مضيق هرمز ... بين التهديدات الإيرانية والمبادرات الدولية

حماية الملاحة في الممر المائي مسؤولية دولية يستوجب التدخل
* تهديدات القوات الإيرانية لناقلات النفط تتنوع ما بين الاستفزاز والتخريب والخطف والاستيلاء بالقوة
* حقيقة الرفض الأوروبي ترجع إلى أزمة الثقة وفتور العلاقات الأوروبية الأميركية في ظل دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعملية البريكست في بريطانيا
* بعد 10 أيام فقط من تولي الحكومة الجديدة في لندن أعلنت بريطانيا موافقتها على الانضمام إلى التحالف الأميركي المقترح لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز
* مضيق هرمز بأهميته الجيواستراتيجية ودوره في التجارة الدولية محط اهتمام واسع المدى من مختلف الأطراف الدولية والإقليمية
* الهدف الرئيسي للمبادرة الروسية هو إنشاء «منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج»، محددة الدول الأطراف المعنية بضمان هذا الأمن

باكو:«إن مهمة بحرية بقيادة أوروبية في مضيق هرمز لاقت دعما سياسيا من المزيد من الدول، ومن شأن هذه المهمة البحرية أن تساعد بشكل ملموس في تعزيز الوعي بالموقف البحري ومراقبته عبر نشر معدات مراقبة بحرية إضافية في منطقة الخليج والبحر العربي، بالتوافق التام مع القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار... وأن المهمة الأوروبية تهدف أيضًا إلى تعزيز خفض التصعيد واستكمال الجهود الدبلوماسية الحيوية التي تهدف إلى ضمان تعزيز الاستقرار والحوار الإقليمي الشامل في هذه الظروف الحرجة»... 
بهذه الكلمات عبّر بيان وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية، عن انطلاق المبادرة الفرنسية المدعومة أوروبيا بشأن حماية الملاحة في مضيق هرمز والتي بدأت يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2020. لتعيد هذه المهمة الأمنية مضيق هرمز إلى صدارة الاهتمام الدولي، وذلك في ضوء تعاظم الأهمية الجيواستراتيجية للمضيق كواحد من أهم الممرات البحرية الدولية، حيث يمر عبره ما يقرب من خُمس ما يحتاجه العالم من النفط، وهو ما جعل هناك إصرارا دوليا على رفض تقديم أي تنازلات تعرقل حرية الملاحة في هذا الممر المائي الذي يُعتبر وفقا للمادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 جزءًا من أعالي البحار يحق لكل السفن، تجارية أو حربية، المرور فيه، ما دام ذلك لا يضر بسلامة الدول الساحلية أو يمس نظامها أو أمنها.
ولذا، فمع تزايد التهديدات الإيرانية من قبل قوات الحرس الثوري الإيراني - التي تجوب مياه المضيق وجواره بقواربها السريعة المسلحة - لحق المرور في هذا المضيق، من خلال ما تمارسه هذه القوات من تهديدات أمنية لناقلات النفط والتي تتنوع ما بين الاستفزاز والتخريب والخطف والاستيلاء بالقوة، فإن العالم لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذه التهديدات، بل خبرة التاريخ تؤكد على أن ردود الفعل عادة ما تكون سريعة ضد أي تجاوزات أو انتهاكات ترتكبها طهران تجاه مصالح الدول في هذا الممر المائي، إذ سبق أن قامت الولايات المتحدة الأميركية عبر قواتها البحرية والجوية خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية الثماني وبالتحديد في أبريل (نيسان) 1988، بتدمير منشآت بحرية واستخبارية إيرانية وإغراق أربعة زوارق مسلحة وتدمير فرقاطتين إيرانيتين، ردًا على تعرض إحدى فرقاطات صواريخها لمحاولة إغراق بألغام بحرية إيرانية، وهو ما يعني أن التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز لن تكون محل قبول دولي أو إقليمي. وفي سبيل ذلك تعددت الأطروحات والمبادرات الدولية بشأن كيفية ضمان حرية الملاحة في هذا الممر المائي ذي الأهمية الجيواستراتيجية، وهو ما يستعرضه هذا التقرير من خلال ثلاثة محاور رئيسية على النحو الآتي:


 
أولا: أمن هرمز بين المبادرة الأميركية والرفض الأوروبي
في ضوء ما تعرضت له ناقلات النفط في مضيق هرمز، طرحت الولايات المتحدة الأميركية في يونيو (حزيران) 2019 رؤيتها لحماية حرية الملاحة في هذا المضيق، وذلك من خلال تشكيل تحالف دولي يتولى هذه المهمة تحت اسم «الحارس»، حيث تتولى الولايات المتحدة جهود تنسيق السفن وتقود عمليات المراقبة بينما يقوم المشاركون في التحالف بدوريات في المياه القريبة ويتولون مهمة مرافقة السفن التجارية التي ترفع أعلام دولهم، ولن ترافق الولايات المتحدة السفن التجارية التابعة للدول الأخرى. وبالفعل انطلقت الجهود الأميركية في هذا الخصوص من خلال توجيه دعوة لنحو 60 دولة من مختلف المناطق العربية والأوروبية والآسيوية، من أجل الموافقة على المشاركة في هذا التحالف. إلا أنها لم تحظ بقبول لدى شركاء الولايات المتحدة الأميركية وخاصة الأوروبيين.
