شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة...والمناظرة المثيرة

أعادا جدلية «تجديد الخطاب الديني» للواجهة من جديد
* الإلكترونيات أوجدت انفجاراً معرفياً وانفتاحاً بين الشباب والصغار والكبار وأوجد حالة من التيه... ولا بد من خطاب جديد يواجه هذا التيه ويرد على الأسئلة الكثيرة التي انبثقت من التطور الهائل في مجال الإلكترونيات
* ما بين عدم الاقتلاع وعدم الغربة جسر طويل... هل نحن قادرون على العبور عليه لتلبية مستجدات العصر وطلبات الناس
* هناك نوع من الاستجابة وحالة من الإحساس بضرورة الاجتهاد لسد احتياجات ومتطلبات هذا العصر

القاهرة: أثارت المناظرة، والحوار الذي دار بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، خلال مؤتمر الأزهر العلمي للتجديد في الفكر والعلوم الإسلامية الأسبوع الماضي جدلا واسعا في الأوساط العلمية، والشعبية، وأعادت قضية تجديد الخطاب الديني إلى الواجهة، وإلى بؤرة الاهتمام من جديد سواء على المستوى الفقهي وبين النخبة، أو على المستوى الشعبي، وبين العوام، حيث استحسن الكثيرون، الآراء التي فندها شيخ الأزهر في مواجهة آراء الخشت. 
وخلال كلمته التي أكد خلالها الدكتور الطيب أن قانون التجديد، هو قانون قرآني خالص، توقف عنده طويلا كبار أئمة التراث الإسلامي، وبخاصة في تراثنا المعقول، وأنه ضرورة لتطوير السياسة والاجتماع، وكيف أن الله تعالى وضعه شرطا في كل تغيير إلى الأفضل، وأن وضع المسلمين من دونه لا مفر له من التدهور السريع، والتغير إلى الأسوأ في ميادين الحياة مستشهدا بقول الله تعالى: «ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» سورة الأنفال الآية 53.
وكما فتحت المناظرة جدلا في الشارع المصري، فقد فتحت الباب للجدل والخلاف بين دعاوى الحداثة، والمحافظة على التراث، فالبعض ينادي بتنقية التراث مما سموه السموم ومصطلحات العنف، والمفاهيم المغلوطة التي تروجها الجماعات الإرهابية، في حين يرى المتمسكون بالحفاظ على التراث أن الهجوم على التراث غير مبرر، ويدعو للتخلي عن الهوية التي هي أساس التقدم، مؤكدين أن التراث الإسلامي ليس تراثا تصادميا، ويعمل على تقبل كافة الآراء، وأن المسلم لا يمكنه أن يغلق باب الحوار.
كما أن المواجهة الأخيرة التي حدثت بين شيخ الأزهر أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت قد أظهرت المواجهة الصريحة لشيخ الأزهر ضد بعض تصورات في تجديد الخطاب الديني، التي تدعو إلى إنكار السنة، حيث حذر الطيب خلال لقاءات سابقة من دعاوى التجديد هذه، مؤكدا أن القرآن لا يمكن الاستغناء به عن السنة، واصفا المنكرين بأن الشك والريبة تجمعهم. 
مواجهة شيخ الأزهر الأخيرة للدكتور الخشت والتي أعادت جدلية تجديد الخطاب الديني للواجهة من جديد دعت «المجلة» إلى مناقشة القضية مع بعض العلماء والمتخصصين.
 
