تضاعف الديون الخارجية لنصف القارة الأفريقية

صيحة تحذير... الديون الخارجية خطر يهدد الاقتصاد العالمي
* مخاوف لدى المستثمرين بشأن القدرة على تحمّل أعباء الديون
* الديون الحكومية تمت بأسعار فائدة مرتفعة... بعد انخفاص الاستثمار الأجنبي
* تريليونا دولار تسددها الأسواق الناشئة خلال 3 سنوات بالعمل كديون خارجية ترتفع إلى 10.7 تريليون دولار كدين عام

القاهرة: تحذيرات كثيرة أطقها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بعد تزايد الديون الخارجية العالمية، محذرين من أزمة جديدة للاقتصاد العالمي، وقد تساهم أعباء الديون في التعرّض لصدمات اقتصادية جديدة، خاصة أن الديون جاءت بشكل متزايد بأسعار فائدة مرتفعة.
وخلال الفترة الأخيرة، اتجهت بعض الدول، خاصة في أفريقيا، إلى التوسع في الاقتراض لتعويض نقص الاستثمارات الأجنية وضعف السيولة المحلية، ويؤكد الخبراء أن الاعتماد على الاقتراض لا يحقق النمو الاقتصادي، وقد يتسبب في مشاكل اقتصادية للدول، خاصة حال عدم القدرة على سداد الأعباء، والاتجاه لخفض الإنفاق العام مما يتسبب في ضعف الإنفاق على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب إدارة رشيدة للدين العام، خاصة الخارجي، وإحداث إصلاحات اقتصادية لتشجيع الاستثمار المحلي والعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

الديون الخارجية
وكشف البنك الدولي عن أن رصيد الديون الخارجية للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل زاد بنسبة 5.2 في المائة في 2018 إلى 7.8 تريليون دولار، بوتيرة تراكم أبطأ مما كان عليه الحال في 2017. وما عدا أكبر عشرة بلدان مقترضة وهي الأرجنتين والبرازيل والصين والهند وإندونيسيا والمكسيك وروسيا وجنوب أفريقيا وتايلند وتركيا، ارتفع رصيد الديون الخارجية للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بنسبة 4 في المائة.
وأشار التقرير الذي حمل عنوان «إحصاءات الديون الدولية 2020» إلى انخفاض صافي تدفقات الديون الوافدة إلى البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بنسبة 28 في المائة في 2018 إلى 529 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، انخفض صافي التدفقات المالية إلى تلك البلدان بنسبة 19 في المائة في عام 2018، وما عدا الصين بلغت نسبة الانخفاض 29 في المائة.
وتشير مؤشرات الديون إلى أن أعباء الديون قد تساهم في التعرّض لصدمات اقتصادية، فظلت نسبة الديون الخارجية إلى إجمالي الدخل القومي للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل في المتوسط مستقرة عند مستوى معتدل 26 في المائة، ولكن ما عدا الصين التي سجلت مستوى منخفضا لنسبة الديون الخارجية إلى إجمالي الدخل القومي (14 في المائة)، بلغت نسبة الديون الخارجية إلى إجمالي الدخل القومي للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل في المتوسط نحو 35 في المائة. وما عدا الصين أيضا التي سجَّلت مستوى منخفضا لنسبة الديون الخارجية إلى الصادرات (68 في المائة)، فإن نسبة الديون إلى الصادرات لدى هذه البلدان بلغت 120 في المائة.
كما زاد عدد البلدان التي ارتفعت فيها مستويات الديون إلى إجمالي الدخل القومي. ومنذ عام 2009. تراجعت نسبة البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل التي تقل فيها نسب الديون إلى إجمالي الدخل القومي عن 30 في المائة، إذ انخفضت إلى 25 في المائة من البلدان في 2018 من 42 في المائة من البلدان. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، ارتفعت نسبة البلدان التي تزيد فيها نسب الديون إلى إجمالي الدخل القومي عن 60 في المائة إلى 30 في المائة، وقفزت نسبة البلدان التي تخطت فيها نسب الديون إلى إجمالي الدخل القومي 100 في المائة إلى 9 في المائة.
مخاوف المستثمرين
وأشار التقرير إلى أن تراجع عمليات الاقتراض الجديدة يؤكِد مخاوف المستثمرين بشأن القدرة على الاستمرار في تحمّل أعباء الديون لدى بعض البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية، ذراع مجموعة البنك لتمويل أشد بلدان العالم فقرا.
ويساهم المستثمرون غير المقيمين اليوم بنسبة 50 في المائة من الديون الحكومية لاقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، وهي نسبة تزيد كثيرا عما كانت عليه في 2010. وفيما يتعلق بالبلدان منخفضة الدخل، كان الكثير من هذه الديون بشروط غير مُيسَرة وخارج إطار اتفاقيات نادي باريس لتسوية الديون.
وزاد صافي تدفقات الديون إلى البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية فقط بنسبة 32 في المائة في 2018، لترتفع مستويات الديون الخارجية لدى هذه البلدان بنسبة 6 في المائة إلى 388 مليار دولار.
وقد تضاعف رصيد الديون الخارجية مجتمعة للبلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية فقط منذ عام 2009. لكن ارتباطات القروض الخارجية الجديدة لكيانات القطاع العام انخفضت نحو 4 في المائة إلى 45.8 مليار دولار في 2018.
وأظهر التقرير أيضاً تراجع عمليات الإقراض من الدائنين غير الأعضاء في نادي باريس إلى البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة فقط. وانخفضت نسبة ارتباطات الإقراض الجديدة من الجهات الدائنة الثنائية غير الأعضاء في نادي باريس إلى 17 في المائة، لكن نسبة ارتباطات الإقراض الجديدة من الجهات الدائنة الثنائية الأعضاء في نادي باريس ظلت مستقرة عند نسبة 12 في المائة.