ولكن مع تزايد القلق في منطقة الخليج مع عملية اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني وما اعقبها من رد فعل إيراني، دفعت بعض الأطراف إلى مساندة الموقف الأميركي ويقصد به تحديدا كوريا الجنوبية، حيث أعلنت وزارة دفاعها عن عزمها توسيع مهام وحدة عسكرية تعمل حاليا قبالة السواحل الأفريقية، لتشمل المنطقة المحيطة بمضيق هرمز، حيث جاء في البيان الكوري الجنوبي أن: «الحكومة الكورية الجنوبية قررت توسيع انتشار وحدة تسونجيه العسكرية بشكل مؤقت لتأخذ في الاعتبار الوضع الراهن في الشرق الأوسط لضمان سلامة مواطنينا وحرية ملاحة سفننا».
في مقابل ذلك، كان من الطبيعي أن تقابل طهران المبادرة الأميركية بالرفض، لتتفق في ذلك مع مواقف بعض الدول الأوروبية الفاعلة وتحديدا فرنسا وألمانيا. ولكن، مع اختلاف مبررات ودوافع كل طرف، حيث تنطلق الرؤية الإيرانية من رفضها للوجود العسكري الأميركي والأوروبي في مياه الخليج بصفة عامة، مؤكدة أن أمن الخليج وأمن ممراته من مهام الدول المطلة عليه، وإن كانت هذه الرؤية تحيط بها الكثير من الشكوك التي تؤكدها الممارسات الإيرانية. في حين تنطلق الرؤية الأوروبية من أن توفير حماية السفن في الخليج لا يحتاج إلى إقامة تحالف يزيد من حالة الاحتقان مع إيران، بل ترى هذه الدول أنه من المهم فتح قنوات حوار بين كل الأطراف في المنطقة لتخفيف حدة التوتر لصالح الجميع. وإن كانت حقيقة الرفض الأوروبي ترجع إلى أزمة الثقة وفتور العلاقات الأوروبية الأميركية في ظل دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعملية البريكست (الخروج البريطاني من المنظومة الأوروبية)، يدلل على ذلك طرح البلدان الرافضة للتحالف لمبادرة شبيهة بهذه المبادرة ولكن قاصرة على البلدان الأوروبية فحسب، وهو ما يعكس تباين الرؤي الأوروبية الأميركية حيال أمن مضيق هرمز بصفة خاصة والتعامل مع الملف الإيراني على وجه العموم.


 
ثانياً: الدول الأوروبية ومبادرتان لأمن مضيق هرمز
على خلفية تعرض إحدى ناقلات النفط البريطانية للقرصنة من قبل الحرس الثوري الإيراني عند مرورها بمضيق هرمز، بادرت بريطانيا تحت رئاسة «تيريزا ماي» بتقديم مبادرة تقضي بتشكيل قوة بحرية أوروبية تحظى بدعم رقابي جوي يعزز من مهمتها في تأمين الملاحة في المضيق.
