من «سما أطفال سوريا» إلى العالم: تحركوا لأجلنا

* أوقفوا القاتل، وحققوا القليل من العدالة لأرواح آلاف الأطفال الذين قتلهم الأسد، ومعه الطيران الروسي، والميليشيات الإيرانية

«إلى سما»، الوثائقي الذي نال أكثر من 44 جائزة والذي حصد مؤخرًا جائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام «بافتا» لأفضل فيلم وثائقي، يروي قصة وعد الخطيب المخرجة وحياتها في حلب على مدى خمس سنوات. وهي حياة عاشتها ووثقتها تحت القصف الروسي وأثناء محاصرة قوات النظام السوري للمدينة، ثم زواجها وإنجابها لطفلتها سما.
وعد التي كانت طالبة بجامعة حلب عندما اندلعت شرارة الثورة، قررت كآلاف الشباب والشابات السوريات الانخراط بها، حملت هاتفها وبدأت بتوثيق كل ما تراه عينها، تقول وعد في إحدى المقابلات: «النظام السوري، مع بدايات الثورة، كان في حالة إنكار لنا. لم يعترف بنا وبما نريده ونطالب به ونفعله. نحن رفضنا هذا الإنكار أيضا، كانت ردّة فعلي الأولى، ككثيرين غيري، أن أصوِّر، فأنا لا أستطيع فعل شيء آخر غير التصوير، رغم أنّي لم أحمل كاميرا سابقًا، ولا أعرف شيئًا عن تفاصيلها».
وبعد أن انتقلت إلى حلب الشرقية، وتزوجت من الدكتور حمزة، استمرت وعد بتسجيل الحياة اليومية، حياة صبية أحبت وتزوجت وأنجبت وهي توثق الموت اليومي، والقصف على المستشفى الميداني، تصور لحظات فرح مقابل لحظات حزن وقهر كثيرة، تصور الواقع كما هو دون زيادة أو نقصان.
خمس سنوات من التصوير اليومي، شاءت الظروف أن تتحول هذه المادة المصورة إلى فيلم وثائقي، فيلم يحصد الجوائز وينتقل من مدينة إلى أخرى ليشاهده الملايين. هو ليس حياة وعد ودكتور حمزة، وليس فيديو للعام الأول من حياة سما، كما نصور نحن ضحكات أطفالنا، بل هو حياة ملايين السوريين، هو توثيق لمأساة لم تنته.
بينما كانت وعد الخطيب تتسلم جائزتها، وبينما كان الجمهور يبكي وهو يصفق لها، لم تنس وعد أن تذكرهم بأن المأساة ما زالت مستمرة، وأن ما شاهدوه عن حلب، يحصل اليوم بشكل أبشع في إدلب.
نجحت وعد بإيصال صورة ما حصل ويحصل في سوريا إلى العالم، كما نجح قبلا فيلم «الخوذ البيضاء» الحاصل على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، وغيره، نجحت بإيصال صوت الأم السورية التي لم تحلم إلا بمستقبل أجمل لها ولطفلتها ولوطنها، فكان الرد من قبل النظام بالقتل والتعذيب والتهجير، نجحت عندما فشل الكثيرون في نقل الصورة الحقيقية.
«إلى سما» هو حياة مستمرة وقتل مستمر وألم دائم وليس وثائقيا يتحدث عن حقبة انتهت. مشكورة وعد لما قدمت، مشكور دكتور حمزة الذي أصر على البقاء لآخر لحظة ليقوم بدوره كطبيب تحت القصف والحصار، ولكن أين العالم مما حصل ويحصل؟ ها نحن نخبركم بما حصل ويحصل، كما أخبر قبلا، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الثلاثة أعوام ببراءة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد قصف النظام السوري للغوطة: «الله بكل شيء».
تسعة أعوام مضت على المحرقة السورية، ولم يحرك العالم ساكنًا، وعود بعدالة لم تتحقق، وبقصاص لم يُنزل بالمجرمين، لا شيء سوى المزيد من القتل والقهر والتهجير، فحتى عبارات التنديد اختفت. عندما عُرض فيلم «عازف البيانو» المأخوذ من كتاب «موت المدينة» لعازف البيانو البولندي اليهودي «فلاديسلاف شبيلمان» حول تجربته أثناء الاحتلال النازي لبلاده، وما تعرض له هو وأسرته ويهود بولندا على يد النازيين من جرائم وما عاشوه من معاناة أودت بحياة الكثيرين في فترة الاحتلال النازي لبولندا، كان هتلر قد خسر الحرب وانتحر، كانت العدالة قد تحققت لأرواح آلاف البشر التي أزهقتها النازية وجنون هتلر، أما اليوم فيصفق العالم «إلى سما» ويبكي على جثث ملايين السوريين، ولكنه لا يقوم بأي فعل لوقف هذه المحرقة المستمرة، لا بل إن بعض هذا العالم لا يترك فرصة إلا ويحاول فيها تعويم الأسد، الأسد الذي لا يقل جنونًا عن هتلر، ونظامه الذي لا تقل خطورته على العالم عن النازية.
من أجل سما وعمر وريان، من أجل حمزة وتالا وآلاء وإبراهيم، من أجل ملايين السوريين، لا تكتفوا بالتصفيق، لا تكتفوا بالبكاء عند رؤية صور ما تبقى من أرواحنا، أوقفوا القاتل وحققوا القليل القليل من العدالة لأرواح آلاف الأطفال الذين قتلهم الأسد ومعه الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية.