الأزمة الليبية تُخرج الجزائر من عزلتها

إنزال دبلوماسي مكثف على الجزائر
* يبدو أن الاستقرار الذي حلّ بقصر الرئاسة بعد انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون سيضع حداً للعزلة التي فُرضت على الجزائر لسنوات 
* الخارجية الجزائرية: لقاء الجزائر يندرج في إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها، لتدعيم التنسيق والتشاور بين بلدان الجوار الليبي والفاعلين الدوليين 
* صبري بوقادوم: حل الأزمة الليبية يتطلب أن يكون ليبياً - ليبياً بدعم من المجتمع الدولي

الجزائر: بعد سنواتٍ من السُبات والركود، وغيابها عن المشهد السياسي الإقليمي والدولي، عادت الدبلوماسية الجزائرية أخيراً للنشاط والبروز، ويتجلى ذلك من خلال الإنزال الدبلوماسي المكثّف على الجزائر، خلال هذا الأسبوع، حيث كان الملف الليبي أبرز الملفات المطروحة على طاولة النقاش بين مختلف الشخصيات الرسمية التي حلّت بقصر الرئاسة في المرادية، ويبدو أن الاستقرار الذي حلّ بقصر الرئاسة بعد انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون سيضع حداً للعزلة التي فُرضت على الجزائر لسنوات بسبب عجز الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة صحياً، ما تسبب في غيابه عن الجزائريين، وعن العالم لسنوات طويلة.
وخلال بحر هذا الأسبوع، والذي قبله، وبعد إعلان الرئيس عبد المجيد تبون خلال مؤتمر برلين عن استعداد بلاده لاستقبال أطراف الحوار في ليبيا، تم الإعلان عن اجتماع دول جوار ليبيا بالجزائر، وشارك فيه وزراء خارجية ست دول عربية وأفريقية، وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري أبرز المشاركين، إلى جانب وزير الخارجية الألماني هايكو مايس، ممثلا عن مؤتمر برلين، وشارك في الاجتماع أيضا وزراء خارجية النيجر، وتشاد، والسودان، ومالي، وممثل الخارجية التونسية.
وحسب بيان صادر عن الخارجية الجزائرية فإن هذا اللقاء الذي يعقد بمبادرة من الجزائر، «يندرج في إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها الجزائر، لتدعيم التنسيق والتشاور بين بلدان الجوار الليبي والفاعلين الدوليين، من أجل مرافقة الليبيين للدفع بمسار التسوية السياسية للأزمة عن طريق الحوار الشامل بين مختلف الأطراف الليبية، لتمكين هذا البلد الشقيق والجار من تجاوز الظرف العصيب الذي يعيشه، وبناء دولة مؤسسات يعمها الأمن والاستقرار».
وخلال مؤتمر صحافي في ختام الاجتماع، قال وزير الشؤون الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم إن «حل الأزمة الليبية يتطلب أن يكون ليبياً - ليبياً بدعم من المجتمع الدولي»، مؤكدا أن «دول الجوار ترفض أي تدخلات خارجية في ليبيا». وأوضح بوقادوم أن «المشاركين اتفقوا على أنه لا يوجد حل للأزمة الليبية إلا الحل السياسي»، مشدداً على «رفض التدخل الأجنبي وضرورة احترام حظر تدفق السلاح إلى ليبيا». وألح على «ضرورة احترام حظر توريد السلاح إلى ليبيا بموجب القرار الأممي».
وحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية، فإن وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أكد أن «بلاده لا ترى تسوية للأزمة الليبية إلا بتشكيل حكومة مستقلة ونزع سلاح الميليشيات وتوزيع الثروات وتنظيم الجيش». مؤكداً أن «مصر لن تسمح بالعبث بأمن ليبيا والأمن القومي لدول المنطقة».
وتابع شكري: «نحن داعمون للشعب الليبي برفضه التام لمحاولات السطو على مقدراته وانتهاك سيادته». وشدد على أن «مصر عازمة على العمل على تجسيد ما أفرزه اجتماع برلين من أجل قيام دولة ليبية».
وفي سياق المشاورات المتعلقة بالأزمة الليبية حلّ أيضًا منتصف هذا الأسبوع بالجزائر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي لدولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في زيارة عمل تندرج حسب بيان الرئاسة الجزائرية في «إطار علاقات الأخوة التي تربط البلدين الشقيقين وتسمح بتقييم التعاون الثنائي في جميع أبعاده ودراسة آفاق تعزيزه، خاصة في مجالي الشراكة والاستثمار».
كما شكلت الزيارة، يضيف البيان: «فرصة لتبادل الرؤى حول المسائل الجهوية والدولية ذات الاهتمام المشترك، خاصة الوضع في ليبيا، على ضوء التطورات الأخيرة التي يشهدها هذا البلد الجار، وسعي الجزائر والأطراف الدولية الفاعلة لإيجاد حل سياسي يضع حدا للأزمة الليبية عبر الحوار الشامل بين الأطراف الليبية بعيدا عن أي تدخل أجنبي».
