عندما نكرر أخطاء الماضي

* ليس هناك من جهة سياسية تملك الشجاعة لمقاربة الأزمة بعقل بارد، لأن الحلول التي يمكن أن تنتج من أي نقاش جدي حول إعطاب النظام اللبناني القائم منذ 100 عام، ستزعزع مبدأ الزعامات الطائفية الذي أنتج مآسي البلد على مدى أعوام استقلاله

من الطبيعي أن يتقاذف اللبنانيون على مختلف انتماءاتهم السياسية التهم لتبرير الحالة المزرية التي وصل إليها البلد. فالسفينة تغرق وكل جهة سياسية تريد تلميع صورتها وتبرئة ساحتها أمام جمهورها من الانهيار الحاصل من خلال تحميل الآخر مسؤولية الانهيار.
لذلك نرى مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل بمواجهات فرضية بين أنصار الأحزاب وجيوشها الإلكترونية منذ استقالة حكومة الحريري على أثر انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول). فمن كان في الماضي القريب حليفا لتيار ما أصبح فجأة يكن له العداء المطلق: في البال جمهور القوات والمستقبل مثلا، الذي لا يتوارى عن نبش قبور الماضي ونشرها بتغريدة فيها كم من الكره المبطّن واللامبالي للأذى الذي يلحقه بالآخر.
ومن ضمن هذا المهرجان الاتهامي الذي نشاهده منذ اندلاع الثورة ينفي رئيس جمهورية لبنان وصهره رئيس أكبر تكتل في البرلمان وشريك في الحكم منذ 2005 عن نفسه أي مسؤولية عن الحالة الدراماتيكية التي وصلنا إليها في لبنان. «حزب الله» وضع نفسه في صف الحراك مؤيدا مطالبه في الإصلاحات، شرطه الوحيد أن يستثنيه الثوار من شعار «كلن يعني كلن». هذه المقاربة تنطبق على كل أحزاب السلطة ليتبين أن الكل بريء من جريمة إفقار ونهب الشعب اللبناني.
الكل بريء، فمشكلة الكهرباء مثلا لا تعني التيار الذي يصر على تسلم وزارتها منذ ما يقارب العقد من الزمن، كما أن مشكلة النفايات لا تعني الحكومة التي تدفع لشركات خاصة ثمن تجميعها وطمرها بدلا من أن تكون موردا ماليا مهما لها. كذلك الأمر ينطبق على سياسات الاستشفاء والزراعة والاتصالات وحال الطرقات والمواصلات... إلخ. لا أحد مسؤول عن هذا الفشل.
صحيح أنه كان لأي مراقب توقع ما حدث من انهيار مالي واقتصادي واجتماعي ولكن في عقل اللبنانيين الباطني كان لا بد من يد خفية أن تهبّ لإنقاذهم مما يعانون. وكأن المطلوب رعاية دائمة لهذا البلد من دون أن يقوم هذا الأخير بأي جهد ليصبح فعلا سيدا حرا مستقلا.
انتهت الحرب اللبنانية بعد 15 عاما من تقاتل أهلي من دون أن تتم مراجعة أسباب هذه الحرب. هكذا استفاق لبنان على اتفاق جديد (الطائف)، الذي بدأ معه مرحلة الإعمار. وما هي إلا سنوات قليلة حتى عاد اللبناني لاستقبال السياح بأعداد وفيرة، ودارت عجلة الاقتصاد الريعي في ظل الوجود السوري وتنامي قوة «حزب الله»، وفي ظل حروب متقطعة مع إسرائيل.
هكذا ببساطة انتهت مرحلة وبدأت أخرى من دون أي سؤال. لم يكلف اللبناني نفسه عناء معرفة ما السبب الذي مكّن منظمة التحرير الفلسطينية تعاظم نفوذها وقوتها في الداخل اللبناني في سبعينات القرن الماضي؟ أو لماذا تنازل لبنان عن سيادته وسمح لقوات ياسر عرفات بالقيام بعمليات ضد إسرائيل انطلاقا من أراضيه في الجنوب؟ هذه أسئلة لو تمت الإجابة عنها بعد انتهاء الحرب الأهلية لما كنا اليوم في نفس الموقع الذي كنا فيه عام 1969 ولو بأدوات مختلفة، ولما كنا انتقلنا من سيطرة فلسطينية إلى أخرى سورية وصولا إلى إيرانية اليوم...
أليس ما نعيشه اليوم شبيه بما عاشه اللبنانيون في ثمانينات القرن الماضي؟
انهيار للدولة، ومعها انهيار للعملة الوطنية، إفقار للشعب، إذا ما صح تقدير البنك الدولي فإن 50 في المائة من الشعب اللبناني يعيش تحت خط الفقر عام 2020، إفلاس للمصارف، أزمة اجتماعية، هجرة كثيفة، غلاء فاحش في غياب أي رقابة تحدّ من جشع التجار، وأزمة اجتماعية على باب الانفجار. 
أما في الجانب السياسي الأمني، فهناك ميليشيا إيرانية أقوى من الدولة تفرض سياساتها عليها، وتخضع أجهزتها ومؤسساتها لإرادتها، مثل أيام منظمة التحرير، أضف إلى ذلك تحول التوتر الطائفي الذي سيطر قبلا إلى توتر مذهبي خطير لكون أبعاده إقليمية.
هذا ما حدث في الماضي وهذا ما يحدث اليوم، وفي الحالتين لم يشعر اللبنانيون أن عليهم فهم أسباب تكرار هذا التاريخ بقتامته وعنفه. لم تشعر الطبقة السياسية أن خللا ما في النظام القائم يسمح باستضعاف الدولة وقيام ميليشيات على ضفافها لأن لا أحد يريد الاعتراف بأن هذا النظام القائم على ولاء شعبه للطوائف التي ينتمي إليها لا يمكن أن يستمر في دولة مركزية. لا أحد يريد الاعتراف بأن مزج الدين بالدولة في بلد تتعدد فيه المذاهب هو وصفة دائمة للاقتتال. ثم ليس هناك من جهة سياسية تملك الشجاعة لمقاربة الأزمة بعقل بارد، لأن الحلول التي يمكن أن تنتج من أي نقاش جدي حول إعطاب النظام اللبناني القائم منذ 100 عام، ستزعزع مبدأ الزعامات الطائفية الذي أنتج مآسي البلد على مدى أعوام استقلاله.
على كل الأحوال باتت الأمور واضحة. إنه النظام الذي يجب أن يتغير إن أراد اللبنانيون أن لا يتكرر التاريخ.