تناغم إسلامي مع حركة التطور والزمن
في هذا السياق، قال الباحث في الشأن الإسلامي الدكتور ناجح إبراهيم لـ«المجلة»: «أولا الدين به ثوابت ومتغيرات، وعلينا أن نكون ثابتين مع ثوابته ومتغيرين مع متغيراته، وأن نكون مع ثوابت الإسلام في صلابة الحديد، وأن نكون مع متغيراته في مرونة الحرير، وأن أكثر الإسلام متغيرات، والثوابت الموجودة فيه محدودة كالعقيدة والأخلاق وأصول الأحكام، ونصوص القرآن والسنة، وغير ذلك، ولكن هناك الآن فصيلان، فصيل يريد أن لا تكون للدين ثوابت على الإطلاق، وهم غلاة العلمانيين، وهم لا يريدون للدين أي ثوابت، ويريدونه دينا هلاميا، فهم يقولون إن الحجاب ليس فرضا، وبعدها يشككون في السنة، وإذا نجحوا في هدم السنة سيتحولون لهدم القرآن، وهم يريدون إهالة التراب على كل التراث الديني الإسلامي وكأن فقهاء المسلمين لا يعرفون شيئا، وكأن الأمة لم تنجب عالما ذا قيمة طوال 14 قرنا من الزمان، وهناك آخرون من الحركات الإسلامية يريدون الدين بلا متغيرات، وكأن الدين كله ثابت، وكلا هذين الفصيلين خاطئ، فالدين به ثوابت ومتغيرات».
وقال ناجح أيضا: «في هذا الوقت من أعظم العلماء الذين يوازنون بين الثوابت والمتغيرات الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وهو يواجه حربا شرسة على الإسلام تريد اقتلاع السنة كاملة، واقتلاع السنة تعني عدم وجود الرسول، لأنه عندما نقتلع السنة كيف نعرف الأحكام الخاصة بالعبادات والتي أقرها الرسول مثل عدد الصلوات، وعدد ركعاتها، كل ذلك وضحه الرسول الكريم في سنته». 
وأضاف ناجح إبراهيم: «بعد أن ينتهوا من هدم السنة سيتجهون لهدم القرآن فهم يريدون أن لا تكون هناك أي حدود فاصلة في هذا الدين كأنه دين هلامي لا أساس له، ولا أصل له، فأنت عندما تريد التغيير في مسكنك، ليس معناه ترك بيت أبينا، فبيت أبينا أقام أمة عظيمة هزمت الفرس والروم، وأقامت حضارة عظيمة من الأندلس غربا، وحتى جنوب أفريقيا، إلى الهند شرقا، غيرها، وهذه الحضارة ضاعت عندما تركنا الإسلام، وتنكرنا لثوابته، فنحن بين فريقين أحدهما يريد دينا بلا ثوابت، وآخر يريد دينا بلا متغيرات، مع أن الدين به ثوابت ومتغيرات. والدين الإسلامي يحسن التناغم مع حركة التطور، ومع الزمن، وأهمية المتغيرات أنها تتغير من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن قوم إلى قوم، كما تتغير بتغير عادات الناس، وأعرافهم، وما إلى ذلك، فالإسلام جاء متوازنا في نفسه، وجاء مجددا لنفسه، والمشكلة ليست في الإسلام، ولكن المشكلة في المسلمين، وهناك من يقول المشكلة في نصوص القرآن ونقول له المشكلة ليست في نصوص القرآن، والسنة، وإنما المشكلة في الناس وتخلفهم عن هذا الخطاب العظيم، الإسلام يحمل في ذاته كل مبادئ التطوير والتجديد، والمراجعة في فقه الأولويات، وفي فقه المصالح والمفاسد، وفقه المآلات، كل هذا الفقه من الإسلام غفل عنه المسلمون فضاعوا، والتجديد دائم في الإسلام، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب هو من المجددين، فوثيقة الأخوة الإنسانية هي من قبيل التجديد، وكل وثائق الأزهر فيها من التجديد ما فيها، لكن البعض يريد أن نترك التراث برمته... لا، نحن نريد تطوير التراث، نحن لا نترك الوطن برمته فهل نترك دار أبينا برمته بدل أن نصلحه، التجديد لا يعني إعدام الأصل».
وتابع ناجح: «أنا سعيد بالإمام أحمد الطيب، الذي يعد رمزا من رموز التجديد المنضبط، الذي يحافظ على الثوابت، ويغير في المتغير، فهو يقف في وجه حملات تخريبية كبرى تريد إزاحة الإسلام كلية لتحقيق مصالح غربية، وإسرائيلية كبيرة جدا، فإسرائيل مثلا قامت بإحياء اللغة العبرية التي كانت لغة ميتة، وعملت بها العلوم، وبعضهم حصل على أكبر الجوائز العالمية، ونحن نريد أن نترك اللغة العربية، ونريد ترك ثوابت ديننا».

 




