أمل عبد المنعم مدبولي لـ«المجلة»: والدي كان يحرص على البُعد عن السياسة... والسادات كرّمه مرتين

في الذكرى الـ98 لميلاد «بابا عبده»

* كان يفضل مسرح الكسار على الريحاني... وهذه المسرحية هي سبب خلافه مع أنيس منصور
* أعشق كل أعمال والدي ما عدا هذا الفيلم الذي أكرهه بشدة وأرفض مشاهدته
* كان أباً حنوناً وطيباً في البيت، لكنه ربانا على تحمل المسؤولية... ولهذه الأسباب منعني من العمل بالفن
* والدي هو الفنان الوحيد الذي طلب منه الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يلحن لإعجابه بأدائه في أغنية «ياصبر طيب» وأطلق عليه «المطرب العظيم مدبولي»
* لم يتألم لمرضه مثلما تألم لمرض والدتي وكنا كلما دخلنا عليه الغرفة وجدناه يبكي
* مخرج بالتلفزيون المصري كان سبب الخلاف بين عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس، لكنهما تصالحا في أيامهما الأخيرة وكانا يخططان لعمل جديد مشترك بينهما
*«ريا وسكينة» كانت شؤما على شادية وعلى والدي، لإصابتهما بالسرطان أثناء المسرحية... ولهذه الأسباب انسحب من «مدرسة المشاغبين»
* والدي مكتشف النجوم أمثال محمد صبحي وأحمد زكي ويونس شلبي وفاروق الفيشاوي، وآخرهم أشرف عبد الباقي.
* كان يأخذنا لنتفرج على سعيد صالح أو عادل إمام، وفي أيامه الأخيرة لم يكن يصفق فقط لهم بل كان يقف تحية واحتراما لسعادته بنجاحهما
* الرئيس السادات قال له وهو يكرمه «يا بابا عبده أنا باسهر عشان اتفرج على مسلسلك وأطلب منهم أن يسجلوا الحلقة لو كنت مشغول»
* نتمنى إقامة متحف لوالدي خاصة أن لدينا مقتنيات وفيديوهات نادرة لأعماله، ولكن لا بد من وجود جهات رسمية تتبنى مبادرتنا لضمان الحفاظ على مقتنيات الوالد
*تم تكريمه عدة مرات وأشهر تكريم له كان من النمسا باعتباره أول فنان عربي يسجل اسمه في موسوعة غير عربية

