الأكل على الطريقة المصرية

مهمة شاقة أمام النباتيين في مصر رغم جذور مطبخهم الثرية
* في بلد به فقر مدقع وارتفاع في أسعار الغذاء، يزداد اعتبار اللحوم رفاهية ومؤشرا على الثراء، وبالتالي يتلهف الكثير من المصريين الذين يعيشون على الطعام النباتي بحكم العادة إلى تناولها
* ساهم في تشكيل المطبخ المصري التقليدي إلى حد ما السكان من الأقباط الأرثوذكس، وهم يصومون لمدة تتراوح بين 180 إلى 200 يوم في العام، يمتنعون فيها عن تناول جميع المنتجات الحيوانية ويلتزمون بتناول وجبات نباتية في أيام صومهم
* تشير الأبحاث إلى أن الأصول الصديقة للنظام النباتي في مصر ترجع إلى عصر المصريين القدماء. وكان أبرز رواد التعاليم النباتية الفرعون المصري أخناتون، الذي حظر ذبح الحيوانات
* بالنسبة لمتبعي الأنظمة النباتية المختلفة، لا يعد هذا الحدث في حد ذاته احتفالاً، حيث يتسبب مشهد ذبح الحيوانات في الشوارع والوجبات المليئة باللحوم بعده في الشعور بضيق مفهوم.

 
تنتشر الأنظمة الغذائية النباتية في مختلف أنحاء الغرب، حيث تشهد مبيعات المطاعم والمنتجات الخالية من اللحوم ارتفاعًا مذهلاً. وبحسب إحصائيات «غوغل»، فقد ارتفع الاهتمام بالبحث عن كلمة «نباتي» – اتباع نظام غذائي خالٍ من المنتجات الحيوانية – إلى سبعة أضعاف في الأعوام الخمسة الماضية من 2014 إلى 2019 في ظل اجتماع مخاوف بشأن الصحة البدنية وحياة الحيوانات واستدامة البيئة. 
قد تكون معذورًا إذا ظننت أن نمط الحياة الخالي من منتجات اللحوم توجه حديث نسبيًا نشأ على الإنترنت، ولكن في مصر، حيث يتناول كثير من السكان وجبات أغلبها نباتية بالصدفة وليس اختياريًا ويبدو المصطلح الحديث باتباع حمية نباتية غريبًا على كثيرين، يعد النظام الغذائي النباتي في الواقع عودة إلى أصل نظامهم الغذائي.
يحب المصريون اللحوم. وإذا سألت أي شخص عن وجبته المفضلة، ربما يجيبك «كباب وكفتة»، وهما أشهر أنواع اللحوم في البلاد. ولكن في بلد به فقر مدقع وارتفاع في أسعار الغذاء، يزداد اعتبار اللحوم رفاهية ومؤشرا على الثراء، وبالتالي يتلهف الكثير من المصريين الذين يعيشون على الطعام النباتي بحكم العادة إلى تناولها.
ومع ذلك لا تعتمد كثير من الأطباق المصرية الأساسية والأطعمة الخاصة عادة على اللحوم.
تركز الوجبات في المعتاد على الخضراوات والطبيخ. وطعام الشارع هو ما يستطيع أغلب المصريين شراءه، فيقفون راضين في الصف للحصول على أفضل وجبة كشري، وهو الطبق التقليدي للبلاد حيث يرجع أصله إلى القرن التاسع عشر، ويحتوي على الأرز والمعكرونة والعدس ويعلوه صلصة طماطم وتتبيلة خل بالثوم ويزينه حمص وبصل مُحمر مقرمش. 
تتضمن الأكلات المصرية الخاصة أيضًا الملوخية، وهي عبارة عن حساء من أوراق الملوخية الخضراء مع الثوم ويُعرف أنها كانت أحد الأطباق التي يتناولها الفرعون. 
كذلك هناك المحشي وهو خضراوات محشية بالأرز؛ والفول المدمس الشهير بأنه طبق أساسي في أي إفطار مصري، وأيضا الفلافل المقلية المقرمشة المصنوعة من الفول والخضرة فقط، وليس من الحمص كما في بعض دول الشرق الأوسط.
ساهم في تشكيل المطبخ المصري التقليدي إلى حد ما الأقباط الأرثوذكس، الذين يشكلون من 10 إلى 15 في المائة من السكان. وهم يصومون لمدة تتراوح ما بين 180 إلى 200 يوم في العام، ويمتنعون فيها عن تناول جميع المنتجات الحيوانية ويلتزمون بتناول وجبات نباتية في أيام صومهم. لا تتجاوز جماعة مسيحية أخرى فترات الصيام الممتدة تلك سوى أتباع كنيسة التوحيد الأرثوذكسية. وبينما يهدف المبدأ من الصيام إلى الحد من البذخ في الطعام تحت اسم الورع الديني، فإن الصيام أدى إلى انتعاش المعروض من المأكولات النباتية أمام عامة السكان على مدار العام.
علاوة على ذلك، تشير الأبحاث إلى أن الأصول الصديقة للنظام النباتي في مصر ترجع إلى عصر المصريين القدماء. بحسب اكتشافات كثيرة، من بينها بحث لذرات الكربون في مومياوات لأشخاص عاشوا في مصر، فيما بين عامي 3500 ق.م. و600 ق.م. اعتمد المصريون كثيرًا على زراعة القمح والشعير بدلاً من اللحم والسمك. ربما يكون هذا باعثًا على الدهشة نظرًا لقرب الحضارة المصرية من النيل، ولكن يرى الباحثون أن أسبابًا دينية تكمن وراء هذا التوجه. كانت الأبقار والأكباش والخنازير والماعز جميعًا تحظى بتقديس في مصر القديمة. ولم يكتف المصريون في ذلك الوقت بعدم تناول اللحوم إلا نادرًا (في الاحتفالات والأعياد فحسب)، بل كانوا يبغضون ارتداء جلود الحيوانات. وكان أبرز رواد التعاليم النباتية الفرعون المصري أخناتون، الذي حظر ذبح الحيوانات لأنه كان يعتقد أنه من الخطأ قتل أي روح خلقها الإله آتون.
من جهة أخرى، تتنامى الحركة النباتية الحديثة في العاصمة المصرية، على الرغم من اتخاذها نطاقًا أصغر، حيث تتبعها نخبة صغيرة. ولكن يزداد عدد الأشخاص الذين يتبنون الحمية خارج هذه المجموعة المميزة. تقول ياسمين نظمي، وهي رائدة أعمال مصرية شابة أسست أول مطعم للأطعمة النباتية والعضوية، لـ«المجلة»: «عندما بدأت مشروعي في عام 2013. كنت واحدة من 20 شخصا نباتيا في مصر! والآن أستطيع أن أؤكد أن العدد وصل إلى الآلاف، ولا يزال في ارتفاع. من الرائع رؤية هذا التحول في مجتمعنا، حتى وإن كان على نطاق صغير، وهو تحول هائل نسبيًا في الأعوام الخمسة الماضية».