الدكتور محمد عثمان الخشت،


وحول المناظرة التي حدثت بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ورئيس جامعة القاهرة، الدكتور محمد عثمان الخشت، قال ناجح: «الدكتور الطيب يرى أن التراث الإسلامي فيه من العظمة والشموخ، الكثير والكثير، وأن هذا التراث لا يمنع التطوير والتجديد في كل عصر وأن يضيف إليه كل عصر مزيدا من العطاء، فكل عصر فيه عطاء للإسلام، وعطاء للقرآن، وهو عطاء متجدد، وأنا أؤيد الشيخ الطيب في أنه لا يجب إهالة التراب على الدين، وأقول لمن يدعي أننا نقدس التراث، نحن لا نقدس التراث، ولا نبخسه أيضا، ولا نقدس علماء الإسلام السابقين، ولا ننجسهم، فهم يفترضون قضية ليست موجودة أصلا، ونحن لسنا مع التقديس، ولا التبخيس، ولا التنجيس، نحن لا نقدس تراث الفقهاء ولا آراءهم، والدليل على ذلك أنه في نفس مدرسة الفقيه، تجد مائة تلميذ من تلامذته ينقدون آراءه، أو يخالفونه فيها، فليس هنا تقديس، ولكن يوجد توقير وإجلال لهؤلاء العلماء وإلى عطائهم، وهذا لا يمنع إضافة عطاء جديد إلى عطائهم، يتناسب مع عصرنا، وزماننا، لكن البعض يريد إهالة التراب على التراث وبعد إهالة التراب على التراث يتجه إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم».
وقال ناجح: «دعوة الدكتور محمد عثمان الخشت التي واجهها شيخ الأزهر تدعو إلى التخلي عن التراث الإسلامي، ووضع أشياء جديدة تماما، ولكن شيخ الأزهر، واجه ذلك بحسم وحققت كلماته على مواقع التواصل أعلى تريند عالمي حيث دخل عليه أكثر من 3 ملايين متابع خلال ساعات معدودة، وأضاف ناجح، الناس متشوقة لمثل هذه الكلمات التي تصدع بالحق». 
وقال: «وراء الأكمة ما وراءها، فوراء دعوات إلغاء التراث، سعي لإلغاء النبوة نفسها، لأنهم يريدون بإلغاء التراث إلغاء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته من الوجود، وهناك من يريد القفز من نقد المسلمين غير المعصومين، إلى نقد الإسلام نفسه، ومن نقد الفقهاء غير المعصومين إلى نقد الإسلام نفسه، وهؤلاء قفزاتهم واضحة ومعروفة».
 
فكرة التجديد لا بد منها
من جهتها، قالت عميدة كلية الدراسات الإسلامية سابقا، الدكتورة آمنة نصير لـ«المجلة»: «نحن الآن نعلم أن الرسالات السماوية قد انتهت، وأن الإسلام جاء بختام الرسالات السماوية، ولكن الحياة متجددة... (كل يوم هو في شأن)، الشأن اليومي المتجدد والمتغير هذا من الذي يلبي ويواكب متطلباته لدى المجتمع؟ من هنا كانت فكرة التجديد لا بد منها، ولا مناص عنها، لأن ما ورثناه من علوم دينية واجتهادات هو شيء عظيم جدا، فهناك اجتهادات الفقهاء الذين اجتهدوا لعصورهم ولبوا طلبات أزمانهم، ولكن ما هو موقفنا الآن؟ نحن لا نجد من يلبي طلبات زماننا خصوصا ونحن الآن نعيش في نجاحات لا حصر لها تأتي من السماء ومن الأرض ومن النوافذ ومن كل حدب ومن كل صوب، الإلكترونيات الآن أوجدت انفجارا للمعرفة، وانفجارا لانفتاحات على الشباب وعلى الصغار وعلى الكبار، أوجد حالة من التيه، ولا بد من خطاب جديد يواجه هذا التيه، ويرد على الأسلئة الكثيرة التي انبثقت من التطور الهائل في مجال الإلكترونيات، ومن هنا كانت ضرورة البحث عن العقل الإسلامي الذي يجتهد لقضايا عصرنا، وقد قلت جملة في عام 1999. خلال عمادتي لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر بالإسكندرية، خلال انعقاد مجلس جامعة الأزهر، وأمام 67 عميدا من عمداء الجامعة، قلت لهم يا عمداء جامعة الأزهر، هل نحن قادرون على أن لا نقتلع من جذورنا، ولا نغترب عن مستجدات عصرنا ما بين عدم الاقتلاع، وعدم الغربة جسر طويل، هل نحن قادرون على العبور عليه حتى نلبي مستجدات العصر وطلبات الناس؟ ولم يجبني أحد خلال الاجتماع، ولكن أنا أرى في الموقف الأخير الذي حدث منذ بضعة أيام (في إشارة إلى موتمر الأزهر لتجديد الخطاب الديني) أنه أحدث نوعا من الاستجابة، وحالة من الإحساس بضرورة الاجتهاد لسد احتياجات ومتطلبات هذا العصر».
وحول تأكيدات شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أن التجديد ضرورة وتكليف إسلامي، ولكن التجديد لا يتطرق للثوابت الإسلامية الراسخة، قالت نصير: «التجديد ليس في الآيات القرآنية حاشا وكلا، هذا قول الحق لا جدال فيه، ولكن فهمي لنصوصي وتراثي على ضوء مستجدات العصر وهو المطلوب بالعقل الإسلامي المحنك صاحب البصر والبصيرة».