الجيش المصري وإمكانية تغيير التوازنات الاستراتيجية والسياسية بالشرق الأوسط

بعد تصنيفه الأول عربياً وأفريقياً... والتاسع عالمياً
* ترتيب الجيش المصري قفز في نقلة كبيرة تجاوزت ثلاثة مراحل خلال عامين فقط
* مصر لها تأثير ممتد إلى محيطها العربي وجميع الدوائر الاستراتيجية مثل دائرة البحر المتوسط والبحر الأحمر والدائرة الأفريقية والدائرة الإسلامية وكلما ازداد تأثير الدولة في محيطها كلما ازدادت قوتها وهيبتها
* عندما يرتفع ترتيب الجيش المصري ليسبق ترتيب تركيا وإسرائيل وإيران لا يمكن لقوة إقليمية أن تناوش مصر كما تفعل تركيا مع قبرص واليونان
* مواجهة مصر لجميع أشكال المواجهات المضطردة والممنهجة عليها لم تضعف القوات المسلحة على الرغم من إشراف بعض العناصر منها على المشروعات التنموية في الدولة

القاهرة:مع صدور أحدث تقرير لـ«موقع غلوبال فاير باور» المختص بتصنيفات الجيوش عالميا عن قائمة عام 2020. لأهم جيوش العالم، وتأكيده صعود تصنيف الجيش المصري للمركز التاسع عالميا، والأول عربيا وأفريقيا، متقدما 3 مراكز على التوالي، ومتجاوزا جيوش دول مثل البرازيل، وألمانيا، وتركيا، وإيران، وإسرائيل التي جاءت في المركز رقم 18 عالميا، خاصة أن التقرير أشار إلى احتلال الجيش الأميركي المركز الأول، بينما جاء الجيش الروسي في المركز الثاني، وجاء الجيش الصيني في المركز الثالث تلاه الجيش الهندي، بالمركز الرابع، والجيش الياباني في المركز الخامس، ثم كوريا الجنوبية في المركز السادس عالميا، كما ضمت القائمة الجيش الفرنسي الذي جاء في المركز السابع عالميا، والجيش البريطاني بالمركز الثامن، حيث سبق الجيش المصري مباشرة، فيما جاء الجيش البرازيلي بالمركز العاشر ليغلق قائمة الـ10 الكبار عالميا ـ وهو ما فتح الباب للحديث عن مغزى هذا التصنيف وتأثيراته على التوازنات السياسية، والاستراتيجية بمنطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية، وهو ما دفع «المجلة» لاستشراف رأي الخبراء والمتخصصين في الشؤون العسكرية والاستراتيجية للحديث عن تأثيرات تقدم تصنيف الجيش المصري عربيا، وأفريقيا، وعالميا على التوازنات في المنطقة العربية، والشرق أوسطية التي تموج بالأحداث المتلاحقة، والصراعات، والتي قد يحدثها هذا التغير، في ترتيب تصنيف الجيش المصري على مجريات الأحداث.


