تشارلز ديكنز وأميركا: حب... وكراهية

في يونيو المقبل سياتي إلى حديقة «بارك» في فيلادلفيا أساتذة وطلاب الأدب الإنجليزي ليحتفلوا بعيد ميلاده الـ 208
* ديكنز عن السياسيين الأميركيين: «مثل أي شخص آخر في أميركا، مدفوعون بالمال، وليس بالمثل العليا... أشعر بخيبة أمل. هذه ليست جمهورية مخيلتي»
* انتقد ديكنز في أميركا الهجمات الجبانة على المعارضين، واتخاذ الصحف دروعاً يتخفون وراءها، واستئجار الأقلام الرخيصة لطعن الذين يختلفون معهم في الرأي.

فيلادلفيا:في ضاحية «سبروس هيل»، في غرب فيلادلفيا، وفي حديقة «كلارك»، يوجد التمثال الوحيد، والأكبر في العالم، للروائي البريطاني تشارلز ديكنز. حتى في متحفه البريطاني، في المنزل الذي عاش فيه في لندن، لا يوجد تمثال مثله. وسبب ذلك أنه كان طلب عدم نحت أي تمثال له. وبينما أطاعه البريطانيون، رأى الأميركيون، بسبب حبهم لرواياته، أن التمثال هو أقل ما يقدرون عليه لتخليد ذكراه.
ويوم السابع من يونيو (حزيران) المقبل، سيأتي إلى هنا عدد من طلاب الأدب الإنجليزي في جامعة فيلادلفيا، ومن جمعية «أصدقاء حديقة كلارك»، ومن جمعية «نادي تشارلز ديكنز»، مثلما يأتون كل عام، للاحتفال بعيد ميلاده، هذا المرة، سيكون العيد رقم 208.
وفي عام 1890، في ذكرى عيد ميلاد ديكنز رقم 20، لم يكن هناك تمثال. لكن، كان أدباء ومعجبون يجتمعون كل عام للاحتفال. في ذلك الوقت، اقترح ستيلسون هتشين، مؤسس صحيفة «واشنطن بوست». نحت تمثال يمثل إعجاب الأميركيين بالروائي البريطاني. وفعلا، نحت التمثال فرانسيس ايلويل، واحد من أشهر نحاتي الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
ومن المفارقات أن النحات نقل التمثال إلى لندن، ليوضع هناك في منزل ديكنز. لكن، قال له البريطانيون إن ديكنز طلب أن لا يوضع له تمثال. فعاد النحات بالتمثال، ولم يعرف ماذا يفعل به.
عرضه في المعرض العالمي في شيكاغو (عام 1893). وفاز بجائزة أحسن نحت في المعرض. وكتبت عنه صحيفة «نيويورك تايمز»: «وسط كل معروضات المعرض العالمي في شيكاغو، لا يوجد عمل فني أكثر روعة من تمثال تشارلز ديكنز. ولا يوجد إقبال على شيء مثل الإقبال على هذا التمثال. واضح أن الأميركيين مولعون بالتمثال، وبصاحبه، وبروايات صاحبه».
لكن، رغم ذلك، لم يجد النحات من يشتري التمثال، ويعتقد أن النحات كان فخورا بما نحت، وعرض ثمنا غاليا جدا. ونقل التمثال من شيكاغو إلى هنا، فيلادلفيا، ووضعه في مخزن. وبعد ثلاث سنوات، عندما احتفلت فيلادلفيا بمرور 30 عاما على زيارة ديكنز لها (كان ألقى محاضرات، وقرأ من رواياته، وأثار الإعجاب)، وقد اشترت التمثال جمعية فنون، ووضعته في حديقة «كلارك»، هنا.
 