 




ريستينا ساس خلال مشاركتها في ورشة (أفريقيا 2018)


 
مناطق العالم
في منطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي شكّلت النسبة الأكبر من صافي التدفقات المالية الوافدة بمبلغ 272 مليار دولار (27 في المائة)، تليها بلدان في شرق آسيا والمحيط الهادي، باستثناء الصين، بمبلغ 115 مليار دولار (11 في المائة).
وتجاوزت تدفقات الديون الوافدة تدفقات الاستثمارات الوافدة في محافظ الأسهم في جميع المناطق عام 2018، باستثناء جنوب آسيا حيث شكلت تدفقات الاستثمارات في محافظ الأسهم 60 في المائة من إجمالي التدفقات الوافدة، وباستثناء أوروبا وآسيا الوسطى حيث كانت تدفقات الديون سلبية (- 11 مليار دولار).
وسجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسرع تراكم في أرصدة الدين الخارجي، بمتوسط 7 في المائة، وذلك بسبب ارتفاع هذا التراكم بنسبة 15 في المائة في مصر أكبر مقترض في المنطقة.
وتجاوزت الزيادة في أرصدة الدين الخارجي معدل النمو الاقتصادي في الكثير من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء على مدار العقد الماضي؛ إذ بلغ متوسط مجموع نسبة الدين الخارجي إلى إجمالي الدخل القومي 36 في المائة في نهاية عام 2018، وهو تغيير هامشي عن العام السابق، لكنها تزيد 40 في المائة عن عام 2009.
 


أفريقيا... مشكلة
وذكر التقرير أن الدين الخارجي تضاعف في أفريقيا خلال العقد الماضي، وشهدت الدول الأفريقية نموا في الديون بشكل أسرع من المناطق الأخرى، فأكثر من نصف دول القارة تضاعفت ديونها الخارجية؛ فتضاعف الديون تتضح بشدة 885 في المائة في إثيوبيا، و521 في المائة في زامبيا، 437 في المائة في أوغندا، و395 في المائة في غانا.
وبلغ مجموع التدفقات المالية الدولية إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في عام 2018، مجتمعة بين الدين والأسهم، ما يزيد قليلاً على تريليون دولار، بنسبة أقل 20 في المائة عن عام 2017. عند قياس نسبة الدخل القومي الإجمالي، كان إجمالي التدفقات المالية يعادل 3.4 في المائة، أي انخفض عن عام 2017. التي بلغ إجمالي التدفقات خلالها (4.4 في المائة)، وهو أقل بكثير من النسبة المسجلة في عام 2010 والتي بلغت 6.9 في المائة.
وسجلت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسرع تراكم لأرصدة الدين الخارجي، بمتوسط قدره 6 في المائة، وتسببت مصر في ارتفاع هذا التراكم بنسبة 15 في المائة فهي أكبر مقترض في المنطقة.
ففي مصر ارتفع صافي تدفقات الديون طويلة الأجل بنسبة 13 في المائة إلى 16 مليار دولار، مع انخفاض بنسبة 20 في المائة في التدفقات من الدائنين الرسميين، وعلى صعيد آخر نجد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر قوية، حيث سجلت 6.8 مليار دولار لعام 2018. وتركزت الاستثمارات موجهة بشكل كبير إلى قطاع النفط والغاز.
وطبقًا للتقرير استوعبت مصر ولبنان معًا 90 في المائة من صافي تدفقات الديون طويلة الأجل إلى المنطقة في عام 2018.
 