أحد أشهر الخرافات المنتشرة حول النظام النباتي هي أن المرء ينفق على منتجات الخضراوات أكثر مما ينفقه على المنتجات الحيوانية، وبالتالي لا يعد هذا النظام سوى اختيار للطبقة المتوسطة-العليا، ولكن تعتقد نظمي أن النظام النباتي يمكن تصميمه بسهولة ليلائم أغلب الناس بغض النظر عن دخلهم.
تقول نظمي: «أليس الطعام النباتي يعتمد على المزروعات؟ وهي زهيدة الثمن، وستظل كذلك، إلا إذا كان المرء يستورد شيئا يبعد عنَا بقارتين. المنتجات هي الأكثر تكلفة، إذ تتضمن التعبئة والتسويق والرواتب والفواتير والنقل وغيرها من المصروفات. وطالما التزم المرء بشراء الأطعمة الطازجة، لن تكلفه كثيرًا على الإطلاق. بل يمكن أن يكون المرء نباتيًا بميزانية محدودة».
من الأفضل أن نطرح هنا سؤالاً آخر: كيف يمكن للمرء أن يتناول اللحوم بميزانية محدودة؟ وهو سؤال بالأحرى أن نطرحه على النباتيين بالصدفة في مصر.
على الرغم من أن المطبخ المصري يتضمن الكثير من الخيارات النباتية، تظل هناك وصمة تحيط بالنباتيين الذين يواجهون مقاومة. توضح ياسمين نظمي، التي تمتلك علامة كاجو للأغذية النباتية المجمدة المتوفرة في محلات السوبر ماركت في مختلف أرجاء مصر: «عندما توقفت عن تناول اللحوم والألبان في عام 2013، كان الناس يرون أنني متشددة وشعرت بعزلة، وكنت لا أتناول طعامي إلا مع أصدقاء نباتيين أو أفرض طعامًا نباتيًا على ضيوفي. وأصبحت أشتهر بـ(الفتاة النباتية)، أو (ياسمين النباتية)».
ولكن عندما أصبحت نظمي أقل صرامة في نظامها الغذائي، لاحظت أن أسرتها أصبحت أكثر قبولاً لاختيارها، حيث تقول: «كنت نباتية على نحو صارم لفترة عامين تقريبًا، حتى بدأت ببطء أتذوق بعض منتجات الألبان والأسماك، ولكن لم أعد مطلقًا للحوم. عندما سمحت ببعض المرونة لنفسي، شعرت بتغيير هائل في معاملة عائلتي وأصدقائي لي، حيث بدوا أكثر قبولاً وأقل نفورًا».
من المهم أن لا نقلل من قيمة اللحوم في الثقافة العربية والإسلامية. في فترة عيد الأضحى، الذي أحيانًا ما يعرف باسم عيد الضحية، يقوم ملايين المسلمين بذبح خراف في الأغلب، أو نعاج أو أبقار في بعض الأحيان. وهو عيد أساسي في العام المصري لأغلب الناس، حيث يدخرون المال لتناول اللحم أو يحصلون عليه من جيرانهم الأكثر ثراء. ولكن بالنسبة لمتبعي الأنظمة النباتية المختلفة، لا يعد هذا الحدث في حد ذاته احتفالاً، حيث يتسبب مشهد ذبح الحيوانات في الشوارع والوجبات المليئة باللحوم بعده في الشعور بضيق مفهوم. تقول نظمي: «دائمًا أغادر البلاد في أثناء عيد الأضحى. لا أستطيع تحمل رؤية كل هذه الدماء. طوال الأعياد الخمسة السابقة تقريبًا لم أكن في مصر».