وقد حظيت هذه المبادرة بتأييد مبدئي من قبل فرنسا وإيطاليا وهولندا والدنمارك، فجاء على لسان وزير الخارجية الدنماركي جيبي كوفود، قوله إن «الحكومة الدنماركية تتطلع إيجابيا نحو مساهمة ممكنة في هذه المبادرة». كما أيدت إسبانيا والسويد وبولندا وألمانيا المقترح، لتصبح بذلك مبادرة أوروبية في مواجهة المبادرة الأميركية، بحيث تتولى هذه القوة مهمة تأمين سلامة الملاحة في الخليج وممراته تخفيفًا للاحتكاك مع إيران الأقل حساسية إزاء أوروبا وسياسات دولها مقارنة بالولايات المتحدة ما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، مع الأخذ في الحسبان أن هذه المبادرة اتسمت بالطابع الأمني المحض، بمعنى أنها لا تتمتع بأي غطاء سياسي من جانب حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي. ولكن رغم ذلك قوبلت هذه المبادرة منذ اللحظة الأولى بالرفض الإيراني بذات الحجة التي رفضت بها المبادرة الأميركية والمتمثلة في رفضها للوجود العسكري الأميركي والأوروبي في مياه الخليج، بحجة أن أمن الخليج وممراته من مهام الدول المطلة عليه.
ولكن ما يهم في هذا الخصوص، أن الموقف البريطاني قد تغير عقب تولي الحكومة البريطانية الجديدة برئاسة بوريس جونسون، فبعد عشرة أيام فقط من تولي الحكومة الجديدة أعلنت بريطانيا موافقتها على الانضمام إلى التحالف الأميركي المقترح لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز والخليج، مؤكدة أن هذا الانضمام لن يؤثر على بقاء بريطانيا مع الدول الأخرى في الاتفاق النووي مع إيران، وبالفعل تجاوبت بريطانيا مع المبادرة الأميركية وقامت بإرسال قطعتين بحريتين لحماية سفنها في الخليج، حيث أعلنت وزارة الدفاع البريطانية عن وصول سفينة حربية ثانية إلى الخليج، لترافق ناقلات النفط والسفن الأخرى التي تمر من مضيق هرمز وحمايتها، وذلك في بيانها الوارد فيه أن «المدمرة إتش إم إس دنكان ستنضم إلى الفرقاطة إتش إم إس مونتروز، لدعم المرور الآمن للسفن التي ترفع علم بريطانيا عبر مضيق هرمز».


 
وفي ضوء تغير الموقف البريطاني، طرحت فرنسا مبادرة جديدة لم تختلف في جوهرها عن المبادرة البريطانية، أطلقت عليها «المبادرة الأوروبية للرقابة البحرية في مضيق هرمز»، عكست هذه المبادرة الرؤية الأوروبية في تعاملها مع أمن الخليج، تلك الرؤية التي تركزت في محورين: الأول، إيجاد آلية قانونية لحماية الممرات المائية تعمل وفقها القوة البحرية المزمع إنشاؤها أوروبياً. والثاني، بذل الجهود الدبلوماسية المكثفة لحل أزمة البرنامج النووي الإيراني. وفي هذا الخصوص ورد في بيان وزارة الخارجية الفرنسية أن «ألمانيا وبلجيكا والدنمارك وفرنسا واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال قدمت دعما سياسيا لتشكيل بعثة أوروبية للمراقبة البحرية في مضيق هرمز... وأن الدول الثماني ترحب بكافة المساهمات العملانية التي أعلنت عنها الدنمارك وفرنسا واليونان وهولندا لمساندة هذه الجهود، وترحب بالتعهدات الجديدة في الأيام المقبلة»، إذ أنه وفقا لهذه الخطة تم تشكيل هيئة أركان المبادرة والمشكلة من ضباط فرنسيين وبلجيكيين ودنماركيين وهولنديين قد انضموا إلى مقر القيادة القائمة في القاعدة البحرية الفرنسية في أبوظبي، كما أرسلت فرنسا إلى المنطقة الفرقاطة «كوربيه» لتكون باكورة القطع البحرية المشاركة في المهمة، على أن تلحقها في خلال هذا الشهر نشر فرقاطة هولندية، حيث أبدت هولندا حرصها على المشاركة في حماية حرية الملاحة، مؤكدة على ذلك، فيما أعلنه وزير الدفاع الهولندي بقوله: «إن هولندا بلد محوري في ملف النقل يمارس التجارة البحرية، والأحداث الأمنية البحرية التي شهدتها منطقة الخليج تضر بأمن ومصالح هولندا الاقتصادية بشكل مباشر»، وهو الأمر ذاته الذي دفع الدنمارك لأن تعلن عن نيتها بإرسال فرقاطة إلى المنطقة للمشاركة في هذه المبادرة كما عبر عن ذلك البيان الصادر عنها بأن الدنمارك: «لها مصلحة خاصة ومسؤولية في المحافظة على الأمن البحري، وحرية الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها خامس أمة بحرية في العالم».