أسعار الفائدة
اتسمت الديون الحكومية التي تراكمت في الأعوام الأخيرة بأنها على نحو متزايد تمت بأسعار فائدة أعلى ومن قاعدة أكثر تنوعا من الدائنين، وخارج نطاق آليات الرقابة الدولية القائمة. ويخلق نقص الشفافية الذي يحيط ببعض الديون مزيدا من الضبابية والغموض والمخاطر. ويزداد احتمال دخول الكثير من البلدان التي حصلت على ديون من مصادر جديدة في حالة مديونية حرجة أو هي بالفعل في هذه الحالة.
وحدثت زيادة حادة في ديون القطاع الخاص. وبلغ مجموع ديون بلدان الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية مستوى قياسيا مرتفعا 168 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط في عام 2018، من 96 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2007.
وقد تكون تداعيات الإفراط في الاستدانة، لا سيما الديون الخارجية، شديدة الوطء. فهي تزيد احتمالات التعرض لأزمات مالية، وتُضعِف قدرة الحكومات على الاستجابة للأزمات عند حدوثها. وقد تؤدي أيضا إلى إبطاء معدلات الاستثمار والنمو.
وأصبحت إدارة الديون وشفافيتها مرة أخرى تُشكِّل تحديات جسيمة على طريق التنمية. وقد تساعد زيادة شفافية الديون وإدارتها إدارة رشيدة على تخفيف بعض التكاليف المرتبطة بتراكم الديون وبعض ضغوط الاقتصاد السياسي للتراكم السريع للديون.
 
سداد القروض
وكشفت بيانات معهد التمويل الدولي، أن الدين الأجنبي المقوم بالعملة الأجنبية في 30 دولة من الأسواق الناشئة الكبرى، سجل مستوى قياسيا جديدا بلغ 4.7 تريليون دولار العام الحالي، باستثناء ديون القطاع المالي... وهذا هو أكثر من ضعف المستوى منذ عقد من الزمان. ويتوقع أن يصل سداد القروض والسندات بالعملات الأجنبية في الأسواق الناشئة، العام المقبل إلى نحو 800 مليار دولار.
وفي الفترة من 2020 إلى 2022 فإن عمليات سداد الديون ستصل إلى تريليوني دولار، وعند إضافة الديون المستحقة بالعملة المحلية المستحقة، سيرتفع هذا الرقم إلى 10.7 تريليون دولار، أو نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة.
وأوضح معهد التمويل الدولي، أنه بالإضافة إلى إعادة تمويل المخاطر المرتبطة بعبء السداد، فإن تكاليف الفائدة على الديون ستزيد المخاطر المالية بشكل أكبر.
 
احتياطي العملات الأجنبية
وتعد نسبة احتياطي العملات الأجنبية إلى متطلبات التمويل الخارجي، قضية شائكة لكثير من دول الأسواق الناشئة. فرغم كونه مريحًا لبعض البلدان، إلا أنه حتى احتياطيات العملات الأجنبية التي تتجاوز احتياجات التمويل للعام المقبل، قد لا تكون كافية لعزل البلدان بالكامل من ضغوط العملة في أوقات الاضطراب.

 




كريستينا ساس رئيسة شركة ناشئة تربط بين مصممي البرمجيات في جميع أنحاء إفريقيا.


 
الشفافية لإدارة الديون
وتساعد الشفافية واضعي السياسات على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الاقتراض؛ وتساعد الدائنين ووكالات التصنيف الائتماني على تقييم الجدارة الائتمانية للجهات السيادية المقترضة، ومن ثم على تسعير أدوات الدين تسعيرا مناسبا، وتجعل المواطنين على دراية بكيفية إنفاق الحكومات للأموال العامة. وتظهر الدراسات أن الشفافية تؤدي أيضا إلى تعزيز الرخاء، فالبلدان الأكثر شفافية تتمتع بتصنيفات ائتمانية أعلى، وتكاليف اقتراض أقل، وقدرات أكبر على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر.
ووجدت تقييمات البنك الدولي التي غطَّت 62 من البلدان منخفضة الدخل أن أقل من نصفها تفي بالحد الأدنى لمتطلبات تسجيل الديون ومتابعتها والإبلاغ عنها.
ويتطلب ارتفاع الديون بصورة كبيرة أن تكون إدارة الديون وشفافيتها على رأس أولويات واضعي السياسات، حتى يمكنهم زيادة معدلات النمو والاستثمار، والتأكُد من أن الديون التي تتحملها بلدانهم تساهم في تحسين نواتج التنمية.
ويجب على واضعي السياسات استحداث آليات لتسهيل تسوية الديون عند الضرورة. ومن المفيد في هذا الشأن أيضا زيادة الشفافية بشأن الديون.
ورغم أن برنامج إدارة الديون يمكن أن يساعد في مواجهة الكثير من التحديات المتعلقة بإدارة الديون، فإنه لا يستطيع التصدي لها جميعًا. ويتعين على البلدان نفسها، من خلال قادتها وواضعي السياسات والمواطنين، أن تجد الإرادة السياسية اللازمة للإصرار على التحلي بالحكمة في إدارة الديون والشفافية في الاقتراض الضروريتين لتجنب مخاطر الديون المفرطة.
وسيكون للنمو عبر المديونية بدلاً من الاستثمار تأثير سلبي طويل اﻷمد على قدرة هذه الدول على تنمية اقتصاداتها، كما أنها ستواجه صعوبة في الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وربما تفقد فرصة جذب الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.