 
قدرة كبيرة على الردع
من جانبه، قال اللواء محمد سلمان الخبير العسكري بأكاديمية ناصر العسكرية العليا لـ«المجلة»: هناك أسس واعتبارات يبنى عليها تصنيف الجيوش بشكل عام وهذا يتم على أساس حجم ما يمتلكه الجيش من معدات تبدأ بالطائرات ثم الدبابات، وقطع المدفعية، وحجم القوة البحرية للجيش من حيث عدد القطع بترتيبها، إذا كانت مدمرات، غواصات، فرقاطات، لنشات، بأنواعها سواء كانت «لنشات طوربيد، لنشات حراسة، لنشات صواريخ»، وعدد كتائب الرادار، وبالنسبة لقوات الدفاع الجوي يتم احتساب عدد كتائب صواريخ الدفاع الجوي، ومدفعياتها، ورادارات الدفاع الجوي، واحتساب أعداد القوات المقاتلة، وهنا تتم مراعاة ثلاثة تقسيمات، وهي القوة النظامية والتي تعتبر القوة العاملة، وقوة الاحتياط، وهناك بعض الدول لديها الحرس الفيدرالي وهي عدد دول قليل مثل الولايات المتحدة الأميركية، ولكن عامة يتم احتساب القوى العاملة، وقوة الاحتياط، وهناك دول يكون فيها القوة العاملة قليلة، ولكن قوات الاحتياط كبيرة جدا، مثل سويسرا، ودولة إسرائيل، وهي دول تعتمد أساسا على قوة الاحتياط، كما أنه لا يمكن الاستهانة بالاحتياطي المصري، حيث إن مصر من الدول التي تعتمد نظام التجنيد الإجباري، وجميع هذه الحسابات تدخل في تقييم الجيوش فكل بند من هذه البنود يحصل على وزن نسبي طبقا لأهميته، وكل بند كبير تخرج منه بنود فرعية تكون لها أوزان فرعية يتم ضمها للوزن النسبي، وفي النهاية يتم احتساب عامل الكفاءة ومراكز القيادة والسيطرة، وحجم المعلومات لدى الجيوش وتصنيف المخابرات الحربية أو العسكرية في الدولة حيث تختلف أوزان أجهزة المخابرات العسكرية من دولة لأخرى كل هذا يتم احتسابه إضافة إلى امتلاك الجيوش للقواعد العسكرية، وأعدادها، سواء كانت داخلية أو خارجية. وبناء على ذلك نخرج بترتيب الجيوش، وترتيب الجيش المصري قفز في نقلة كبيرة تجاوزت 3 مراحل خلال عامين فقط.
وقال سلمان: عندما يكبر الجيش ويقوى ويكون له ترتيب ضمن الجيوش المتقدمة، يصبح في حد ذاته قوة ردع، وليس بالضرورة أن يدخل الجيش في حروب لإظهار قوته، فمن الممكن إظهار القوة بأن أحقق الردع وأمنع اعتداء قوى أخرى على حدودي البرية والبحرية للدولة أو المياه الإقليمية، أو الاقتصادية، مضيفا أنه عندما يتم ذكر أن الجيش المصري له مثل هذا التصنيف فلن تفكر أي قوة إقليمية أو غيرها في عدائيات لمصر. ومنذ 7 سنوات في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) طالب الدكتور محمد البرادعي بتقليص قوة الجيش المصري لأن مصر لن تخوض أي حروب وليس لها عدائيات مع أحد وسار على نهجة كل من كان في عباءة البرادعي، بحجة أنه من الأولى توجيه الإنفاق العسكري إلى مصارف أخرى مثل الصحة والغذاء، وغيرها. 
وأضاف سلمان: في إعادة تصنيف ترتيب الجيش المصري رد بليغ على من يطالبون بتقليص قوة الجيش، ويعيبون على شراء طائرات الرافال، والغواصات الألمانية، وحاملات الطائرات، وعمل قواعد عسكرية بالمليارات، كل ذلك يتم لخلق قوة ردع، وهيبة تمنع أي قوة من التفكير في الاعتداء على مصر.

وقال سلمان: الاستراتيجيات تبنى على عدة عوامل يأتي ضمنها بقاء الدولة وقوتها، وقوة تأثيرها في الآخرين، وهناك فارق بين دولة قوية لنفسها، ودولة مثل ألمانيا التي تعد دولة قوية عسكريا، واليابان أقوى اقتصاديا ولكن هل التأثير السياسي والاستراتيجي لليابان أقوى من التأثير الألماني؟ بالقطع الإجابة لا، اليابان ليست مؤثرة في محيطها الإقليمي مثل مصر على سبيل المثال، فالقوى السياسية للدولة تحسب بمدى تأثيرها في محيطها الإقليمي، ومصر لها تأثير ليس فقط في محيط الدولة المصرية، ولكن تأثيرها يمتد إلى محيطها العربي، وهي قلب العالم العربي، ولها تأثير على جميع الدوائر الاستراتيجية مثل دائرة البحر المتوسط، ودائرة البحر الأحمر، والدائرة الأفريقية، والدائرة الإسلامية، فكلما ازداد تأثير الدولة في محيطها، ازدادت قوتها، وازدادت هيبتها.