من هو؟
ولد ديكنز في عام 1812. وتوفي عام 1870، عندما كان عمره 58 عاما، بعد أن انتشرت رواياته في كثير من الدول الغربية، وفي وقت كانت فيه طباعة وتوزيع الكتب شبه بدائية.
هذه أهم رواياته (جملتها 15):
رواية «أوليفر تويست»: الصبي اليتيم الذي ولد في ورشة أعمال خشبية وحديدية. وتربى فيها، وعمل فيها صبيا. وحتى عندما هرب إلى لندن، صاحبته التعاسة، وصار عضوا في عصابة متخصصين في نشل جيوب الناس. وقال ديكنز إن رجلا عمل معه، هو نفسه، في مصنع طوب، تقمص شخصية «فاغين»، زعيم عصابة النشالين.
رواية «نيكولاس نيكلبي»: ليست عن البطل «نيكولاس»، بقدر ما هي عن والدته «مسز نيكلبي»، الساذجة، التي تظهر من وقت لآخر في أجزاء هذه الرواية. لا تخلو هذه الرواية، هي الأخرى، من تعاسة أبطالها، ومن تعاسه الظروف التي عاشوا فيها. بعد وفاة والدة المؤلف ديكنز، قال ديكنز إنه تقمص شخصية والدته في «مسز نيكلبي». وقال إن والدته، عندما قرأت الرواية، استغربت، وقالت إن «مسز نيكلبي»، حقيقة، ساذجة، ولم تكن تعرف أنها هي المقصودة.
رواية «قصة مدينتين»: كما هو واضح من اسمها، عن مدينتي لندن وباريس، خلال الثورة الفرنسية (عام 1789). بطلها هو «دكتور مانيت»، المناضل الفرنسي الذي اعتقل، وقضى 18 عاما في سجن الباستيل. بعد أن خرج من السجن، انتقل إلى لندن، حيث قابل ابنته التي لم يكن رآها، لأن زوجته كانت حاملا بها عندما اعتقل. لا تصور الرواية فقط الثورة الفرنسية، بل، أيضا: «عصر الإرهاب» الذي صحبها، عندما صارت «الثورة تأكل أبناءها».
رواية «ديفيد كوبرفيلد»: قال ديكنز إن هذه أفضل رواياته، وإن الصبي أفضل «أولاده». وقال نقاد كثيرون إنها، حقيقة، أحسن رواياته. ربما لأن ديكنز قال إنه تقمص فيها أجزاء من حياته هو عندما كان صبيا. رغم أنه عاش حياة سعيدة مع والدته ومربيته، ساءت حالته عندما تزوج والدته «مستر ميردستون» القاسي. ثم نقل إلى المنزل اخته «مسز ميردستون» القاسية مثله. وعانى «ديفيد»، وعانت والدته، من الزوج ومن شقيقة الزوج.
 
 
أميركا مرتان:
زار ديكنز الولايات المتحدة مرتين، في عامي 1842، و1867. 
وقبل الحرب الأهلية (1861 - 1865)، ثم بعدها، في الزيارة الأولى، بالغ الأميركيون في استقباله والاحتفاء به. وفي الزيارة الثانية واجه حملة نقد ضده، ورد هو بحملة نقد ضد الأميركيين.
وثق هذا التناقض كتابان:
الأول: «مذكرات أميركية لعامة الناس»، الذي كتبه ديكنز نفسه، بعد عودته من الزيارة الأولى.
الثاني: «تشارلز ديكنز في أميركا»، الذي كتبه ويليام ويلكنز، من أشهر الأميركيين الذين تخصصوا في الرجل.
في الزيارة الأولى، كما كتب ديكنز، استقبل «مثل نجم موسيقي». وفي «عيد الحب»، استضافته نيويورك «في واحد من أروع الأحداث التي شهدتها المدينة على الإطلاق». كان ديكنز في الثلاثين من عمره فقط. لكن، روايات مثل «أوليفر تويست» و«أوراق بيكويك»، جعلت منه ربما أشهر روائي في العالم في ذلك الوقت.
تحدث في «أروع مكان في نيويورك، في مسرح بارك، وسط أكاليل الزهور، واللوحات المزينة، تكريما». وكان هناك تمثال نصفي لديكنز معلق من إحدى شرفات المسرح. ووضع «نسر أميركي» (في قفص) فوق التمثال. ورقص ديكنز وزوجته «كاثرين» أكثر الليل وسط 3 آلاف شخص تقريبا.
في نهاية الحفل، تحدث ديكنز، وقال: «إذا كان علي أن أعيش سنوات كثيرة جدا، ستظل مشاهد هذا الحفل الزاهية في ذهني بعد 50 عاما من الآن».
بالإضافة إلى نيويورك. زار، مع زوجته، بوسطن، وفيلادلفيا، وشيكاغو، ومدنا أخرى. وفي كل مكان ذهبا إليه، استقبلا استقبالا حافلا.
وكتب ديكنز: «لا أقدر على شرب كأس ماء من دون أن يكون هناك أكثر من مائة شخص يحيطون بي. يريدون أن ينظروا إلى الماء وهو يدخل حلقي».
في ذلك الوقت، لم تكن هناك حقوق دولية معترف بها لنشر الكتب، ولم تكن الكتب مسجلة كما هو الحال الآن. وساعد ذلك ناشرين في الولايات المتحدة على نشر روايات ديكنز (ومطبوعات أوروبية أخرى) في طبعات رخيصة، زادت الإقبال عليها.