 
ثالثاً: مضيق هرمز في المبادرة الروسية للأمن الخليجي
في الثالث والعشرين من يوليو (تموز) 2019 طرحت روسيا إنشاء نظام أمني في منطقة الخليج، يقوم على تحسين شروط الاستقرار والأمن، وحل النزاعات، والتعامل مع مرحلة ما بعد الأزمات، وذلك من خلال تقديمها لتسعة مبادئ حاكمة لعمل هذا النظام، تركزت أهمها في ضرورة العمل على بناء تحالف موحد لمكافحة الإرهاب، يضم جميع الأطراف المعنية بالقضاء على بؤر التطرف والإرهاب في الشرق الأوسط وضمان التسوية السياسية المستدامة في سوريا واليمن وغيرها من دول الإقليم، على أن تتم جميع هذه الأنشطة تحت رعاية الأمم المتحدة، مع التأكيد على أن مبادئ احترام السيادة والسلامة الإقليمية، وتسوية قضايا السياسة الداخلية من خلال الحوار الوطني وضمن الإطار الدستوري ودون تدخل خارجي. وفي سبيل تحقيق هذه المبادئ، تضمنت الرؤية الروسية عددا من الإجراءات، شملت إعادة تأكيد الأطراف على جميع التزاماتها القانونية (خاصة عدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في تسوية النزاعات، واحترام السيادة والسلامة الإقليمية لدول المنطقة، والالتزام بتسوية النزاعات الإقليمية والحدودية من خلال المفاوضات والوسائل السلمية)، والالتزام المتبادل بالشفافية العسكرية (الحوار حول العقائد العسكرية، الاجتماعات دون الإقليمية لوزراء الدفاع، وإنشاء الخطوط الساخنة، وتبادل الإخطارات الأولية حول التدريبات العسكرية والرحلات الجوية، وتبادل المراقبين، والامتناع عن النشر الدائم للقوات الأجنبية داخل أراضي دول الخليج، وتبادل المعلومات المتعلقة بشراء الأسلحة والقوات المسلحة)، وتوقيع اتفاقات لضبط التسلح (إنشاء مناطق منزوعة السلاح، وحظر تكديس الأسلحة التقليدية المهددة للاستقرار، مثل القدرات الصاروخية، والتخفيض المتبادل للقوات المسلحة)، واتخاذ الخطوات الضرورية لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، وإبرام اتفاقات بشأن مكافحة الإرهاب العابر للحدود وتجارة السلاح والهجرة غير القانونية والاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة. 
وفيما يتعلق بالوجود العسكري القائم بالفعل في منطقة الخليج، تذهب المبادرة إلى أنه مع تقدم عملية بناء النظام الأمني​​، ينبغي بدء النقاش حول تقليص الوجود العسكري الدولي في المنطقة.
يتضح مما سبق أن المبادرة لم تتضمن بندا يتعلق بالأمن والاستقرار في مضيق هرمز بشكل صريح وواضح، وإنما بلا شك أن الحفاظ على هذا الأمن يأتي ضمن سياق المبادرة الشاملة التي أكدت على أن تحقيق الأمن الخليجي عبر إنشاء نظام أمني يجب أن يكون جزءا من تحقيق الأمن في إقليم الشرق الأوسط ككل، لتقترب هذه الرؤية من الرؤية الأوروبية والتي ترى من الأفضل تخفيف وجود القوات العسكرية في المنطقة، إلا أنها لم تختلف في جوهرها في أن أمن هذه المنطقة يتطلب وجودا دوليا وإن تباينت أشكال هذا الوجود، يدلل على ذلك أن ما تطالب به المبادرة الروسية يتعارض مع الوجود الروسي المباشر كما هو الحال في سوريا وغير المباشر كما هو الحال في مناطق أخرى مثل العراق واليمن.
