صدمات الماضي قد تطارد صحتك في المستقبل

دراسة: الحفاظ على روابط اجتماعية قوية مع الأصدقاء وأفراد العائلة ضرورة من أجل تحسين الصحة النفسية
* أحد أنجح وسائل العلاج هو تعريض نفسك بجرعات ضئيلة لأكبر أمر صادم، في وجود شخص يدعمك
* هناك كثير من الخطوات الحياتية يمكنها أن تساعدك على الحد من التوتر والاكتئاب، مثل: اليوغا وتاي تشي والتأمل. ويمكن أن تساعدك ممارسة التمارين الرياضية بانتظام على السيطرة على التوتر
* تواصل مع آخرين؛ فالحفاظ على روابط اجتماعية قوية مع الأصدقاء وأفراد العائلة مهم للغاية من أجل تحسين الصحة النفسية

هارفارد:ترتبط ذكريات الطفولة السيئة على وجه التحديد بالإصابة بمشاكل صحية مزمنة.
طفولة صعبة. اعتداء عنيف. حادث سيارة. إذا مررت بأي مما سبق في ماضيك، ربما يكون لذلك تأثير على صحتك في الوقت الحاضر.
جميع ما سبق أمثلة على أحداث صادمة، وتقول عالمة الأبحاث أندريا روبرتس، في كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة، وفقًا لعلم النفس إنها حوادث تجعلك تعتقد أنك معرض لخطر الإصابة البالغة أو فقدان حياتك. وتشير الأبحاث إلى أن هذه الأحداث يمكن أن تتسبب في ردود أفعال عاطفية وحتى بدنية يمكنها أن تجعلك أكثر عرضة للإصابة بمشاكل صحية مختلفة، منها الأزمات القلبية والسكتات الدماغية والسمنة والأمراض العضال.
 
كيف نفهم الصدمة؟
تشمل الأحداث الصادمة أي شيء من اعتداء جنسي أو إساءة معاملة لطفل وحتى التشخيص بالإصابة بمرض السرطان. ويحتمل على وجه خاص أن تؤثر المعاملة السيئة في الطفولة على حياتك كشخص بالغ، نظرًا لأنها تحدث في فترة يكون فيها العقل هشًا. 
وتضيف روبرتس أن الإساءة أحيانًا ما تقع على يد أشخاص من المفترض أن يكونوا قائمين على حمايتك. وتقول أيضًا: «في كثير من الأحيان نقصد بإساءة المعاملة أمورًا أهون كثيرًا مما يعتقد الناس عادة أنها إساءة. فربما تتضمن التعرض للضرب بشيء صلب مثل سوط أو حزام أو مجداف». وتوضح: «ليس من الضروري أن يكون الأمر غير قانوني كي يتسبب في إحداث الصدمة».
كذلك لا يقل إدراك الطفل للأحداث أهمية عما حدث بالفعل. يقول الطبيب النفسي كيري ريسلر من كلية الطب بجامعة هارفارد: «ربما لم تتعرض حياة الطفل للخطر في الحقيقة، ولكن ربما تصور الطفل أن ما حدث هدد حياته».
في بعض الأحيان يصاب الأشخاص الذين مروا بأحداث صادمة باضطراب الكرب التالي للصدمة، وهو مرض نفسي يؤثر على نسبة تتراوح ما بين 5 إلى 10 في المائة من إجمالي السكان، على حد قول الطبيب ريسلر. ويزيد انتشاره بين النساء، ليصبح عدد النساء المصابات به ضعف عدد الرجال. كما يشير الطبيب إلى أنه ينتشر بصورة أكبر بين الأشخاص الذين لديهم عوامل خطورة معينة، من بينهم من يعيشون في الفقر، والجنود المشاركون في قتال فعلي، والقائمون بأعمال الإسعافات الأولية. ويمكن أن يحدث اضطراب الكرب التالي للصدمة بعد تعرض شخص ما للعنف أو تهديد بالعنف، بما فيه العنف الجنسي. ويضيف الطبيب ريسلر أنه ربما يصيب أشخاصا لديهم شخص قريب تعرض لمثل تلك الأمور أيضًا. وهذه الأحداث الصادمة هي حوادث بصفة عامة يمكن اعتبارها خارجة عن الطبيعي واستثنائية في قوتها.