قالت أمل عبد المنعم مدبولي إن والدها كان يحرص على أن يتخذ منحى بعيدا عن السياسة في أعماله الفنية وأن هناك فيلما من بطولته تكرهه بشدة وترفض مشاهدته. وأكدت ابنة الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي أنه تصالح مع الفنان فؤاد المهندس قبيل رحيلهما بفترة قليلة. وأضافت في حوار أجرته «المجلة» معها إن والدها هو الفنان الوحيد الذي طلب منه الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يلحن له بسبب تأثره بأدائه في أغنية «ياصبر طيب» في فيلم «مولد يا دنيا». 
وذكرت خلال الحوار أن «مدبولي» لم يكن يحب مسرح الريحاني بل كان يفضل عليه مسرح علي الكسار، وكشفت عن سر الخلاف القديم الذي وقع بين والدها وبين الكاتب الصحافي أنيس منصور، مشيرة إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات أثنى عليه وقال له خلال تكريمه إنه يحرص على متابعة مسلسله «أبنائي الأعزاء شكرا» الشهير بـ«بابا عبده».
ويعد الفنان عبد المنعم مدبولي من رواد الكوميديا في مصر والعالم العربي، وعلى مدار نصف قرن أثرى المسيرة الفنية بالكثير من الأعمال المتنوعة ما بين التراجيديا والكوميديا والاستعراض والغناء في كل من الإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما، منها مسرحية «مطار الحب»، و«نمرة اتنين يكسب»، و«مدرسة المشاغبين»، و«ريا وسكينة» ومسلسل «لا يا ابنتي العزيزة» وفيلم «إحنا بتوع الأتوبيس»، و«الحفيد»، كما ارتبط اسمه بتقديم أعمال شهيرة للأطفال منها «الشاطر عمرو»، و«جدو عبده».
ارتبطت بدايته الفنية بنفس بداية الفنان فؤاد المهندس من خلال البرنامج الإذاعي الشهير «ساعة لقلبك» وجمعت بينهما مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من نصف قرن هي نفس فترة نشاطهما الفني حتى إنهما بدءا معا ورحلا معا بفارق شهرين، وكون الفنان عبد المنعم مدبولي مع الفنان فؤاد المهندس ثنائيا شهيرا قدما من خلاله سلسلة كبيرة من الأعمال الشهيرة والناجحة منها مسرحية «حالة حب»، و«السكرتير الفني»، وفيلم «مطاردة غرامية»، و«ربع دستة أشرار»، و«غرام في أغسطس». كما قدما معا أعمالا إذاعية منها مسلسل «الثلاثة المدهشين»، لكن الغريب أنه لم يجمع بينهما مسلسل تلفزيوني واحد.
لم تقتصر موهبة عبد المنعم مدبولي على التمثيل والغناء وإنما امتدت لتشمل الإخراج والتأليف، فقد كان الإخراج المسرحي هو عشقه الأول وأخرج الكثير من المسرحيات الشهيرة، منها «مطار الحب» ليوسف شعبان، و«حواء الساعة 12» لفؤاد المهندس، و«نشنت يا ناصح» لسمير غانم، و«سبع ولا ضبع» لأمين الهنيدي. 
ولا يعلم الكثيرون أن عبد المنعم مدبولي كتب عملا قام ببطولته الفنان إسماعيل ياسين وهو فيلم «حايجنوني»، كما كتب أفلاما لفنانين آخرين منها فيلم «غراميات امرأة» لكمال الشناوي، وسعاد حسني، وفيلم «أنا وهو وهي» لفؤاد المهندس عن مسرحية من تأليفه أيضا وبنفس الأبطال. بالإضافة لأفلام «غرام في أغسطس»، و«شنطة حمزة»، وغيرهما.
وقد تميز أداؤه بأسلوبه الخاص في الكوميديا حتى أصبح صاحب مدرسة كوميدية متميزة عرفت بـ«المدبوليزم»، كما ساهم في اكتشاف وشهرة الكثير من نجوم الفن والمسرح منهم عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي وأحمد زكي ومحمد صبحي، ومنحهم فرصا كبيرة في بعض أعماله المسرحية. 
وقد رحل في يوليو (تموز) 2006 عن عمر يناهز 85 عاما، وبمناسبة مرور ذكرى ميلاده الثامنة والتسعين أجرت «المجلة» هذا الحوار مع السيدة أمل عبد المنعم مدبولي حول مسيرة والدها وذكرياتها معه، وأهم المحطات في حياته، وكانت البداية عن نشأته، وطفولته، فقالت: علمنا من خلال حكايته لنا أن موهبته الفنية ولدت معه وقد اكتشفها مدرسوه من طفولته بالمدرسة منذ كان يسكن مع والدته في حي باب الشعرية الشعبي، حيث كان يخرج لرؤية الفرق المسرحية التي كانت تأتي في الموالد التي تشهدها تلك المنطقة بجانب متابعة الأغاني والاستعراضات وخلافه وهو ما كان يؤثر فيه لدرجة أنه كان يعود للمدرسة ويقلد كل ما رآه. وفي المرحلة الثانوية أصبح والدي رئيس فريق التمثيل في المدرسة. وكان يأتي بالطلاب ويقوم بتحفيظهم الأدوار ويدير الموضوع كله كما لو كان مخرجا مسرحيا.

 



أمل عبد المنعم مدبولي

* هل كان أكثر ميلا للإخراج أم التمثيل؟
- بالفعل هو لم يكن يمثل فقط بل كان يجمع بين الأمرين، ولكني أعتقد أن الإخراج كان هو المحرك الأكبر له والذي ميزه وهو عشقه الأول، لقد كان قياديا وكنا نلاحظ ونحن معه في البيت أنه يصبح أكثر توترا وتركيزا وهو يستعد لإخراج عمل مسرحي أكثر مما يكون عليه وهو يجهز لعمل يمثله.
 