وقال سلمان: تركيا اليوم تهدد بأن لها منطقة مياه اقتصادية في البحر المتوسط، وتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة فايز السراج، في ليبيا، وقال سلمان ليس هناك موانع قانونية تمنع تركيا من توقيع الاتفاقية مع حكومة السراج وذلك لأن تركيا أساسا غير موقعة على الاتفاقية الدولية للبحار والمحيطات، والتي تقر بوجود مياه إقليمية للجزر، حيث إن تركيا رغم وجود الامتداد الكبير للشواطئ إلا أنه يوجد أمامها مجموعة من الجزر اليونانية المتناثرة وبالتالي فإن هذا القانون الخاص باتفاقية البحار والمحيطات يحرمها من المياه الإقليمية في البحر المتوسط، وهي غير ملزمة بهذه الاتفاقية، ولكنها ملزمة بشيء آخر سوف تضعه في الاعتبار وهي قوة مصر البحرية، وقوة جيشها القادر على التعامل مع أي تهديدات أو انتهاك لحدودها الاقتصادية المصرية، ومن هنا عندما يرتفع ترتيب الجيش المصري ليسبق ترتيب تركيا، ويسبق كل دول المنطقة فلا بد أن يعمل لها ألف حساب، ولا يمكن لقوة إقليمية مثل تركيا أن تناوش مصر كما تفعل مع قبرص مثلا، أو مع اليونان.
وأكد سلمان أن السياسة لا تعترف إلا بما هو ممكن أو متاح فإذا كان المتاح والممكن والموجود على أرض الواقع أن هذه الدولة تمتلك جيشا قويا فسوف يكون لها تأثير قوى لأن الجيش في الأساس ينفذ سياسة، وعندما نتكلم عن ترتيب متقدم للجيش المصري فإن بقية الدول سوف تخطب ودها لأنها دولة مؤثرة وتمتلك القوة، وعندما يصل الجيش المصري لهذه المرتبة العالمية فإنه يمثل قوة ردع ضد أي تهديد خارجي.


 
 تطور وطفرة غير مسبوقة
فيما قال الخبير الاستراتيجي بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء عادل العمدة لـ«المجلة»: إن ارتفاع تصنيف الجيش المصري ليصبح التاسع عالميا، والأول عربيا وأفريقيا يعني أن هناك مستوى تنويع في مصادر السلاح ومستوى تدريب راق وتدريبات مشتركة أجريت، ومناورات تمت، وروحا معنوية عالية وقضاء على الإرهاب وارتفاع لياقة بدنية وارتفاعا في الكفاءة القتالية للأفراد، وكفاءة في تنفيذ الأعمال تدريبيا، وتحركا في كافة الاتجاهات الاستراتيجية، وتعاونا بين دول الجوار والدول العظمى، كما يعني وجود طفرة غير مسبوقة في القوات المسلحة، وهو ما أدى لارتفاع تصنيف الجيش المصري، كما أن الجيش المصري تغير ترتيبة من المرتبة 14 إلى الحادية عشرة والتاسعة، وذلك منذ أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وهذا يعني الكثير أن هناك أمنا قوميا مستقرا، وأن هناك دوافع للإنتاج، وثقة بين المؤسسات الدولية، وتميزا للقوات المسلحة في هذه الفترة.
وقال العمدة: تغيير ترتيب الجيش المصري، والارتقاء في تصنيفه يدلل عل التطور، فعلينا أن نرى ترتيب الجيش الإسرائيلي الذي كان يقع في الترتيب الـ16. وأصبح في الترتيب الـ18، وأن ترتيب الجيش التركي الذي كان يقع في دائرة الـ10 الكبار، وأصبح الآن خارج دائرة الـ10 ليشغل المركز الـ13. وأن مصر دخلت تصنيف الـ10 الكبار على حسابها، وهذا يدلل على أن قدرة مصر على مواجهة جميع أشكال المواجهات المضطردة والممنهجة عليها، وعوامل التنمية والنمو الاقتصادي المضطرد والمتوازن، لم تضعف القوات المسلحة على الرغم من إشراف بعض العناصر منها على المشروعات التنموية في الدولة من جهة، ومن جهة أخرى مشاركتها كعمل رئيسي في مكافحة الإرهاب والقضاء على كل التهديدات والمخاطر التي تواجه الدولة المصرية.