خلاصة القول إن مضيق هرمز بأهميته الجيواستراتيجية ودوره في التجارة الدولية محط اهتمام واسع المدى من مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، فتعددت المبادرات وتنوعت الأطروحات بهدف مواجهة التهديدات الإيرانية المستمرة لضمان حرية الملاحة والمرور التي يكفلها القانون الدولي كممر مائي دولي يخضع لأحكام هذا القانون ومبادئه. ولكن يجدر تسجيل ملاحظتين مهمتين بشأن ما طرح من مبادرات في هذا الخصوص: 

الأولى، تتعلق بطبيعة المبادرات التي طرحت والتي تتمحور حول ضرورة وجود عسكري لضمان الملاحة والمرور في هذا المضيق البحري، فتدقيق النظر في المبادرة الأميركية أو المبادرتين الأوروبيتين (البريطانية قبل تحول موقفها ثم الفرنسية المؤيدة أوروبيا) تطالبان بوجود قوات عسكرية لمواجهة التهديدات الإيرانية. في حين تظل المبادرة الروسية في ظاهرها بعيدة عن المطالبة بوجود قوات أجنبية في المنطقة، إلا أن جوهرها لم يختلف كثيرا عما تضمنته المبادرات الأميركية والأوروبية، وإن تباينت في الأساليب فحسب، إذ تضمنت المبادرة الروسية أن الهدف الرئيسي منها هو إنشاء «منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج»، محددة الدول الأطراف المعنية بضمان هذا الأمن، وذكرتهم بالتحديد: روسيا، والصين، والولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، والهند، كأطراف أساسية، وهو ما يعني في جوهره تدويل الحفاظ على الأمن في منطقة الخليج، خاصة أن المبادرة لم تحدد على وجه الدقة دور هذه الأطراف الأساسية، وأغلب الظن أن هذا الدور لن يختلف كثيرا في جوهره عما تضمنته المبادرات الأخرى.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالموقف الإيراني الذي يعد هو محور هذه المبادرات جميعها، بل إنها طرحت بدورها مبادرة أطلقت عليها «مبادرة هرمز للسلام» في سبتمبر (أيلول) 2019 من على منبر الأمم المتحدة، تمحورت حول تشكيل تحالف دولي لضمان أمن الخليج، يضم إيران، والسعودية، والعراق، والبحرين، والإمارات، وقطر، وعمان، والكويت، وينشط تحت رعاية الأمم المتحدة، وتعارض هذه المبادرة كافة المبادرات الدولية المطروحة بحجة رفضها للوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، من منطلق أن أمن الخليج وممراته هو مسؤولية الدول المطلة عليه. ورغم وجاهة هذه الحجة في ظاهرها إلا أن الممارسات العملية والتهديدات المستمرة من جانب طهران تفرغ هذه الحجة من مضمونها وتجعلها تطبيقا للمقولة «قول حق أريد به باطل»، فإذا كانت طهران تدافع عن المنطلق القائل بمسؤولية الدول المطلة على الخليج عن أمن الخليج واستقراره، فالسياسات التي تنتهجها إيران حيال جيرانها سواء من خلال التدخل المستمر في شؤونها الداخلية ودعمها الدائم للكيانات والتنظيمات الإرهابية في المنطقة، فضلا عن ممارسات القرصنة التي يرتكبها حرسها الثوري حيال السفن والناقلات العابرة للمضيق، كل هذه السياسات هي المصدر الرئيسي لتهديد الأمن في مضيق هرمز الذي تعد حمايته وحماية المرور فيه لكافة السفن والناقلات مسؤولية دولية وإقليمية معا. فكون المضيق ممرا مائيا دوليا – كما سبقت الإشارة - تجعل تهديده مسؤولية دولية تستوجب التدخل.
ومن ثم، فالأجدر إذا ما أرادت طهران أن يكون لحجتها أولوية وأسبقية في مواجهة المبادرات الدولية التي تطرح لأمن الخليج، أن تكف هي عن سياساتها التدخلية في شؤون جوارها الإقليمي، وأن تُوقف تهديداتها المستمرة للملاحة والعبور الآمن للسفن والناقلات في المضي. حينذاك ستكون مسؤولية أمن الخليج وممراته مسؤولية دوله المشاطئة، وهو ما يتطلب أن تكون ثمة مبادرة خليجية لأمن الخليج تراعي مواقف الأطراف الدولية من ناحية، والمصالح الوطنية لدول الخليج من ناحية أخرى.