 
التعرض للمخاطر
ترتفع خطورة الإصابة بمشاكل صحية نفسية وبدنية نتيجة للتعرض لصدمة ماضية مع ارتفاع عدد الأحداث التي مر بها الإنسان. تقول روبرتس على سبيل المثال إن احتمالية إصابتك بمشاكل تزداد إذا تعرضت لثلاث تجارب سلبية أو أكثر، والتي تسمى بذكريات الطفولة السيئة.
وتتضمن تلك التجارب:

  • الإساءة البدنية
  • الإساءة الجنسية
  • الإساءة العاطفية
  • الإهمال البدني
  • الإهمال العاطفي
  • مشاهدة عنف أسري
  • إدمان المخدرات داخل الأسرة
  • الإصابة بمرض نفسي داخل الأسرة
  • انفصال الأبوين أو طلاقهما
  • تعرض أحد أفراد الأسرة للسجن

 
نوع آخر من الصدمات
بينما من المعتقد أن الأحداث الصادمة بشدة لها أكبر تأثير على الصحة على المدى البعيد، فإن هناك أحداثا عصيبة أخرى ليس من الضروري أن تخضع لتعريف علم النفس للصدمة ولكنها تستطيع أن تتسبب في مشاكل. 
توضح روبرتس أن مثل تلك الأحداث قد تتضمن الموت المفاجئ لأحد أفراد العائلة أو مرحلة طلاق مرهقة أو رعاية شخص مصاب بمرض مزمن أو موهِن. ربما تؤدي مثل تلك الأحداث الأخف وطأة إلى الإصابة باضطراب نفسي مثل القلق أو الاكتئاب. 
وتفسر روبرتس ذلك قائلة: «إن الصدمة تضغط على قدرة المرء على التكيف، لذا إذا كان الشخص لديه استعداد للقلق على سبيل المثال، فقد تدفعه إلى الاضطراب».
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي مثل تلك الحوادث إلى ظهور أعراض تشبه اضطراب الكرب التالي للصدمة بين بعض الناس. ويشرح الطبيب ريسلر: «عندما يتعرض الناس إلى حالة حزن صادم أو مُعقد، فقد يمرون بأعراض مشابهة جدًا لتلك التي يمكن أن يتعرض لها أصحاب الصدمات، مثل الأفكار المتسلطة».
 
المشاكل الصحية الناجمة عن الصدمة
يشير الطبيب ريسلر إلى أن أغلب الأبحاث المتعلقة بالصدمة واحتمالات الإصابة بمرض مزمن ركزت على صدمات الطفولة. وتعد صدمات الطفولة المبكرة عامل خطورة لكل شيء تقريبا، بداية من الإصابة بالاكتئاب في سن البلوغ إلى اضطراب الكرب التالي للصدمة وأغلب الاضطرابات النفسية، بالإضافة إلى مجموعة مختلفة من المشاكل الصحية منها الإصابة بأمراض القلب كالأزمات القلبية، والسكتات الدماغية والسرطان والسمنة.
 
على الأرجح تعكس تلك التأثيرات عاملين:
أولا، التغييرات السلوكية الناجمة عن الصدمة؛ فربما يحاول الأشخاص الذين يعانون من ذكريات صادمة الهروب منها بالمشاركة في سلوكيات خطيرة مثل شرب الكحوليات أو التدخين أو تعاطي المخدرات أو حتى الإفراط في تناول الطعام بهدف الشعور بالارتياح. وتعلق روبرتس بأن «كل تلك الأشياء يمكن أن تستخدم كآلية للتَكَيف؛ كوسيلة للتعامل مع الاضطراب العاطفي الذي يحدث عندما يتعرض الشخص للصدمة». وتؤدي هذه العادات بدورها إلى الإصابة بمشاكل صحية.
ثانيًا، التأثيرات البدنية المتعلقة بالصدمة. وتتجاوز المشكلة العادات غير الصحية، إذ يعتقد الخبراء أن هناك تأثيرا بيولوجيا مباشرا يحدث عندما يتعرض الجسم لكرب شديد. عندما يتعرض المرء لشيء يثير القلق، تنشط استجابة الكرب. توضح روبرتس أن هذا يعني أن يفرز الجسم المزيد من الأدرينالين، وتتسارع ضربات القلب ويستعد الجسم لاتخاذ رد فعل. قد يشهد شخص تعرض لصدمة ما دفعات أقوى من الأدرينالين وربما تكرر معه لمرات أكثر من شخص لم يكن له الماضي ذاته. ينجم عن هذا إنهاك الجسم. 
وتضرب روبرتس مثلاً بما يحدث في سيارة يعمل محركها باستمرار في سباقات متسارعة. كذلك تظهر استجابات الكرب في أشخاص تعرضوا لحالات تفرقة طوال حياتهم. وتعلق روبرتس: «إن ذلك يصيب أجهزتك بالعَجَز على نحو أسرع».
يمكن أن يزيد الضغط المزمن من إصابة الجسم بالالتهاب، وتضيف روبرتس أن الالتهاب يرتبط بمجموعة كبيرة من الأمراض منها أمراض القلب وأمراض المناعة الذاتية. 
إن الصدمة المبكرة تُربِك عمل جهاز المناعة. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات طويلة الأمد في هذا الجهاز وإلى مشاكل صحية أخرى مزمنة نتيجة للإصابة بالتهاب مستمر. ويصبح المعتاد هو أنه كلما زادت الصدمات التي تعرضت لها، أصبحت صحتك في حال أسوأ.
 
موانع تلقي مساعدة
قد يواجه بعض الناس الذين تعرضوا لصدمات صعوبة في تلقي المساعدة. يقول الطبيب ريسلر: «أحد أكثر نتائج الصدمات شيوعًا هو التجنب»، مضيفًا: «وهذا منطقي. إذا تعرضت لحادث صادم سوف ترغب في تجنب التفكير فيه أو الذهاب إلى الأماكن التي تذكرك به». ومن المؤسف أن السياقات الصحية، وما تتضمنه من أطباء ومعالجين ومقدمي مشورة، تعمل كمحفزات لكثير من الأشخاص، نظرًا لأنه عندما يتعرض الشخص لحادث صادم، أحيانًا ما ينتهي به الحال إلى منظومة رعاية صحية.
علاوة على ذلك، إذا تعرضت لصدمة، ربما تعتقد أن مقدم الرعاية الصحية سوف يرغب في الحديث معك بشأنها وينبش في مشاعر ماضية. لتلك الأسباب، قد يتجنب من تعرضوا لصدمات الرعاية الطبية.
وقد يكون بعض الناس في حالة إنكار لدور الصدمة الماضية في حياتهم. تقول روبرتس: «أود أن أوضح أن الكثيرين لا يدركون كيف تؤثر الصدمة عليهم». أحد العلامات المميزة للصدمة هي حقيقة أن الأشخاص أحيانًا ما يستخدمون آليات دفاعية لحماية أنفسهم من الكرب. والإنكار أحد تلك الآليات، كما هو الحال مع التعامل بطبيعية مع مشاكل الماضي: «كأن يقول البعض عبارات مثل: كل من أعرفهم تعرضوا للضرب وهم صغار».
 
البحث عن مصادر
من أجل الحصول على مزيد من المعلومات عن الصدمات واضطراب الكرب التالي للصدمة أو البحث عن مصادر للعلاج، فيما يلي ثلاثة مواقع لمؤسسات مهنية جيدة جدًا وتحظى بتدقيق جيد:

  • الجمعية الدولية لدراسات الكرب الناجم عن الصدمات النفسية (www.istss.org)
  • جمعية القلق والاكتئاب الأميركية (www.adaa.org)
  • المركز الوطني لاضطراب الكرب التالي للصدمة (www.ptsd.va.gov).

 
تلقي المساعدة
إذا كنت تشك في أن صدمة سابقة تؤثر على حياتك، يمكنك الحصول على مساعدة، فهذه مشكلة يمكن علاجها. يقول الطبيب ريسلر: «لا يجب أن تشعر أنك محاصر»، مضيفًا: «يوجد احتمال كبير أنك ستتمكن من تجاوز الأمر».
كذلك ربما تساعد الخطوات التي تتخذها لمعالجة المشكلة أشخاصا آخرين في حياتك أيضًا. في أحيان كثيرة، يحدث أن الأشخاص الذين تعرضوا لصدمة يمررون المشاكل إلى آخرين في عائلاتهم عن طريق عملية تسمى التعلم بالملاحظة. وقد تسمح مساعدتك لنفسك بمساعدة من هم حولك. لذلك فَكِر في هذه الخطوات.
تعامل مع معالج. يستطيع المعالج المُدَرَب أن يساعدك على إعادة صياغة ما حدث لك وعلى تجاوزه؛ تقول روبرتس: «إن أحد أنجح وسائل العلاج هو العلاج بالتعرض، حيث تكمن فكرته في تعريض نفسك بجرعات ضئيلة لأكبر أمر صادم، في وجود شخص يدعمك». وقد يتضمن العلاج أيضًا دواء يعالج المرض النفسي الذي تمر به.
اعتن بنفسك. هناك الكثير من الخطوات الحياتية التي يمكنها أن تساعدك على الحد من التوتر والاكتئاب، وهي تتضمن اليوغا وتاي تشي والتأمل. ويمكن أن تساعدك ممارسة التمارين الرياضية بانتظام على السيطرة على التوتر وغيره من الأعراض.
تواصل مع آخرين. كشفت الأبحاث أن الحفاظ على روابط اجتماعية قوية مع الأصدقاء وأفراد العائلة مهم للغاية من أجل تحسين الصحة النفسية.
وتعلق روبرتس: «من المؤسف أن كل هذه الأمور صعبة التنفيذ عندما يكون المرء في حالة اكتئابية».