ومن المنتظر أن يحلّ الرئيس التونسي قيس سعيّد يوم الأحد المقبل بالجزائر في زيارة يبحث فيها مع نظيره الجزائري العلاقات الثنائية بين البلدين وملف الأزمة الليبية. ونقل موقع جريدة «الخبر» الجزائرية أن «هذه الزيارة تأتي في إطار تعزيز أواصر العلاقات السياسية بين البلدين وإمكانية تطويرها في مجالات عدة، خاصة التجارة والصناعة والمبادلات في مجال الإنتاج الزارعي»، ويرافق الرئيس التونسي وفد وزاري هام. ومن المنتظر أن يكون الملف الليبي حاضراً بقوة على مائدة الحوار بين الرئيسين قيس سعيد، وعبد المجيد تبون.
ويعتقد المحلل السياسي فاتح خننو أن «زيارات العديد من المسؤولين رفيعي المستوى إلى الجزائر في هذه المرحلة، تُعبر عن ثقل الجزائر وعودتها لتلعب أدوارها المعتبرة على مستوى الإقليم وعلى المستوى الدولي»، لافتا إلى أن «الجزائر هي التي كانت قد دعت مجلس الأمن إلى تحمل مسؤوليته في فرض احترام السلم والأمن في ليبيا، كما دافعت عن طرح الحل السلمي للأزمة في هذا البلد الشقيق، ودعوة الفرقاء الليبيين للجلوس على طاولة الحوار، كما أرسلت الجزائر مساعدات إنسانية إلى كل الليبيين»، وهذه إشارة برأيه إلى أن «المقاربة الجزائرية هي جامعة لكل الليبيين، وتقف على مسافة واحدة من كل الأطراف المتنازعة، وتسعى إلى إيجاد الحلول السياسية والسلمية لهذا الملف الذي يشكل بؤرة توتر حقيقية داخل الفضاء الإقليمي».
وفي حديثه لــ«المجلة» يعتقد الأستاذ والباحث في العلوم السياسية بجامعة مولود معمري تيزي وزو، الدكتور زاوي رابح، أن «الدبلوماسية الجزائرية تعيش مرحلة جديدة سيكون لها انعكاسات على المستوى الخارجي، بحكم أن الدبلوماسية الجزائرية كانت شبه راكدة منذ 2013»، ومن الناحية العملية يؤكد أنها «تحولت إلى دبلوماسية تقوم على أساس تحريك الملفات الكبرى المرتبطة بدوائر الأمن القومي الجزائري، وخاصة دوائرها القريبة ومنها ليبيا ومالي، من هنا جاء التحرك الجزائري، والذي كان وفق تصور ظهرت ملامحه الرئيسية في خطاب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يوم تنصيبه».


من جهة أخرى، يرى زاوي أن «التحرك الجزائري يأتي في إطار تفعيل دبلوماسية العلاقات الثنائية، فقبل أيام شهدت الجزائر إنزالا دبلوماسيا بدأ مع وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، ورئيس الدبلوماسية الإيطالية لويجي دي مايو، وأيضًا وزير الخارجية المصري سامح شكري، ورئيس مجلس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي، وأيضا الزيارة التي قام بها وزير الخارجية صبري بوقادوم إلى السعودية والإمارات، لتليها زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وانعقاد القمة الجزائرية – التركية». والمهم في كل هذه الزيارات التي لم تتوقف برأيه هو «تأكيد الجزائر الدائم على ثبات مواقفها تجاه الأزمة وطرق حلها، وأن تصوراتها إزاء هذا الملف مبنية على تحليل موضوعي، وعلى مقاربة عقلانية بحكم أنها تقاسمها حدودا طويلة جدا مع ليبيا»، لذلك الجزائر في تقديره «الأكثر قدرة على فهم التحديات الأمنية الموجودة، والرهانات التي يمكن أن تطرحها فكرة اندلاع حرب في المنطقة».
زاوي يجزم بأن «ما يحدث في ليبيا لا يحتمل المزيد من التعقيد»، والتوجه نحو حرب شاملة تعقيداتها حسب حديثه لن «تقتصر على الداخل الليبي بل ستكون لها تداعيات أكبر على دول الجوار والمنطقة المغاربية بشكل أكبر»، بل ويعتقد أن «الحديث عن حرب أهلية هو حديث متأخر نوعا ما، بالنظر إلى أن ما يحدث في ليبيا من تناحر بين مختلف الفصائل هو من قبيل الحرب الأهلية في ظل تزايد أعداد الضحايا المدنيين».