* من الفنان الذي اكتشفه، جورج أبيض أم نجيب الريحاني؟
- أظن أن الريحاني كان مختلفاعن جورج أبيض، فالأول كان يقدم كلاسيكيات باللغة العربية الفصحى بينما كان الريحاني يهتم بتقديم أعمال كوميدية ساخرة وقد عمل والدي مع جورج أبيض وعمره 17 سنة، لكنه لم يعمل مع الريحاني، وحتى عندما كان الناس يقولون لوالدي أنت نسخة من الريحاني أو تلميذه كان يرد عليهم قائلا: «عمري ما اتفرجت على مسرح الريحاني»! وكان يحب مشاهدة يوسف وهبي وعلي الكسار، وكان يقول لنا: «المرة الوحيدة اللي اتفرجت فيها على الريحاني اتفرجت على فصل واحد فقط ومشيت»!
 
* هل كان يتخذ موقفا من الريحاني بالذات؟
- بالطبع لا! بدليل أنه يشاهد ويحب أفلام الريحاني في السينما التي تربينا عليها جميعا وأحببناها، لكن ما أقصده أنه في فترة تكوين شخصيته الفنية كان تأثره الأكبر بالفنان جورج أبيض وفاطمة رشدي، وفي فترة الدراسة بالمعهد تتلمذ أيضا على يد زكي طليمات، لكن رغم ذلك كانت له شخصيته المستقلة والخاصة به ولم يقلد أحدا من هذه الأسماء الكبيرة.
 
* من رفاق مشوار الكفاح للفنان عبد المنعم مدبولي؟
- كل مجموعة البرنامج الإذاعي الشهير «ساعة لقلبك» مثل الفنانين فؤاد المهندس وأمين الهنيدي وخيرية أحمد وأبو لمعة والخواجة بيجو ومحمد يوسف وأحمد الحداد وغيرهم، فجميعهم بدأوا واشتهروا من خلال أصواتهم عبر ميكروفون الإذاعة المصرية، بالإضافة لمجموعة المسرح الحر الذين كونوا فرقة خاصة بهم وبمجهودهم وكان مع والدي كل من صلاح منصور وسعد أردش وتوفيق الدقن وعبد الحفيظ التطاوي.

 
* عمل الفنان عبد المنعم مدبولي في السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون، فما أقرب هذه المجالات إليه؟
- طبعا المسرح كان الأقرب له وكان يشعر أنه فنان مسرحي أكثر من أي شيء آخر لأنه كان يرى أن المسرح هو أبو الفنون كلها كما أن بداية فن التمثيل كانت من خلال المسرح الذي سبق كل الوسائل الأخرى وقد عشقه لأنه كان يتعامل كل يوم مع جمهور مختلف بردود أفعال مختلفة بما يمثل له انطلاقة، وذلك باختلاف كبير عن العمل في السينما الذي كان يلتزم بكلام محدد وحركات معينة.
 
*هل تعرض لمواقف غريبة على المسرح اصطدم من خلالها بالرقابة بسبب ميوله نحو الانطلاق والحرية على المسرح؟
- بالنسبة للسياسة لا أذكر له أعمالا سياسية ولكني أتذكر أنه قام ببعض التغييرات على رواية للكاتب الصحافي أنيس منصور لزيادة الطابع الكوميدي فيها بهدف إضحاك الناس وعندما فوجئ أنيس منصور بالتغيير في الحوار الذي كتبه حدثت مشكلة كبيرة!
 
*ما اسم هذه المسرحية؟
- أعتقد اسمها «جمعية كل واشكر» وكانت بطولة والدي. كما قدم لأنيس منصور عملا آخر بعنوان «حلمك يا شيخ علام» مع أمين الهنيدي، ورأى والدي أنه لا بد من بعض الإضافات لتكون مناسبة للمسرح الكوميدي، وهو ما تسبب في بعض الخلافات بين والدي وأنيس منصور لفترة من الوقت.
 
* ألم يصطدم الوالد بالسلطة في أي عمل فني، خاصة خلال فترة الستينات والسبعينات؟ وهل للأحداث السياسية التي عاصرها في مصر مثل نكسة 67 أي تأثير على مسيرته الفنية؟
- لا إطلاقا لم يحدث ذلك أبدا. وكان والدي يتخذ دائما منحى بعيدا عن السياسة.