 
​تصنيفات الغرض منها ليس بريئا
من جانبه، اعترض الخبير العسكري بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء حمدي بخيت على فكرة خضوع الجيش المصري لتصنيف موقع «غلوبال فاير باورز» المختص بتصنيف الجيوش عالميا، وقال لـ«المجلة»: أنا ضد هذه التصنيفات لأن الغرض منها ليس بريئا. هذه التصنيفات من الممكن أن توحي للقوى الإقليمية أن جيش مصر يتنامى وتأخذ مواقف وتعلن عنها، وتتهمه بمواقف أخرى وهذا ليس جيدا، إضافة إلى أنه من الممكن أن يستهدف الجيش المصري من قبل قوة عسكرية أخرى، كجيش متنامٍ بادعاء أن مصر تبني جيشها لأسباب توسعية، فلا بد من إلهاء هذا الجيش في عمليات تستنزفه ولكن مصر تغلبت على ذلك بنشر قواتنا المسلحة انتشارا متوازنا، والأهم من ذلك أن «غلوبال فاير باورز» لو جاءت بعد ذلك وقالت إن تصنيف مصر تراجع فسوف نصدقه وهو ما سوف تكون له تأثيرات وتداعيات سلبية على الحالة المعنوية للقوات المسلحة وعلى العلاقة بين الجيش والشعب، فلا بد أن نعمل لأنفسنا معدلات وقياسات نستطيع من خلالها أن نثق في قواتنا المسلحة (تسليحها – أداءها – المهام التي تقوم بها – تدريباتها - حجم القوات نفسه - وانتشاره - والسيطرة عليه - ونوعية السلاح وتطورها - والمهام التي يؤديها بنجاح» هذه هي المعايير التي يمكن القياس عليها، ولا أعتمد على تقرير «غلوبال فاير باورز»، حيث إنه عندما أصدرت تقريرا وضعت فيه الجيش المصري في التصنيف الحادي عشر خرجت تصريحات فرنسية تقول إن القوات المسلحة المصرية متنامية، وخرج تصريح أميركي آخر يقول إن مصر تمتلك منظومة صواريخ تستطيع أن تطال جميع دول المنطقة، فهذه اللعبة ذات حدين ولست مطمئنا لها على المستوى الشخصي.
وقال بخيت: من المؤكد أن الميزان الاستراتيجي في المنطقة يعمل حساب الجيوش القوية ولذلك أقول إنني في حاجة إلى أن أعلم أن الجيش المصري قوي وأستشعر هذه القوة دون الحاجة إلى «غلوبال فاير باور»، وأنا أرى أن الجيش المصري يتطور، حيث أصبح لديه «أسطول شمال، وأسطول جنوب، وحاملات طائرات، وغواصات قتالية متطورة، وطائرات قتال متقدمة، ودبابات، وتصنيعا حربيا»، إضافة إلى تدريبات عالية وبحجم كبير على مستوى كبير وهو ما يعطي الثقة في قوة الجيش المصري. 
وأضاف، لست في حاجة إلى تقارير «غلوبال فاير باورز» لأنه إذا قامت أي قوى إقليمية ببناء عدائيات على فكرة تنامي الجيش المصري فلن نستطيع إلغاء هذه النزعات العدائية أو الرد عليها، ولكن علينا أن نثق في قدرات الجيش وتدريبه وتسليحه وقدرته على التعبئة، وانتشاره الصحيح ونثق في المهام التي يؤديها... كل ذلك هو الذي يقول هل الجيش المصري قوي أم لا؟