية القادمة هي السبب وراءها».

وأضافت: «أما لناحية موظّفي المصارف الذين أصبحوا وزراء، فمن المتوقّع أن تتأثر قراراتهم اللاحقة بمسؤولياتهم السابقة، كما من المتوقّع أن تستحوذ المشاكل المالية والاقتصادية على جزء كبير من الجلسات في السراي الحكومي».