 
* هل كان هناك سبب لذلك الابتعاد؟
- كان يسأل نفسه باستمرار: «هل أتدخل في السياسة لألفت النظر أم أظل في الخط المناسب لي والخاص بي والذي أحبتني فيه الناس؟»، وطبعا كان يفضل الخيار الثاني خاصة أنه أصلا لم يقدم وقتها إلا الكوميدي فقط ولم يكن قد اقترب من الأدوار التراجيدية والميلودرامية بعد، بجانب أعمال الأطفال، ثم مسرح التلفزيون في مرحلة الأبيض والأسود ثم الفنانين المتحدين وصولا لمرحلة المدبوليزم.
 
* وماذا عن فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس» الذي كشف عن التعذيب في السجون في فترة سابقة؟ ألم يسبب صداما مع السلطة وقتها؟
- أنا أكره هذا الفيلم لأني لا أحب أن أرى والدي يتعرض لهذا التعذيب وكلما أخبروني أنه يعرض على الشاشة أو موجود على يوتيوب أرفض مشاهدته. وكان صادما بالنسبة لي وأذكر أنني عندما حضرت عرض الافتتاح وفوجئت بمشاهد التعذيب لوالدي كنت صغيرة وبكيت بشدة وأخرجوني من السينما ومنذ ذلك الحين لا أحب مشاهدته. وعلى الرغم من مشاهده القاسية لم يحدث لوالدي أي مشاكل سياسية بسببه بل بالعكس كان الفيلم محل اهتمام وتقدير لأنه كان يوصل رسالة مغزاها أن هذا ما كان يحدث في الفترات السابقة، ومن ثم لم يكن هناك مجال للصدام مع الرقابة لأنهم كانوا في نفس الاتجاه.
 
* لم يكتف والدك بالتمثيل والتأليف والإخراج وإنما قام بالغناء أيضا وبأداء خاص جدا له أثره الدرامي. وغنى «يا صبر طيب» أو أغنية الحصان الشهيرة التي أبكانا فيها، فما ذكرياتك عن هذه الأغنية الحزينة؟
- هذه الأغنية غناها والدي في فيلم «مولد يا دنيا» أحد الأفلام السينمائية التي حققت نجاحا كبيرا مع الفنان محمود ياسين والفنانة عفاف راضي. أذكر أن الأستاذ محمد عبد الوهاب انهار وبكى عندما سمع والدي يغني هذه الأغنية وأعجب جدا بلحنها الذي لحنه الفنان كمال الطويل، فاتصل بوالدي وحياه وهنأه على نجاح الأغنية وقال له «أنت تنافسني» ولقبه بـ«المطرب العظيم مدبولي» وعرض عليه أن يلحن له أغنية وكانت أول مرة يطلب فيها الموسيقار عبد الوهاب أن يلحن لفنان. وبالفعل تم التعاون بينهما بعد ذلك في فيلم «ألف بوسة وبوسة» مع الفنانة نجوى فؤاد ولحن له أغنية درامية اسمها «لحد امتى». ورغم أن والدي لم يكن مطربا لكنه كان يشعر بالكلام المغنى ويؤديه بإحساس كبير فيخرج الغناء تلقائيا، كما أنه كان يمتلك حنجرة مميزة لا يمكن لأحد تقليدها.