وبالنسبة للموقف الجزائري ودورها، يعتقد زاوي أن «الجزائر قد أبانت عن موقفها الداعم للحوار الداخلي في ليبيا، ولم تدخر أي جهد في سبيل إنجاح هذا المسار»، بل أكثر من ذلك، يتابع، هي «وقفت على نفس المسافة من جميع الأطراف الموجودة، دون أي تدخل أو محاولة لفرض إملاءات على الحكومة الليبية».
ويوضح زاوي أن «الجزائر تحملت تبعات التدخل الغربي في ليبيا، والدليل حركات تهريب السلاح عبر الحدود، دون إغفال الحديث عن تحرك الجماعات الإرهابية والمقاتلين المتشددين عبر الرواق الجنوبي، لهذا فالمرحلة القادمة تحتاج لتضافر الجهود الداخلية والالتفاف حول القيادة السياسية في سبيل تقوية الجبهة الداخلية».
وفي تقدير زاوي، فإن «أقوى موقف جزائري بخصوص الأزمة الليبية، هو ذلك الذي صدر عن وزير الخارجية صبري بوقادوم، بعد هجوم الجنرال خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، حيث دعا إلى الوقف الفوري للحرب في طرابلس من خلال قوله إن الجزائر لا تقبل أن يتم قصف عاصمة في دولة من المغرب العربي».
وعن الدور المنتظر للجزائر عملياً في مساعدة الليبين لتجاوز الأزمة، يشير زاوي إلى أن «الأمر مقترن بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، وبالنسبة للعوامل الداخلية فهي مرتبطة أولا بقدرة صانع القرار على ترتيب الأولويات الخاصة بالسياسة الخارجية، والبداية تمر عبر الملف الليبي ثم مالي والساحل الأفريقي، وعلى المزاوجة بين الفعل السياسي والإنساني، وهو الأمر الذي سيسمح بتقليص حدة الأزمة الإنسانية في ليبيا».
ونوّه زواي بأهمية «توظيف ما حققته الجزائر إلى غاية الآن داخل الاتحاد الأفريقي من نجاحات مؤسساتية أهمها إنشاء قوة جاهزة للانتشار لمواجهة الأزمات الداخلية والإقليمية في أفريقيا، وهو ما من شأنه أن يسمح بمعالجة الأزمة الليبية ضمن أطر أفريقية – عربية لا غير». لذلك يعتقد أن «الفرصة مواتية أمام الجزائر للعب دور محوري، دور يوازي ما نطلق عليه في تحليل موازين القوى الموازن الإقليمي، حيث إن غياب هذا الأخير أدى إلى تفكك النظام الإقليمي العربي وجعله عرضة للاختراق، وهنا يكون أمام الجزائر ممر هام لتوظيف عودتها القوية للساحة الدبلوماسية».
من جانبه يؤكد الدكتور بابا عربي مسلم أستاذ العلوم السياسية بجامعة ورفلة أن «الجزائر تقترب من تحقيق إنجاز دبلوماسي قد يعبد الطريق لحل سياسي للأزمة الليبية»، ويوضح لــ«المجلة» بقوله «ليس من المستبعد أن يجلس فرقاء ليبيا في الأيام المقبلة مجدداً إلى طاولة الحوار، لكن هذه المرة بوساطة ومساعٍ وضيافة جزائرية»، ففي الأسابيع الماضية، يتابع: «عملت الخارجية الجزائرية بشكل مكثف على جمع قطع الأحجية باستطلاع أوراق حلفاء الأطراف المتصارعة، فالجزائر من حيث رصيدها الدبلوماسي، وقربها الجغرافي واطلاعها على الوضع السياسي هي الأقدر على إنجاز وساطة ناجحة».
والأهم من ذلك كله وحتى من التداعيات المحتملة لفشل التسوية السلمية التي ستتحملها الجزائر أكثر من غيرها من دول الجوار في تقدير مسلم هو أن «الدافع والحافز الأقوى لدى الجزائر هو تحقيق إنجاز دبلوماسي يمكن استثماره على مختلف الأصعدة، خصوصاً في بناء مشروعية سياسية، قائمة على الإنجاز». فليس من الغريب، يتابع أن «كثيرًا من الإنجازات الدبلوماسية حققتها الجزائر في أوج أزماتها الداخلية ومشاكلها السياسية»، فالجبهة الخارجية في الأدبيات الجزائرية حسب مسلم «إن لم تمنحك تحديًا مصدره التهديد الدافع لتوحيد الجبهة الداخلية وتجاوز الخلافات، فيمكن أن تعطيك تحديًا للإنجاز يصرف النظر عن تهلهل وضعف الشرعية السياسية داخليا».
وذكر مسلم أن «الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة دشن عهدته الرئاسية الأولى بإنجاز اتفاق الجزائر لإنهاء النزاع بين إرتيريا وأثيوبيا في ديسمبر (كانون الأول) عام 2000، وذلك حتى قبل أن ينهي الصراع الداخلي بين الجزائريين».