الزيارة الثانية:
بعد نهاية الحرب الأهلية، ولم تكن الزيارة الثانية سعيدة مثل الأولى، لأكثر من سبب:
كان السبب الأول هو «حقوق النشر». يبدو أن ديكنز صار طماعا بسبب انتشار رواياته وسط الأميركيين. فجاء بخطة ليجمع الكتاب والمثقفين الأميركيين في حملة يطلبون فيها من الكونغرس وضع قانون «حقوق النشر».
لكن، انتقده كثير من هؤلاء، وقالوا إنه «جاء لجمع المال، وليس لنشر الفكر».
في عشاء أدبى أقيم له، جادل بأن قانون «حقوق النشر» لن يساعده هو فقط، ولن يدر عليه مزيدا من المال فقط، لكنه سيساعد «الآلاف الذين يريدون نشر رواياتهم وأفكارهم. ونعم، يقدرون على أن يصيروا أغنياء».
وأضاف: «أقول ذلك حبا لإخواني الكتّاب والروائيين، وليس لأني مغرم بأكوام الذهب والفضة».
لكن، انقلبت الصحافة الأميركية على ديكنز. وقالت إنه «يخلط بين المتعة والمال».
وقالت صحيفة «نيويورك كوريار انكويرار»، التي كانت في ذلك الوقت، الصحيفة الأكثر شعبية في الولايات المتحدة: «نشعر بالحزن والحزن لأن تشارلز ديكنز كان ينبغي أن لا يكون مذنبًا بمثل هذه اللامبالاة، وبمثل هذا الإلحاح».
وأضافت الصحيفة: «كان مفترضا أن تكون كل الصحافة في الولايات المتحدة مؤيدة له، لكنه حث المجتمعين في الحفل، وغيرهم خارج الحفل، ليس على احترام عبقرتيه، ولكن على زيادة حجم محفظة أمواله».

إساءات للأميركيين:
كان السبب الثاني الذي جعل الزيارة الثانية سلبية هو كتاب «مذكرات أميركية لعامة الناس» الذي نشره بعد زيارته الأولى.
لم يكن الكتاب لطيفا مع الأميركيين. كرر عبارة تجمع الأميركيين حوله وهو يشرب الماء، وأنهم «يكادون يريدون أن يشاهدوا الماء وهو يدخل حلقي». لكن، هذه المرة، كررها في سلسلة انتقادات حادة للأميركيين. انتقد حياتهم، وسلوكهم، وحتى نظامهم الديمقراطي.
كتب: «أشعر بخيبة أمل، هذه ليست الديمقراطية التي كنت أتوقعها». رغم أنه كان قد قال إن زيارته هدفها «معرفة إذا ما كانت الديمقراطية الأميركية أحسن من الديمقراطية الفكتورية (عصر الملكة فكتوريا) التي مزقتها التقسيمات الطبقية».
وعن جولاته في بعض ولايات الغرب الأوسط، وأماكن «الكاوبويات»، انتقد الأميركيين لأنهم «يكثرون أكل الحيوانات الصديقة». وقال إن هذه العادة «تجرد القيم الاجتماعية من كل شيء، عدا شهوة الأكل الطبيعية».
كان ديكنز قد قرر قضاء أسبوع كامل في واشنطن العاصمة «لمعرفة هل ترقى السياسة الأميركية إلى مستوى عال». وفعلا، زار الكونغرس، وقابل عددا من السياسيين الأميركيين، وحضر حفل الاستقبال الذي أقامه على شرفه الرئيس جون تايلر في البيت الأبيض.
لكن، كان واضحا أن ديكنز تغلب عليه مزاج سيئ، ولم يكتب عن أشياء إيجابية، وركز على الأميركيين وهم يمضغون التبغ، ويبصقونه في الشوارع. وكتب في مذكراته: «ربما يجب أن تسمى واشنطن «المقر الرئيسي للعاب التبغ المبصوق».
بالنسبة للسياسيين، خلص ديكنز إلى أنهم: «مثل أي شخص آخر في أميركا، مدفوعون بالمال، وليس بالمثل العليا». وأضاف: «أشعر بخيبة أمل. هذه ليست جمهورية مخيلتي».
وبالنسبة للصحافيين، انتقد «الهجمات الجبانة على المعارضين، واتخاذ الصحف دروعا يتخفون وراءها، واستئجار الأقلام الرخيصة لطعن الذين يختلفون معهم في الرأي».
ولم يقصر الصحافيون الأميركيون في الهجوم عليه. قالت صحيفة «نيويورك كوريار انكوايارار»: «يا للهول. وصفنا تشارلز ديكنز بأننا جميعا عرق قذر وشرير». ووصفت ديكنز بأنه «أحط أنواع الخدم والطباخين. كان قضى نصف حياته يطبخ في مطابخ لندن».
غضب على ديكنز كثير من أصدقائه الأدباء الأميركيين، مثل واشنطن إرفنغ (من رواياته: «ريب فان وينكل»). وكتب: «شعر الأميركيون أنهم رحبوا بزيارة ديكنز إلى بلادهم كبطل. لكن الآن عندهم هناك شعور بأنه خائن».
هكذا، في يونيو (حزيران) القادم سياتي إلى حديقة «بارك» في فيلادلفيا أساتذة وطلاب الأدب الإنجليزي ليحتفلوا بعيد ميلاد ديكنز رقم 208. وكما يفعلون كل سنة، سيقرأون الفقرات التي يفضلونها من روايات ديكنز، ثم ينقسمون إلى قسمين: «الزيارة الأولى»، دفاعا عن ديكنز، و«الزيارة الثانية» انتقادا له.