* على ذكر الشجن والغناء، كانت «ريا وسكينة» من أجمل الأعمال المسرحية الاستعراضية التي قدمها عبد المنعم مدبولي مع الفنانتين الكبيرتين شادية وسهير البابلي، لكنها أثارت جدلا حول مشهد الضرب على الوجه لوالدك مما أصابه بالصدمة والانفعال والغضب. فما حقيقة ما حدث؟
- الحقيقة ليس عندي فكرة عن هذا الموقف نهائيا لكني لاحظت انفعاله وكانت تلك آخر دقائق له على خشبة المسرح وأظن أنه لم يكن هناك مشكلة خاصة أنه مشهد متكرر يوميا لسنوات عرض المسرحية كما أن الحوار الذي قيل بعد هذا المشهد هو جزء من الرواية، وانفعال والدي مع سهير البابلي وقتها كان انفعالا حقيقيا في سياقه الدرامي. وهو مشهد يصور حالة والدي على الطبيعة حينما يكون عصبيا أو غاضبا فانفعاله وحشرجة صوته وانتفاخ رقبته وأحمرار وجهه لم يكن تمثيلا وهذا ناتج عن صدق أدائه لأنه عندما ينفعل في أي مشهد كان يحرص أن يقدمه بصدق من خلال استدعاء لحظات مشابهة في حياته ليبدو أداؤه طبيعيا. وأي عمل ظهر فيه باكيا بالدموع فاعرفي أنها دموع حقيقية فعلا، وهذا يرجع للتقمص الشديد وقدرته على استرجاع شيء يؤلمه بشدة. وهو بالمناسبة ليس أول عمل كوميدي يقدمه مدبولي وينتهي نهاية تراجيدية بل ثالث عمل فقد قدم قبلها مع هدى سلطان مسرحية «الملاك الأزرق» عام 1975 وفي مرحلة الستينات قدم مسرحية «بمبة كشر» مع الفنانة نادية لطفي وفرقة الفنانين المتحدين، وكلتا المسرحيتين كانتا ممتلئتين بالشجن والدراما وهذا يؤكد أن الأدوار الإنسانية والتراجيدية لم يبدأها والدي مع مسلسل «بابا عبده» الشهير. وبمناسبة سؤالك عن مسرحية «ريا وسكينة»، أود أن أقول إنه رغم نجاحها إلا أنها كانت شؤمًا عليهم جميعا فالفنانة شادية توفي شقيقها أثناء عرض المسرحية وأصيبت بالمرض في صدرها في نهايات عرض المسرحية، وسقط والدي أثناء عرض المسرحية على المسرح وأغلقت الستارة وطلبوا طبيبا من الصالة ولما أفاق استكمل العرض، وقيل وقتها إنه إجهاد ولكن الحقيقة أنه لم يكن إجهادا وإنما اتضح بالتحاليل أنه مصاب بالسرطان في الكبد وأجرى على أثرها جراحة في إنجلترا.

 



رفاق المشوار

 
* كيف كان يتعامل معكم في البيت؟ هل كان طيبا وحنونا كدوره في «بابا عبده» أم كانت شخصيته مختلفة؟
- كان طيبا وحنونا وحساسا ودموعه قريبة جدا لكنه في نفس الوقت كفنان كانت له طباع مختلفة وهي مزيج من كل الشخصيات التي جسدها على الشاشة، وكان أبا ديمقراطيا جدا ومواقفه معي تؤكد ذلك وكان يشعرني أنني صاحبة قراري وكلمتي ولا بد أن أتحمل مسؤوليتها وأعتمد على نفسي، ولم يكن يتدخل في اختياراتي، لكنه كان ينصحني ويحذرني. وأذكر عندما بلغت 18 سنة طلبت منه سيارة فقال لي تعالِ، وأخذني إلى مكان لا أعرفه، وقال لي إنه الميكانيكي لأعرفه عندما أحتاج إليه، مؤكدا أنه لن يذهب معي، ثم أخذني إلى مكان آخر وأشار إليه من بعيد وقال لي هذا المبنى هو قسم البوليس الذي سأدخله لو ارتكبت مخالفة. كما كان تلقائيا بسيطا في تعاملاته مع الناس وأذكر أنه تناول طعام الإفطار في شهر رمضان ذات مرة مع عمال «بنزينة» عندما ضرب مدفع الإفطار وهو بالشارع يمون سيارته بالبنزين، فجلس معهم على الأرض وشاركهم الأكل والتقطت له صورة طريفة تسجل هذه الذكرى.
 
