«صفقة القرن» أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة

ثمة فرق شاسع بين الحل والحل العادل، وبين التسوية والسلام، وبين الحق والقوة. وما أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قبل أيّام في البيت الأبيض، لا يصلح أن يكون خطة سلام عادلة، بل تصلح لأن تكون تمامًا كاسمها: صفقة.
 
ما حصل في البيت الأبيض يُشبه المسرحية الهزلية، صحيح أن فصولها كانت معروفة منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وجرى الإعداد لها على مراحل، إلا أن الستارة رُفعت عنها هذه المرة،  باستعراض رسمي، ولكنها قد تُسدل مجددًا، فلا أحد يملك القدرة على فرض هكذا حل على الفلسطينيين، ولا مسؤول في العالم العربي والإسلامي قادر على التصريح العلني بأن فلسطين لم تعد القضية، وبأننا لم نعد معنيين.
 
كثير من الآراء صبت في خانة أن مضمون الخطة/الصفقة ليس بجديد، فقد تم تسريبه عبر الإعلام أو من خلال مسؤولين، عدة مرات، إلا أن توقيت الإعلان وشكله كان عبارة عن خدمات سياسية متبادلة بين ترامب ونتنياهو، فالأول يواجه إجراءات عزله، والثاني يواجه تهمًا بالفساد، وكلاهما أمامه انتخابات قريبًا.
 
ولكن هذا لا ينفي بروز كثير من الأصوات التي رحبت بالصفقة، معتبرة أنها تعطي فرصة للفلسطينيين لإقامة دولتهم. وتحت اسم الواقعية، راحوا يحثون الفلسطينيين للإسراع بإعلانهم عن القبول بهذا العرض الصفقة
حتى إن ترامب أطلق عليها "الفرصة الأخيرة".
وفي الواقع، لم يصدر موقف عربي واحد يقول للفلسطينيين، اقبلوا بهذه الصفقة، بل إن أكثر المؤيدين اعتبروا أن الفلسطينيين أمام فرصة حقيقية للعودة إلى طاولة المفاوضات، إلا أن الأبرز كان موقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي أجرى اتصالا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكد له موقف المملكة الثابت من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي قدرت فيه الخارجية السعودية جهود ترامب، ودعت الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى البدء بمفاوضات مباشرة بينهما برعاية أميركية، ومعالجة أي خلافات حول أي من جوانب الخطة المطروحة من خلال المفاوضات.
 
وفي الحقيقة، وبعيدًا عن شعارات شعبوية وسمت القرن الماضي، ولم تغن أو تسمن من جوع، إلا أن العقبة الأولى أمام الفلسطينيين، قبل وبعد طرح خطة ترامب، هي انقسامهم، فصحيح أن الانقسام العمودي بين السلطة الفلسطينية وحماس لم يمنع الطرفين من الإسراع بإعلان رفضهما لخطة ترامب، إلا أن استمرار هذا الانقسام، سيمنع بكل تأكيد الإفادة من أي فرصة تأتي للفلسطينيين، بل وقد يزيد من حجم الخسائر الذي لحق بالقضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة
أما العقبة الثانية، فهي التدخل الإيراني، والذي سيرى بطرح خطة ترامب فرصة لإحداث المزيد من الانقسام في الشارع الفلسطيني أولا، وفي الشارع العربي ثانيا، فإيران التي طالما امتهنت بالمباشر وعبر أدواتها الاتجار بالقضية الفلسطينية، سترى اليوم فرصة تدخل جديدة بفلسطين والعرب، لا حباً في فلسطين بل كرهاً في العرب.
 
قد يبدو الأمر الإيجابي الوحيد لصفقة القرن هي أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وكي لا يكون رفض الخطة/ الصفقة هو رفض لمجرد الرفض، فعلى الفلسطينيين أولا بعد حل خلافاتهم بين بعضهم البعض، والعرب ثانيا، الإسراع للإمساك بزمام المبادرة والإعلان عن موقف مبادر إن عبر تجديد طرح المبادرة العربية للسلام، أو عبر طرح مشروع بديل، وإلا فإن حالة المراوحة التي تعيشها القضية الفلسطينية منذ سنوات مع سيئاتها، تبقى أفضل من توقيع وثيقة استسلام حتى من دون مقابل يُذكر.