* هل منعكم من العمل بالفن؟
- منعني شخصيا أن أعمل بالفن لأنه كان يخشى علي من متاعبه، خاصة أن ذلك الوقت كان مختلفا عن الآن فلم يكن مجديا ماليا بينما كان مليئا بالمتاعب، فأشفق علينا من هذا المجهود الكبير وقال لي: «تخيلي أن عندك أسرة وبيت ولا يمكنك الاهتمام بهم لو عملت بالفن». وهو شخصيا عندما كان يخرج وتسأله أمي عن موعد عودته كان يقول لها الله أعلم ورسوله والمؤمنون، لأنه لم يكن يعلم متى سينتهي من العمل ولذلك تحملت أمي الجزء الأكبر من مسؤولية البيت والأبناء.
 
* ما مجالات عملكم أنت وإخوتك؟
- أنا وأحمد شقيقي من خريجي كلية التجارة ولكنه أكمل دراسته بالخارج ويعمل حاليا في إحدى شركات الاستثمار الكبيرة، أما أخي محمد فهو مهندس.
 



من فيلم مطاردة غرامية

* ألم يرث أحدكم منه حتى ولو الفن التشكيلي؟
- فعلا والدي كان فنانا شاملا وتشكيليا أيضا وكان أستاذا بكلية الفنون التطبيقية، تخصص نحت، وكان يقوم بالحفر على الخشب ولدينا في البيت أعمال من صنع يديه. وبطبيعة الحال كان يحب الرسم ويجيده ككل أعضاء الكلية ولكنه لم يمارسه إلا متأخرا عندما شجعه البعض فبدأ بالرسم بالرصاص ثم لون اللوحات حتى اكتشف إمكانية إقامة معرض فني لأعماله، وأتذكر أن فاروق حسني وزير الثقافة وقتها وبعض الوزراء حضروا المعرض واقتنوا بعضا من أعماله. كما أن والدتي أيضا خريجة كلية تربية فنية وأستاذة رسم رائعة أما نحن الأبناء فلم نرث منهما شيئا من الفن أبدا!
 
* بعد اعتزال سهير البابلي وشادية هل كان له موقف من موجة اعتزال الفنانات آنذاك؟
- لا أبدا. لم يبد أي وجهة نظر في هذه المسألة، ولكنه كان يستغرب ممن يقولون له «أنت أتممت 80 سنة ألا تفكر في الاعتزال»، وكان يضحك على هذا الكلام ويقول لهم: «أنا لسة باتنفس فلماذا أعتزل؟! هو فيه فنان يعتزل؟!». وبالفعل ظل والدي يعمل دون اعتزال حتى آخر لحظة في عمره وكان يجري بروفات على المسرح القومي.
 
* كيف كانت حالته النفسية في أواخر أيامه؟ وهل شعر بدنو أجله وقتها؟
- صارت حالته النفسية سيئة منذ مرض والدتي وكان يشعر بالألم والخوف عليها والحزن بسبب مرضها الشديد لارتباطه الروحاني الشديد بها وحبه الشديد لها، لأنه لم يكن يتمنى أن يراها بتلك الحالة. لقد كان بينهما ارتباط قوي وعشرة عمر وجيرة منذ ولدا، يضاف إليها عشرة العمر كأزواج في البيت وآباء وكانت هي التي تحمل عنه كل المسؤوليات كما كانت ذراعه اليمنى ولما مرضت وأصبحت قعيدة كنا ندخل عليه الغرفة ونجده يبكي بحرقة.
 
* على ذكر العشرة ما حقيقة الخلاف الذي وقع بينه وبين رفيق عمره الفنان فؤاد المهندس؟ وهل كان لهذا الخلاف أثره على حالته النفسية؟
- أود التأكيد أن تلك الفترة الرمادية من علاقتهما لم تستمر وسرعان ما عادت الأمور لطبيعتها وتصالحا قبيل رحيلهما، بل إنهما كانا يخططان لعمل جديد يجمع بينهما وكان بينهما اتصالات متكررة يوميا عن تفاصيل العمل وتوزيع الأدوار.
 
* ما سبب الخلاف بين الفنانين الكبيرين؟
- السبب يرجع إلى حدوث خلاف في البداية بين المخرج محمد رجائي الذي أخرج فوازير عمو فؤاد لسنوات طويلة، وبين الفنان فؤاد المهندس الذي طلب تغيير المخرج بعد أن رفض العمل معه في حين أن رجائي موظف في التلفزيون المصري وليس من الخارج وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنه ومن ثم تعذر تغيير المخرج لفؤاد المهندس فاعتذر ورفض العمل، فقاموا بتغيير في الفكرة لتطويرها وقالوا بدلا من عمو فؤاد نقدم جدو عبده وعرضوا الفكرة على والدي ولكنه طلب الانتظار حتى يتكلم مع فؤاد المهندس باعتباره البطل السابق ليعرف منه سبب انسحابه من العمل ويستأذنه للاطمئنان إذا كان لديه استعداد للعودة ثانية أم لا. وعندما كلمه بابا قال له «روح اشتغل معاهم أنا مش عايز اشتغل مع هذا المخرج ثانية»، وبناءً عليه قبل والدي فوازير «جدو عبده زارع أرضه»، وأظن أن الفنان فؤاد المهندس لم يكن يتصور أنها ستنجح واعتقد أنها لن تلمع كفوازير عمو فؤاد، مما أثار غصة في نفسه، وتسبب في حالة من القطيعة بينه وبين والدي. ولكن ما حدث هو أن الناس كبرت الموضوع بشكل مبالغ فيه كما ساهمت الصحافة في تضخيمه.

 



مع شويكار

* من الذي أصلح بينهما؟
- لا أعرف ولكني أعتقد أن والدي هو من بدأ واتصل به لأنهما عشرة عمر ورفاق الكفاح الفني وكأنهما توأمان، وظلا معا حتى قبل الوفاة بيوم.
 
* هل كانت له خلافات مع فنانين آخرين؟ وهل حقا أنه كان هو صاحب الدور الأساسي الذي لعبه الفنان حسن مصطفى في مسرحية مدرسة المشاغبين؟
- لا لم تكن له خلافات مع أحد، وكان فعلا يقوم بدور الفنان حسن مصطفى بمسرحية «مدرسة المشاغبين» واستمر فيها لمدة ثلاث سنوات وسافر معهم لعرضها بالخارج ولكنها سجلت فقط بالفنان حسن مصطفى.
 
* لماذا ترك مدرسة المشاغبين إذن؟
- هذه المسرحية من الأعمال التي لا أحبها لأني أعتبرها بداية العلاقة السيئة بين الطالب والمدرس والتطاول على المعلم وكانت أول عمل لكل من الفنانين هادي الجيار ويونس شلبي وأحمد زكي. وما حدث أنهم كانوا يخرجون عن النص كثيرا وهي مسألة غير مقبولة.
 
* لكن الفنان عبد المنعم مدبولي نفسه كان يخرج أحيانا عن النص؟
- نعم هو ملك الإفيه المفاجئ والارتجال السريع على المسرح كأن يقول: «كل شيء انكشفن وبان» في ريا وسكينة، ولم يكن عنده مشكلة في ذلك طالما أنه ارتجال يخدم الدور والشخصية. ولكن المشكلة في مدرسة المشاغبين أنهم بدأوا يتطاولون بشكل مبالغ فيه، ويغيرون في الحوار بشكل مستفز لدرجة أن المسرحية أصبحت تستغرق على المسرح 4 ساعات ونصف الساعة بدلا من 3 ساعات حتى صار الناس يخرجون من المسرح قرب الفجر مما أثار قلق والدي على الأسر التي كانت تصطحب أطفالها ولا تجد وسيلة مواصلات للعودة في ذلك الوقت المتأخر من الليل، كما استفزه كم الإهانات الكبيرة التي يتعرض لها الناظر الذي يجسد دوره بسبب ذلك الخروج عن النص وعن اللياقة نتيجة دخول أبطال المسرحية في منافسة على من يضحك الجمهور أكثر من الآخر، ونبههم والدي كثيرا ولما ضاق من تكرار المشكلة اعتذر عن الاستمرار في العمل.
 
* اكتشف الفنان عبد المنعم مدبولي الكثير من النجوم واحتضنهم في أعماله. فهل وجد منهم الوفاء عندما صاروا نجوما؟
- بالفعل كان والدي دائما داعما لشباب الفنانين حتى يصيروا نجوما أمثال محمد صبحي وأحمد زكي ويونس شلبي وفاروق الفيشاوي، وهو كان قادرا على اكتشاف المواهب وكان آخرهم أشرف عبد الباقي. وعلى الرغم من انشغال بعضهم بالحياة والنجومية إلا أن كثيرا منهم كانوا أوفياء لوالدي وكان منهم من يقبل رأسه ويده وفي الفترة الأخيرة كان بعضهم يتحدث في التليفون أو يأتي للسؤال عنه في البيت وأذكر أنه حتى آخر لحظة كان محمد صبحي يحرص على السؤال عنه تليفونيا كما زاره فاروق الفيشاوي رحمه الله، وحرص على زيارته أيضا فريق عمل مسلسل «بابا عبده» وزاروه عندي في البيت حينما كنت أرعاه هو ووالدتي، وكان منهم فاروق الفيشاوي والمخرج محمد فاضل وفردوس عبد الحميد وآثار الحكيم ويحيى الفخراني وصلاح السعدني.

 



مع اسرته في صورة نادرة

* ماذا عن تلاميذ مدرسة المشاغبين؟ ألم يكونوا أوفياء لناظرهم؟
- كانت علاقته طيبة بهم سواء عادل إمام أو سعيد صالح، وحتى لو لم يأتوا ليسألوا عنه، كان يبادر هو للذهاب لرؤيتهم على المسرح فكان يحرص على زيارة سعيد صالح في مسرحه وكان يأخذنا لنذهب ويقول لنا «يلا نروح نتفرج على مسرحية سعيد صالح» وذلك كتشجيع له وكذلك يقول: «يلا نتفرج على عادل إمام»، وفي أيامه الأخيرة لم يكن يصفق فقط للنجوم على المسرح وإنما كان يقف لهم تحية واحتراما لهم لسعادته بنجاحهم.
 
* هل شعر بحصوله على التكريم المناسب له؟
- لم أسمعه أبداً يشكو من هذه النقطة وحتى لو كان شاعرا بالظلم ما شكا أبداً ولكتمها داخله. ومع ذلك فقد تم تكريمه عدة مرات وأشهر تكريم له كان من النمسا باعتباره أول فنان عربي يسجل اسمه في موسوعة غير عربية بالنمسا لأنه قدم رواية وأبدع فيها وقالوا له إنه ابتكر أكثر مما في الرواية الأصلية وأقاموا له تكريما ولكن للأسف الشديد لم يستطع السفر فقد كان آنذاك في مسرح التلفزيون ولم يوافقوا له على السفر! وفي مصر كرمه الرئيس السادات مرتين مرة في احتفال بالتطبيقيين ومرة تقديرا لدوره في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكرا» وقال له وقتها «يا بابا عبده أنا باسهر عشان اتفرج على المسلسل وأطلب منهم أن يسجلوها لي لو كنت مشغول».

 



عائلة عبد المنعم مدبولي

* ما شعورك ونحن نحتفل بذكرى مولده الثامنة والتسعين، وهل هناك مشروع لكم كأسرة عبد المنعم مدبولي لتخليده؟
- كلما يمر الزمن على رحيله نشعر ونكتشف حقيقة عبقريته أكثر ونستغرب أننا كنا نعيش مع هذا الشخص العظيم دون أن ندري قيمته. وأتمنى أن نقيم له متحفا، خاصة أن لدينا مقتنيات كثيرة خاصة به بجانب بعض أعماله ومنها فيديوهات نادرة لأعمال تلفزيونية تم تصويرها بالخارج ولم تعرض على التلفزيون المصري، ولكننا كأسرة «مدبولي» لا يمكننا أن نقوم بهذه المبادرة، بمفردنا وإنما لا بد من وجود جهات رسمية تقف معنا وتتبنى مبادرتنا لضمان الحفاظ على مقتنيات الوالد. كما أنه لا بد من جهة معنية بالأمر مثل وزارة الثقافة وغيرها حتى تساعدنا في فرز المقتنيات وتحديد ما يناسب مما هو غير مناسب للعرض. كما أن والدي كتب مذكراته بالتفصيل حتى مرحلة السبعينات ولدينا أوراق كثيرة يمكن تكملة المذكرات من خلالها ونحتاج فقط لمن يمكنه أن يكملها ليخرج المشروع.